أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى الهود - فائق بيك قائم مقام بعقوبة نموذج إداري في النزاهة والتحديث العمراني (1912–1967)














المزيد.....

فائق بيك قائم مقام بعقوبة نموذج إداري في النزاهة والتحديث العمراني (1912–1967)


مصطفى الهود

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يُعدّ فائق بيك أحد أبرز الإداريين العثمانيين الذين عملوا في العراق في العقود الأخيرة من الحكم العثماني، وقد ترك بصمة واضحة في الذاكرة المحلية لمدينة بعقوبة ولواء ديالى عموماً، بوصفه نموذجاً للموظف الإداري الحازم، النزيه، والمخلص للخدمة العامة.
تسلّم فائق بيك منصب قائم مقام قضاء بعقوبة سنة 1912، وتميّز منذ بداية عمله بمتابعته الدقيقة لشؤون الإدارة والتعليم. فقد كان يزور المدارس يومياً، يدخل الصفوف، يراقب سير التدريس، ويمتحن الطلبة بنفسه، في ممارسة نادرة تعكس اهتمامه العميق ببناء الإنسان إلى جانب تنظيم المؤسسات. وكان يحمل معه نسخاً من مجلة «التدريسيات الابتدائية» التي كان يصدرها آنذاك المفكر التربوي صاطع الحصري في إسطنبول، ما أسهم في ترسيخ الذائقة التعليمية الحديثة وحفظ الطلبة لبعض النصوص الأدبية والشعرية.
على الصعيد الإداري، عرفه أهالي ديالى قائداً صارماً في الحق، لا تأخذه فيه لومة لائم، وعدواً عنيداً للظلم والتعسف، ومدافعاً عن الضعفاء والمظلومين. وقد اتسمت إدارته باليقظة الدائمة والمتابعة المستمرة لكل ما يجري داخل مركز القضاء وخارجه، الأمر الذي جعله محل احترام وتقدير واسعَين بين الأهالي.
أما في مجال الإعمار والبنية التحتية، فقد بذل فائق بيك جهوداً استثنائية أسهمت في تحديث بعقوبة ونقلها خطوات مهمة إلى الأمام. ومن أبرز منجزاته إنشاء مدرسة عصرية في المدينة، وبناء فندق كبير استُخدم لاحقاً بعد سقوط الدولة العثمانية مقراً لمديرية الشرطة، وهو اليوم مركز لبلدية اللواء. كما يُعدّ أول من أسس معمل طحن للقمح ومعمل ثلج في بعقوبة، فضلاً عن تجديد الجسر القائم على نهر ديالى.
وخلال سنوات الحرب العالمية الأولى، افتتح شارعاً استراتيجياً يبدأ من منتصف شارع الجسر، مخترقاً البساتين الواقعة في الجهة الشمالية من مركز القضاء، ليكون طريقاً عاماً يؤدي إلى طريق شهرابان. كما أنشأ عدة قناطر خشبية على جداول خريسان، كانت في معظمها مبنية من جذوع نخيل متلاصقة، إضافة إلى تشييده قنطرة جميلة من الآجر قرب «الشريعة البيضاء»، خُصصت لعبور ناقليات الجيش الآلية. وقد وضع على جانبي هذه القنطرة لوحتين رخامتين، كُتب على إحداهما بالتركية «شارع فائق بيك»، وعلى الأخرى «من آثار القائم مقام فائق بيك»، إلا أن سلطات الاحتلال قامت لاحقاً بإزالة اللوحتين وطمس معالمهما.
ورغم مرور الزمن ورحيل معظم معاصريه من أصدقاء وأبناء جيله في لواء ديالى، فإن ذكراه بقيت حيّة في وجدان أبنائهم وأحفادهم، الذين تناقلوا سيرته بإجلال ومحبة، وإن لم يلتقوه شخصياً. وقد عاد فائق بيك إلى العراق زائراً في ربيع سنة 1954، حيث أقام في بغداد قرابة شهرين ضيفاً عزيزاً على أهلها. وما إن شاع خبر رغبته في زيارة بعقوبة حتى خرج وفد كبير من أهالي المدينة، يضم نحو عشرين سيارة، لاستقباله ومرافقته من بغداد إلى بعقوبة.
كان يوم وصوله إلى بعقوبة يوماً استثنائياً، أشبه بالعيد؛ فقد استقبله الأهالي بحفاوة بالغة، وعبّروا عن تقديرهم العميق لشخصه وتاريخه، حتى إن أصحاب المقاهي أخذوا يوزعون القهوة مجاناً على المواكب والمارة. وقد استقبل فائق بيك هذا التكريم بدموع الامتنان، معترفاً بجميل المدينة وأهلها، يفيض قلبه بالراحة والاطمئنان. وعند مغادرته بعقوبة عائداً إلى بغداد، ودّعه جمع غفير من الأهالي حتى الضفة الأخرى من نهر ديالى.
امتدت خدمة فائق بيك في العراق قرابة ستة أعوام، شغل خلالها مناصب إدارية رفيعة؛ فكان قائماً مقاماً في بعقوبة، ثم متصرفاً في العمارة والديوانية، وقبيل سقوط بغداد عُيّن والياً عليها. وبعد الاحتلال، تولّى منصب متصرف كركوك، ثم عُيّن والياً لولاية ملاطية في الأناضول، وانتقل بعدها إلى ولاية أوردو على ساحل البحر الأسود، حيث انتُخب عضواً في المجلس الوطني الكبير في دورته الثانية ممثلاً عن ولاية أوردو. وفي مراحل لاحقة، انسحب من العمل السياسي، وتولى رئاسة مجلس إدارة شركات السكر في إسطنبول، قبل أن يتقاعد نهائياً ويعتكف في داره.
توفي فائق بيك في 25 نيسان/أبريل 1967، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الإداري والخدمة العامة، تاركاً وراءه سيرة ناصعة لموظف دولة جسّد قيم النزاهة والانضباط والالتزام بالمسؤولية. رحم الله فائق بيك، قائم مقام بعقوبة، الذي بقي اسمه مرتبطاً بذاكرة المدينة بوصفه مثالاً للإدارة الرشيدة والإنسانية الصادقة.



#مصطفى_الهود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سعيد أفندي عودة الكلاسيك العراقي إلى شاشة الحاضر
- تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الحملات الانتخابية في العر ...
- الحسد والغيرة... وباء اجتماعي ينخر جسد النجاح
- الحرية مفهوم اشكالي
- مجتمع الثكنات... هل فقدنا معنى التعايش؟
- السيناريو
- نشأة وتطور التلفزيون
- مفهوم المونتاج
- ملك الوالد
- العين الساهرة
- المونتاج الذهني عنده ايزنشتاين
- هي فوضى
- الايجاز
- سحر الضوء
- الفن التشكيلي
- الاندماج
- اصحمة ابن ابجر(النجاشي)
- الثورة تأكل ابنائها (ابو مسلم الخراساني)
- المكياج ودوره في الحياة
- ما هو اهمية الصورة ودورها في نشر الكلمة


المزيد.....




- -تجسّد الثقة الدولية بالدولة-..عبدالله بن زايد يرحب باستضافة ...
- حاول الأميركيون غزوها من قبل: لماذا يريد ترامب -ضمّ كندا إلى ...
- نستله ودانون ولاكتاليس تسحب كميات من حليب الأطفال من الأسواق ...
- بعد عام من التعديلات.. واشنطن تتهيأ لتسلّم الطائرة القطرية ا ...
- نتائج جديدة في علاج أورام الدماغ.. دواء فموي يظهر فاعلية لدى ...
- بعد نقلهم من سوريا.. بغداد تطالب دولا أوروبية باستعادة مواطن ...
- العاصفة إنغريد تتسبب بفيضانات في أجزاء من غرب فرنسا
- -سخيفة ومخجلة-.. ردود بريطانية غاضبة على تصريحات ترامب بشأن ...
- أخبار اليوم: غالبية الأوربيين يرون في ترامب عدوا وبأنه يتصرف ...
- المرأة.. ضحية الذكورية السامة في عهد ترامب؟


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى الهود - فائق بيك قائم مقام بعقوبة نموذج إداري في النزاهة والتحديث العمراني (1912–1967)