محمد عادل زكي
الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:13
المحور:
في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
تنبيه تمهيدي (لمن لا يحتملون السُّؤال)
هذا المقال لم يُكتب ليُرضي الْقارئ، ولا ليُربّت على كتفه مُطمئنًا إياه بأن كل ما تلقّاه كان صحيحًا، ولا ليهبه جملة محفوظة، دون وعي، يلوّح بها منتصرًا في أي سجال. على العكس، هو نصّ صيغ عمدًا لإقلاق القناعات المستقرة، خصوصًا تلك الَّتي تعيش حياة فكرية وادعة بفضل الترديد لا الفهم.
فالسُّؤال الَّذي يدور حوله المقال شديد البساطة: كيف تُقاس القيمة؟ وبساطته هذه هي عين الإزعاج؛ إذ لا تستدعي عبقرية تأويلية، ولا "قراءات موسوعيَّة عميقة"، ولا جهدًا هرمنيوطيقيًّا خارقًا، بل تتطلب شيئًا واحدًا لا غير: مقياسًا. وهنا، تحديدًا، تبدأ المشكلة. فالقارئ الَّذي تربّى على كراسات التَّعميم، وتدرّب على الردود الجاهزة، سيسارع بالقول:"القيمة شكل اجتماعي، وليست خاصية فيزيائيَّة". جملة صحيحة، أنيقة، وتصلح افتتاحية لأي ندوة رفاقية محترمة؛ لكنها، للأسف، لا تجيب عن السُّؤال؛ فالنص لا يسأل إن كانت القيمة تُرى أو تُلمس، إنما يسأل كيف تُقاس؟ ولأن الإجابة المباشرة غير مريحة، جرى العرف لدى الَّتيارات المهيمنة في حقل اليسار على استبدالها بطمأنينة فلسفيَّة جاهزة: مرة باسم "العملية الاجتماعيَّة"، ومرة باسم "الشكل التَّاريخيّ"، ومرة باسم "ما يجري من وراء ظهور المنتجين".
والأدهى حين يُستدعى ماركس من مرقده ليقول ما لم يقله قط؛ فالأخطر من كل ذلك أن يُقال لنا، بلا قراءة لماركس نفسه، إنه كتب: "القيمة لا تُقاس".
وشتّان بين أن يقول ماركس: "إن موضوعية قيمة السلع تتميّز بأنها لا يُرى فيها ذرّة واحدة من مادة طبيعية"، ]ترجم إلى العربية على نحو غير دقيق:"القيمة ليست خاصية فيزيائية للسلعة"[ وبين ما لم يقله أبدًا: "القيمة ليست موضوع قياس".
هذا المقال لا يُعادي ماركس، ولا يتعامل معه، في الوقت ذاته، بوصفه الأفق النهائيّ للفكر البشريّ. إنما يعامله كمفكر قال أشياء عظيمة، وقال أيضًا، كغيره، أشياء قابلة للنقد، وربما عادية، وربما تافهة. ومَن يرى في ذلك مساسًا بالمقدّس، فهو على حق، ولا يتبعني! ومَن اعتاد اعتبار السُّؤال تشويشًا، والنقد إساءة، والقياس مؤامرة، فله كامل الحرية في التوقّف هنا؛ إذ لن يجد في هذا النص ما يُطمئنه أو يواسيه.
مقدمة أساسية لا تحتاج إلى تأويل
كتب ماركس، بالنص، وبوضوح وصراحة:"… كيف سنقيس مقدار القيمة؟… إن ذلك يكون بكمية ما تتضمنه من العمل… أما كمية العمل فتُقاس بطول العمل، بوقت العمل، ووقت العمل يجد معاييره في أجزاء محددة من الزمن كالساعة واليوم…". (رأس المال، الكتاب الأول، الفصل الأول).
"Wie wird nun die Größe des Werts gemessen? Durch das Quantum der wertbildenden Arbeit. Die Quantität der Arbeit selbst mißt sich durch ihre Dauer, die Arbeitszeit, und die Arbeitszeit wiederum hat ihren Maßstab an bestimmten Zeitabschnitten, wie Stunde, Tag usw." Marx, Karl. Das Kapital: Kritik der politischen Ökonomie. Band I: Der Produktionsprozeß des Kapitals. Buch I: Die Ware und ihr Wert. Berlin: Dietz Verlag, 1962 [MEW Band 23].
ماركس نفسه إذًا يسأل: كيف (سنقيس) القيمة؟ ولا غموض في هذا السُّؤال. ثم يقدّم، وكما رأينا في النص أعلاه، إجابة، واضحة للغاية ولا غموض فيها أيضًا. وعلى هذا النَّحو، حينما يقول الاقتصاد السّياسيّ، ليس ماركس فقط، إن قيمة القلم 30 دقيقة، فإنما يعني أن المجهود الإنسانيّ الضروريّ اجتماعيًا والمتجسد في القلم قيمته 30 دقيقة. بيد أن هذا المذهب في قياس القيمة، وما يترتب عليه، إنما يتصادم مع أصول علم القياس، بل ويتعارض مع مفهوم القيمة ذاتها؛ إذ لا يصح علميًا القول بأن المجهود الإنسانيّ المبذول في سبيل إنتاج الشيء يساوي (ك) من الدقائق أو (ع) من السَّاعات. وإن جاز القول بأن المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج الشيء تم خلال (ك) أو (ع) من الدّقائق أو السَّاعات.
بل وحتى حينما نقول إن المجهود الإنسانيّ بُذل خلال (ك) من الدّقائق أو تم خلال (ع) من السَّاعات، فلا يعني ذلك قط أننا قمنا بقياس هذا المجهود الإنساني؛ بل على العكس، يعني أننا عرفنا فحسب الزَّمن الَّذي أُنفِق (خلاله) هذا المجهود دون أن نعرف مقدار هذا المجهود. عرفنا الزَّمن الَّذي تكوَّنت خلاله القِيمة، ولكن دون أن نعرف مقدار القيمة نفسها!
وفي إطار مقدمتنا الأساسية الرَّاهنة (والَّتي لا تحتاج تأويلًا ولا عبقرية)، يتعيّن أن نطرح السُّؤال الآتي: ما هي أهم خصائص المقياس؟ والإجابة المباشرة والواضحة هي: الثبات. أي إن المقياس، ومن ثم وحدة القياس، يجب أن يكونا ثابتين حتى يمكنهما القيام بوظيفتهما؛ إذ لا يمكن قياس القِيمة بمقياس هو نفسه متغير. وكمية العمل (مُقَاسة بالسَّاعة)، تُعد، في الحقيقة، نموذجًا واضحًا لهذا المقياس المتغير الَّذي لا يمكن الاحتكام إليه لقياس القِيمة؛ وذلك لأن الأعمال تَختلف عن بعضها بعضًا من جهتي المشقة والبراعة. فطبيعة عمل حارس العقار تختلف عن طبيعة عمل البنّاء من ناحية المشقة، ومن ثم تختلف ساعة عمل حارس العقار عن ساعة عمل البنّاء. كما أن طبيعة عمل الحلّاق تختلف عن طبيعة عمل الجرّاح من جهة البراعة، ومن ثم تختلف ساعة عمل الحلّاق عن ساعة عمل الجرّاح. والواقع أن هذه المشكلة واجهت فعلًا الاقتصاد السّياسي، فآدم سميث، وبعد أن اعترف بأن:"إيجاد أي مقياس دقيق للمشقة أو للبراعة ليس بالأمر الهيّن" (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الخامس)، اضطر إلى التَّسليم بأن: "التبادل لا يتوازن نتيجة أي مقياس دقيق، بل بالمساومة والتوافق في السُّوق…" (ثروة الأمم، المصدر نفسه). وريكاردو يسير، كالعادة، في طريق سميث، ويوافق على مبدأ قدرة السُّوق على التّسوية بين الأعمال المختلفة، قائلًا: "إن تقدير نوع العمل يتم في السُّوق بناءً على الدقة… ومهارات العاملين وكثافة الجهد المبذول" (المبادئ، الفصل الأول). أما ماركس، الَّذي تجاهل وجود أزمة حقيقيَّة في نظرية القِيمة ناتجة عن اختلاف الأعمال من جهة الشدة والبراعة، وبدلًا من أن يعيد النظر في مقياس القيمة ووحدة قياسها، فقد أكد هو أيضًا على أن:"النسب المختلفة الَّتي يتم بها إرجاع أنواع مختلفة من العمل إلى العمل البسيط كوحدة لقياسها تحددها عملية اجتماعيَّة تجري من وراء ظهور المنتجين" (رأس المال، الكتاب الأول، الفصل الأول).
"Die verschiedenen Proportionen, worin verschiedene Arbeitsarten auf einfache Arbeit als Maßeinheit reduziert werden, werden durch einen gesellschaftlichen Prozeß bestimmt, der sich hinter dem Rücken der Produzenten vollzieht) "Marx, Das Kapital, Band I, Kapitel I(
وحينما يقول ماركس، على هذا النحو، إن: "النِّسَب الَّتي يُرجَع بها العمل المركّب إلى العمل البسيط كوحدة قياس تحدّدها عملية اجتماعيَّة تجري من وراء ظهور المنتجين"، فهو لا يهرب من القياس بل يُثبته مرتَين: مرة حين يتكلم عن نِسَب، ومرة حين يصرّح بوجود وحدة قياس (Maßeinheit). ومع ذلك، يُقدَّم لنا هذا النص ذاته بوصفه ذريعة للقول إن "القيمة لا تُقاس"! أي قلبٍ للمعنى هذا؟ إن الإحالة إلى "العمليَّة الاجتماعيَّة" لا تُلغي القياس، إنما تنقل تحديد النِّسَب من النظرية إلى السُّوق، أي إلى حركة الأثمان والتبادلات الفعليَّة. وهنا يبدأ الانهيار؛ فما يُقدَّم كحلٍّ لمشكلة قياس العمل ينتهي بخلطٍ فادح بين القيمة وثمن السُّوق، وبين وحدة القياس ومعيارها المتقلّب. فإما أن تكون القِيمة قابلة للقياس بوحدة محددة، أو لا تكون قانونًا أصلًا؛ أما أن تُقاس "اجتماعيًّا" وفق نسب تتبدّل يومًا بعد يوم، ثم يُقال لنا إننا ما زلنا داخل قانون موضوعي، فذلك ليس علمًا بل طمأنينة أيديولوجية رخيصة.
وهكذا، فإن عبارة: "عملية اجتماعيَّة تجري من وراء ظهور المنتجين". تعد حلاّ مريح فعلًا؛ فهو يتيح لنا الاحتفاظ بوحدة قياس اسمها "العمل البسيط"، من غير أن نضطر، يا للسوء الحظ، إلى استخدامها! فالنِّسَب موجودة، لكن لا أحد يعرفها! والوحدة موجودة، لكن لا أحد يستطيع تثبيتها! والقياس قائم، لكن يُحظر السُّؤال عنه! كل شيء يُقاس، بشرط ألا نسأل: بماذا؟ وكيف؟ ولماذا تختلف النتيجة غدًا عمّا كانت عليه اليوم؟
وهكذا أيضًا، بدل أن يكون السُّوق موضع اختبار لقانون القِيمة، يصير القانون ذريعة لتبرير تقلُّبات السُّوق. ثم يُطلب منا، في النهاية، أن نطمئن: ما يحدث علميّ، موضوعيّ، وضروريّ تاريخيًّا، فقط لأنه يحدث "من وراء ظهورنا"! ويا لها من طريقة أنيقة لتحويل الْعجز النظريّ إلى قدر اجتماعيّ، والقياس إلى سرٍّ من أسرار كهنة المعبد لا يجوز الاقتراب منه!
إن ماركس يُحيلنا بـ"من وراء ظهورنا"، إذًا، إلى السُّوق، تمامًا كما فعل سميث وريكاردو، بلا زيادة ولا نقصان. وفي السُّوق، ووفقًا لقوانينه المتغيِّرة، سنشاهد اليوم ساعةَ عملِ بنّاءٍ تتبادل مع ربع ساعة عمل جراح، وتسعَ ساعاتٍ من عمل الحلَّاق تتبادل مع ساعة عمل محامٍ. وغدًا سنرى ساعةَ عمل البنَّاء تتبادل مع نصف ساعة عمل جراح، وأربعَ ساعاتٍ من عمل الحلَّاق تتبادل مع نصف ساعة من عمل المحامي، وهكذا تتبدل القيم وتتغير الأثمان. وهكذا نبتعد تدريجيًّا عن قانون القيمة، ونشرع في مسيرةٍ طويلةٍ من الخلط: بين القيمة وثمن السُّوق، وبين قيمة السُّوق والقيمة التبادليَّة، وبين القيمة التبادلية وثمن السُّوق، بل وبين القيمة وثمن الإنتاج، وبين ثمن الإنتاج وثمن السُّوق.
بداية الارتباك عند مَن قرأ عن ماركس، لا لماركس
ذكرنا، ونكرر، أن ماركس يقول نصًا وبوضوح في الفصل الأول من الكتاب الأول في رأس المال: "كيف سنقيس مقدار القيمة؟" وذكرنا أيضًا، ونكرر، أنه أجاب عن السُّؤال بقوله:"… إن ذلك يكون بكمية ما تتضمنه من العمل… أما كمية العمل فتُقاس بطول العمل، بوقت العمل، ووقت العمل يجد معاييره في أجزاء محددة من الزمن كالسَّاعة واليوم….". ولكن، ومن هنا يبدأ كل الارتباك والخلط، نحن نعرف أن قال ماركس أيضًا: "إن موضوعيَّة قيمة السلع تتميّز بأنها لا يُرى فيها ذرّة واحدة من مادة طبيعية". وقد ترجم هذا النص، كما قولنا على نحو غير دقيق، إلى العبارة الشهيرة:"القيمة ليست خاصية فيزيائية للسلعة".
"Die Wertgegenständlichkeit der Waren unterscheidet sich dadurch, daß man ihr kein Atom Naturstoff ansieht."(Marx, Das Kapital, Band I, Kapitel I)
ولم يقل ماركس إطلاقًا إن: "القيمة ليست موضوع قياس". والفرق هنا جوهريّ؛ فماركس يميز دائمًا القِيمة، الَّتي ليست شيئًا ماديًا محسوسًا (لا تُرى ولا تُلمس ولا تُوزن)، لكنها مع ذلك قابلة للقياس، لا قياسًا فيزيائيًا، بل قياسًا اجتماعيًا. وهي على هذا النَّحو تُقاس عنده، كما عند وليم بتي وكانتيون وسميث وريكاردو، بزمن العمل الاجتماعيّ الضروريّ. وهذا قياس، لكنه ليس من جنس قياس الطول أو الوزن أو الحرارة.
فحين يقول ماركس إن: "في قيمة السلعة لا تُرى ذرّة واحدة من مادة طبيعية"، لا يكون بصدد إعلان وفاة القياس، بل العكس تمامًا: هو فقط يعلن أن القيمة ليست خشبًا ولا حديدًا ولا وزنًا ذريًّا. لكن مدرسة الطمأنينة الفكرية تلقّت الجملة كما لو كانت ترخيصًا أزليًّا للهروب: طالما لا توجد ذرّة طبيعية، فلا تسأل عن المقياس! وهكذا تحوّل نفي الفيزياء إلى نفي للحساب، وتحولت عبارة (kein Atom Naturstoff) إلى تعويذة تمنع السُّؤال. مع أن المفارقة الفجّة أن ماركس، في الجملة التالية تقريبًا، لا يرى في القِيمة سوى:"كتلٍ معيّنة من زمن العمل".
"Als Werte sind die Waren nur bestimmte Massen geronnener Arbeitszeit." (Marx, Das Kapital, Band I, Kapitel I, MEW 23, S. 62)
أي أن ما لا يملك ذرّة طبيعية يملك، ويا للوقاحة، مقدارًا. لكن يبدو أن المقدار مقبول ما دام لا يُقاس! والزَّمن مسموح به ما دام بلا ساعة! والقياس مشروع فقط بشرط ألا تكون له وحدة!
وهكذا نصل إلى أرقى منجزات الفكر الماركسي المريح: قيمة بلا مادة! وزمن بلا معيار! وقانون بلا مقياس! ثم يُطلب منا، بكل جدية، أن نسمّي هذا علمًا. المهم أن نلاحظ أن مَن يَطلب منا ذلك لم يقرأ ماركس، إنما تلقى جميع مفاهيمه ممن كتب، وفق هواه، عن ماركس!
من أين أتى اللغو إذًا؟
في رأس المال (المجلد الأول، الفصل الأول)، يقول ماركس، بمعنى واضح جدًا، إن:"قوة العمل هي المادة التي تبنى منها القيمة". والَّتي ترجمت أيضًا إلى اللغة العربية بلا دقة إلى: "العمل مادة القيمة".
"Die Arbeitskraft ist der Stoff, aus dem der Wert gebildet wird."(Marx, Das Kapital, Band I, Kapitel I, MEW 23, S. 62)
كما ذكر ماركس إن: "مقدار القيمة يُقاس بكمية العمل، أي بزمن العمل". ويؤكد أيضًا أن القيمة لا تحمل "ذرة واحدة من المادة"، لكنها تُحدَّد وتُقاس اجتماعيًا. إذًا، من أين جاء اللغو حول القيمة الَّتي لا تقاس؟ ومن أين أتت عبارة "القيمة ليست موضوع قياس"؟
الحقيقة العلميَّة هي أن هذه العبارة ليست ماركسيَّة على الإطلاق (فلم تصدر عن ماركس قط)، وليست علميَّة، ولا تمت إلى الاقتصاد السياسي بأي صلة؛ إنما هي قراءة لاحقة أو تعبير فلسفي فضفاض يُستخدم أحيانًا للهروب من نقد معين، سنراه حالًا، كي ينزلق من قول صحيح، وإن كان بترجمة شائعة:"القيمة ليست خاصية فيزيائية"، إلى قول غير ماركسي، وغير علمي:"القيمة لا تُقاس أصلًا".
فلماذا قيلت إذًا، وتسربت بالتالي إلى أذهان مَن لم يقرأوا ماركس، ثم أخذوا في ترديدها بلا أي وعي؟ قيلت لأن نظرية ماركس في القيمة، بل نظرية القِيمة في علم الاقتصاد السياسي عبر تاريخه، تعاني من مشكلة جوهريَّة أدت إلى: أولًا: عدم القدرة على المقارنة بين الأعمال المختلفة والمتباينة ]واجهت المشكلة ريكاردو، ومن قبله سميث، واعترفا بها صراحة، أما ماركس فتجاهلها[ فظهرت القِيمة كنظرية عاجزة. ثانيًا: عدم القدرة على تحديد القيمة في حقل الخدمات؛ فتأكد عجز القيمة وقصورها؛ وهو أمر غاية في الخطورة ويجب طمسه، عند مَن لم يتمكن من الاعتراف بخطأ المقياس، ولا يعرف، إذا اعترف، كيف يصل إلى المقياس الصحيح.
هروب من مواجهة الحقيقة
وبتلك المثابة، أي مع وجود هذه المشكلات في نظرية القيمة القاصرة على هذا النَّحو، ينتفي عن القيمة شرط القانون الموضوعي، وربما ينهار كتاب رأس المال، المقدَّس، بأكمله المشيد على قانون القِيمة. فما الحل؟ هنا يهرب الماركسيون من الإجابة بقولهم إن القيمة لا تُقاس، ابتداءً من خلطهم بين عبارة:"القيمة ليست خاصية فيزيائية للسلعة"، وهو محق. وبين ما لم يكتبه ماركس قط، وهو: "أن القيمة ليست موضوع قياس".
وكان يمكن لهؤلاء السماع لريكاردو، الباحث عن الحقيقة لا الزيف، حينما اعترف بوجود مشكلة في قياس القيمة وأعلن إيمانه بأن العلم حتمًا سوف يكشف يومًا ما عن المقياس الصحيح. ولكن أصدقاؤنا يخشون الكفر بالنبي المرسل الَّذي لا ينطق عن الهوى، على الرغم من أن الحقيقة واضحة وضوح الشمس في عليائها: القيمة كمية من العمل (لا تُرى نعم، ولا تُحس نعم)، وكمية العمل لا تقاس بالسَّاعة، لأن الَّذي يقاس بالسَّاعة هو الزّمن، والقِيمة ليست زمنًا، هي تُنفق خلال زمن. وبالتَّالي، السَّاعة تقول لنا إن المجهود (الَّذي هو القيمة) بذل (خلال) عدد معين من السّاعات، ولا تقول لنا قط قدر هذا المجهود (الَّذي هو القِيمة). وابتداء من التَّسليم بهذه الحقائق يمكن أن نخطو إلى الأمام للكشف عن وحدة القياس السليمة علميًا، من أجل إعادة تقديم القيمة كقانون موضوعي قائم بذاته، دون الحاجة إلى استجداء الهداية من السُّوق، كما فعل ماركس الَّذي قال نصًا وبوضوح: "النسب المختلفة الَّتي يتم بها إرجاع أنواع مختلفة من العمل إلى العمل البسيط كوحدة لقياسها تحددها عملية اجتماعية تجري من وراء ظهور المنتجين".
فلننتقل الآن إلى أصدقائنا في مقاهي وسط البلد
اتساقًا مع ماركس نفسه، الَّذي قال أن "القيمة لا تحمل ذرّة واحدة من المادة"، سبق أن كتبت: "أبلغ برهان على قانون التناقض أن ماركس، الَّذي أنكر الغيبيات، أقام صرحه النظري العملاق على أساس غيبي هو القيمة؛ فالقِيمة ليست السلعة، إنما روح تسكن جسد السلعة". القِيمة غير فيزيائية. وكالعادة، هاجت الدنيا وماجت من قبل أصحاب ماركس في مقاهي وسط البلد! ولأنني لم أقرأ منهم سطرًا واحدًا مفيدًا أو مفهومًا، لم أستطع أن أعي سبب الهستيريا الجماعيَّة الَّتي اجتاحتهم. كل ما فهمته هو أن هناك حالة من الرفض الخالص، والرغبة العمياء في الدفاع عن النصوص كما لو كانت مقدّسة.
وحين قدَّمت مساهمتي في نقد مقياس القِيمة، ليس عند ماركس فقط، بل في مجمل الجسم النظري لعلم الاقتصاد السّياسي، أصابت أصحابنا التَّشنجات العصبية المعتادة. فقرأت جميع الترهات، من كل شكل ولون، الصَّادرة عن أذهان تربّت على كراسات التَّعميم، والَّتي صارت، عبر عملية تجريف منظمة، مجهّزة مسبقًا لإطلاق قائمة من الردود دون أي محاولة لفهم النص المطروح. إنها المشكلة نفسها: ادعاء امتلاك ناصية الحقيقة!
والحقيقة أن الروح نفسها يمكن قياسها إذا عرفنا طبيعتها، سواء كانت موجة أو كتلة. ولأننا نعرف طبيعة القِيمة باعتبارها كمية من المجهود الإنسانيّ المتجسّد في المنتوج، يمكننا قياسها بوحدة القياس المناسبة وأداة القياس الملائمة، بعيدًا عن أي طمأنينة فلسفية زائفة أو ادعاءات غيبية.
الاقتصاد بالقصائد والثرثرة
ولعل التَّساؤل هنا ليس مجرد تمرين نظري، إنما مسألة جوهرية لفهم الاقتصَاد السّياسي نفسه: كيف نعرف أن الرَّأسمالي يستغل العامل؟ هل سنظل نغرق في الشعرية الاقتصَاديَّة، ونناقش الأخلاق الْعامة، ونرتشف الْفلسفة الجاهزة من كؤوس المقاهي، أم أننا بحاجة إلى قياس ملموس، رقمي، محدد، للكمية الزَّائدة الَّتي يحصل عليها؟
أليست كل نماذج تجديد الإنتاج الاجتماعيّ، وكل حسابات ثمن الإنتاج، قائمة أساسًا على قيم قابلة للقياس اجتماعيًا؟ ومن يظن أن الاستغلال مفهوم مجرَّد، يمكن استيعابه دون وحدة قياس، هو نفسه مَن يصدق أن الجاذبية ظاهرة اجتماعيَّة لا يمكن وزنها، أو أن الكهرباء شعور أخلاقي لا يمكن قراءته بالأميتر. حتى نظرية التَّبادل غير المتكافئ، الَّتي يرددها بعضهم كما لو كانت صلوات محفوظة، لا يمكن فهمها إلا رقميًا: كمّ القيمة الزائدة الَّتي تستولي عليها الأجزاء المتقدمة من الأجزاء المتخلّفة.
هنا يظهر المضحك المبكي؛ فالبعض يلوّح بالحديث عن "الْعملية الاجتماعيَّة"، أو عن "ما يجري من وراء ظهور المنتجين"، وكأن هذه العبارات المقدَّسة تستطيع أن تلغي الحاجة إلى المقياس، وكأننا نستطيع أن نحكم على الاستغلال بالظن أو بالبلاغة. الحقيقة الْواضحة أن كل محاولة لفهم الاستغلال أو التفاوت الاقتصاديّ تتبنى بالضرورة وحدة قياس، وإلا فإن كل ما يُقال يبقى مجرد صخب لغويّ، شعريّة اجتماعيَّة فارغة، أو هراء أكاديمي مسلّح بمصطلحات فخمة، إنما باهتة لا معنى لها.
باختصار، إن لم نمتلك أداة قياس محددة، ووحدة قياس ثابتة، وطريقة حساب دقيقة، فستظل النظريات الاقتصاديَّة مجرد حكايات يسردها أناس يملكون حسًا شعوريًا فائقًا للظلم، لكنه عاجز عن الرصد الحقيقيّ للقيمة الزَّائدة. والقيمة، كما يعلمنا ماركس نفسه، هي كمية من المجهود الإنسانيّ المتجسد في المنتوج، يمكن قياسها، ويمكن حساب فائضها، ويمكن تحديد مَن يستولي على ماذا، كل ذلك بأرقام واضحة، بلا فلسفة جوفاء، وبلا عمليات اجتماعية غامضة، وبلا ذرّة واحدة من المادة الَّتي يُراد أن تضلّلنا بها.
المقياس المفقود: كيف نعيد القيمة إلى مجال العلم؟
ابتداءً من الوعي بالفارق الجوهري والحاسم بين ما قاله ماركس: "كيف سنقيس القيمة". و"القيمة ليست خاصية فيزيائية للسلعة". وبين ما لم يقوله ماركس إطلاقًا: "القيمة لا تقاس". أوضحت، في الجزء الأول من كتابي، وبمزيد من الشرح، أن الاقتصاد السّياسي يقيس القِيمة بمقياس غير سليم علميًا، لأن القيمة، ككمية من العمل المتجسد في المنتوج، لا تُقاس بالسَّاعة؛ لأن السَّاعة تقيس الوقت. ولذلك توصلت إلى المقياس الصحيح علميًا، دون أن أهدر العلم وأذهب إلى السُّوق، وقلت إن القيمة تُقاس بالسعر الحراري الضروريّ (الحي والمختزن والزَّائد مقسومًا على زمن الإنتاج) المنفق في سبيل إنتاج السلعة. وهذا القياس لا يجنبنا فقط اللجوء إلى السُّوق والتَّجريب وإهدار القانون الموضوعيّ، بل يجعلنا أيضًا نقيس، وبدقة، الأعمال المختلفة والمتباينة. بل ويمكننا كذلك أن نمضي أبعد إلى قياس الخدمات الَّتي أعرض الاقتصاد السّياسيّ عن قياسها لانعدام المقياس لديه. كما يمكننا من إعادة طرح العديد من النظريات التي قدمت كمسلَّمات وهي بعيدة كل البعد عن العلم والواقع معًا، وفي مقدمتها نظرية التَّبادل غير المتكافىء الَّتي ضللها المقياس فاعتبرت أن التَّبادل بين الشمال الغني والجنوب الفقير غير متكافىء، وهو بالفعل كذلك ابتداءً من استخدام المقياس غير السليم علميًا لما يجري تبادله من سلع وخدمات، وقد شرحت ذلك أيضًا باستفاضة، لمن أراد التفاصيل، في مقالي نقد نظرية التبادل غير المتكافىء.
وأتذكر هنا أن بعض الأصدقاء نقل لي نقد أحد أصدقاء مقاهي وسط البلد، الَّذي لم يقرأ حرفًا واحدًا مما أكتب، وقال إنه توصل إلى الدليل القاطع والبرهان السَّاطع على خطأ ما أقول به. فماذا وجد يا ترى؟ لقد وجد إن كلامي يؤدّي إلى اعتبار عمل البنّاء أكبر قيمة من عمل المهندس المعماري! قمة الجهل والعبث. والحقيقة أن هؤلاء الألمعيين لو كلفوا أنفسهم عناء القراءة لعرفوا أنني كتبت، بوضوحٍ شديد، وبالحرف الواحد في الجزء الأول من نقد الاقتصاد السّياسي: "وعليه، يكون من المفهوم لماذا يفوق أجر المهندس المعماريّ أجر الحدّاد، على الرغم من أن الحدّاد يستهلك 2400 سعر حراري ضروري، في حين أن المهندس المعماريّ يستهلك فقط 1100 سعر حراري ضروري؛ فالأجر لا يتضمن فحسب كمية السعرات الحرارية الضرورية اجتماعيًا كي يعمل العامل ويعيش كعامل، وإنما يتضمن أيضًا كمية السعرات الحرارية الضرورية الَّتي يتم إنفاقها كي يصبح المهندس مهندسًا والحدّاد حدّادًا يمكن الدفع بهما إلى سوق العمل. أي إن الطبقة الرأسمالية تضمن بالأجر الَّذي تدفعه أن يخلق العامل مثله، وبالتالي تضمن تجديد وجودها الاجتماعيّ بضمان وجود الطبقة العاملة". ]أصبحنا نعرف الآن، ومنذ ثلاثينات القرن العشرين، على نحو يقيني كمية السعرات الحرارية الضرورية التي تنفق أثناء الإنتاج في الأعمال المختلفة، ويمكن الرجوع إلى الدراسات التي أجرتها منظمة الصحة العالمية ونشرتها في عام 1974[
ختامًا
إن مشكلة الرافضين لمساهمتي لا تكمن في خلاف حول مصطلحات، ولا تاريخ، ولا تأويل؛ وإنما في رفض القراءة الناقدة المتأنية والموضوعية، رفضٍ يبدأ بادعاء امتلاك الحقيقة، رفضٍ لمجرد المساس بماركس الصنم، لا ماركس المفكر الَّذي يخطئ ويصيب. رفضٍ خائف من تحطم الْوثن. رفضٍ ينطلق من أن ماركس هو الأول والآخر، على الرغم من أن أي فهم لماركس لا يمكن أن يكون صحيحًا إلا ابتداءً من استيعاب عميق جدًا لمجمل الجسم النظري لعلم الاقتصاد السّياسي عبر تاريخه، الَّذي شيده كينيه وبتي وكانتيون وسميث وريكاردو ورامساي. فبدون هذا الفهم سيظل ماركس في الفم لا في الدم.
الأمر الأخير الَّذي يجب أن أذكره هو أنني على يقين تام من أن هذا المقال، دون أن يُقرأ، سوف يتم نقده! فأشكر من صميم القلب والفكر من قرأه على طوله، وأرد مسبقًا على من لم يقرأه بما قاله ماركس نفسه: "لا أعارض إلا نقدًا علميًا، وأرحب به مهما كانت قسوته؛ أما ما يُسمى بالرأي العام، فلم يكن يومًا موضع اعتبار لديّ".
*****
لمن أراد المزيد من الشرح، أن ينظر مقالاتنا على موقع منتدى الشؤون الدولية، واشنطن، ومنها على سبيل المثال:
A Critique of the Measure of Value
https://ia-forum.org/Content/ViewInternal_Document.cfm?contenttype_id=5&ContentID=20221
Critique of the Theory of Unequal Exchange
https://ia-forum.org/Content/ViewInternal_Document.cfm?contenttype_id=5&ContentID=19202
Critique of the -function-s of Money
https://ia-forum.org/Content/ViewInternalDocument.cfm?ContentID=21249
Deconstructing Value: A Journey Beyond Marxism and the Market
https://ia-forum.org/Content/ViewInternal_Document.cfm?contenttype_id=5&ContentID=20236
On the Dialectical Becoming of the Medium of Exchange
https://ia-forum.org/Content/ViewInternalDocument.cfm?ContentID=19213
وفي إدخال الزمن في تكوين القيمة، انظر مقالي:
Zaky, Muhammad Adel. “Value / Time: An Essay on the Principles of Political Economy.” African Journal of Economic Review, Vol. 13, No. 2 (June 2025).
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟