|
|
سوريا ، والفرص التاريخية: طبيعة المتغيّرات في استراتيجية إدارة ترامب الجديدة!
نزار فجر بعريني
الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
سوريا والفرصة التاريخية: طبيعة المتغيّرات في استراتيجية السيطرة الأميركية التي وفّرت عواملها الخارجية. في عوامل سياقِ إسقاط سلطة الأسد الإيرانية يومَ الثامن من ديسمبر المجيد وانطلاق صيرورة جديدة، تشابكت مجموعة عوامل تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ الصراع على سوريا منذ الاستقلال، تكاملت مفاعيلها في تحقيق إنجاز التحرير وإعطاء سوريا فرصة تاريخية جديدة: ما هي أهمّ عوامل الفرصة التاريخية؟ على الصعيد السوري، العاملُ الرئيسي الذي أسقط سلطة الأسد هو قوّة عسكرية جيدة التدريب والتنظيم والإيمان بعدالة القضية التي يقاتلون من أجلها، راكمت خبرات قتالية فعّالة طيلة أكثر من عشر سنوات ودفعت أثمانها غاليا، وهي قيادة سياسية واعية تجاوزت أهدافُ نضالها سقفَ أجندات قوى مشروع تقسيم سوريا، وأدركت مبكّرا مخاطر استمرار جهود إعادة تأهيل سلطة الأسد بعد ٢٠٢٠ على أشلاء وطنٍ ممزق، يتقاسمه إلى حصص جميعُ أعداء وحدة سوريا ونهضتها، واتخذت القرارَ الشجاعَ بالمواجهةِ، فربطت العملَ العسكري بتوفير أسباب القوّة الذاتية القادرة على إسقاط سلطة الأسد، بمتابعة سياسية وميدانية لتغيّرات شروطِ السيطرة العسكرية وموازين القوى، مع تغيّر الظرف الدولي والإقليمي، وقد أعطاها فسحة كبيرة من الأمل تورّط الرئيس بوتين في خريف ٢٠٢٢، أبرزُ داعمي سلطة الأسد وشريكُ مشروع تقسيم سوريا الرئيسي، في مستنقع غزو أوكرانيا، وإغراق جيشه واقتصاده وهيبة روسيا في وحول حروبه الدامية ضد الشعب الأوكراني، كما أدركت بحسها الثوري وتجربتها الحربية الواقعية أهميّة ما تحققه الهجمات الإسرائيلية العدوانية على سوريا ولبنان من إضعافٍ لشبكة السيطرة الأسدية الإيرانية، فكان اختيارُها لساعة الحسم الكبرى موفّقا، بمشيئة الله، وبإرادة وتضحيات المقاتلين الشجعان، و إرادة شعب لا تقهر، فوقفت الى الجانب الصحيح من التاريخ ، وكان محركّها الرئيسي شخصية متميّزة، تسعى للعب دورٍ وطني وإنساني في إعادة صناعة حاضر و مستقبل سوريا الجديدة.(١) في عوامل السياق الدولية، يشكّل العامل الرئيسي في تحقيق الانتصار تساوق أهداف خَيار الحسم العسكري مع دوافع سياسات استراتيجية أمريكية جديدة، مثّلت في توافقها مع مصالح السوريين الوطنية لإسقاط سلطة الأسد، تغيّرا نوعيا في أهداف سياسات استراتيجية تاريخية، كانت قد شكّلت في عواقب ثورة ربيع ٢٠١١ مظلّةَ الحمايةِ الأكثر فاعلية لسلطة النظام السوري. تظهر وقائع مستجدّات سياسات إدارة ترامب الإقليمية أننا أمام سياسات استراتيجية أمريكية جديدة، لا تدعم تطلّعات السوريين الوطنية المشروعة فحسب، بلو تتوافق أيضا مع مصالح شعوب ودول الإقليم، التي كانت ضحية لمشاريعِ استراتيجياتٍ أمريكية سابقة، عملت على إجهاض ثورات الانتقال السياسي والتحوّلات الديمقراطية بدءاً من طهران ١٩٧٨، وصولا إلى دمشق ٢٠١١، ودفعت حراك الشعوب السلمي على مسارات حروب تفشيل وتقسيم دول وشعوب الإقليم، في صيرورة دموية مرعبة، أطلقت إدارات أمريكية سابقة مساراتها منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي. فمنذ لقاء الرئيس ترامب التاريخي مع الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض ١٤ مايو ٢٠٢٥، بدأت تتضح تدريجيا طبيعة سياسات استراتيجية أمريكية غير مسبوقة تجاه السلطة السورية والدولة السورية، تؤكّد على أهميّة إعطاء السلطة وسوريا فرصة جديدة تتوافق دوافعها الأميركية مع أهداف مشروع إقليمي، وقد لعبت دورا رئيسيّا في نجاح جهود إعادة تموضع سوريا جيوسياسيا في شبكة علاقات ومصالح استراتيجية إقليمية و أمريكية، وتعمل سياساتها بشكلٍ متواصلٍ وحثيثٍ على دعم جهود القيادة السورية لمواجهة تحدّيات إعادة توحيدِ الجغرافيا والسلطة والسيادة، وبناءِ نظامٍ سياسي مركزي تشاركي يلبّي مصالح جميع السوريين دون إقصاءٍ أو تهميش، وتوفيرِ شروطِ استقرار سياسي وأمني، وبناءِ مشروع نهضة اقتصادية، وأكّد طبيعة َسياسات إدارة ترامب نجاح جهود إلغاء عقوبات قانون قيصر في الأيام الأخيرة من ٢٠٢٥، و قيادة إدارته لجهود ومتابعة تفاصيل التسوية السياسية بين السلطة السورية وسلطة قسد - التي تسيطر منذ ٢٠١٩ بدعم إيراني وتحت مظلّة حماية "البانتاغون" على أكثر من ربع مساحة الجمهورية العربية السورية وتشكّل التحدّي الرئيسي لجهود إعادة توحيد سوريا واستقرارها ونهضتها الاقتصادية... الأفكار المركزية التي نحاولُ فهمها هي أوّلا طبيعة المصالح الوطنية الأمريكية، المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي وبالنظام السياسي الديمقراطي، في خلفيات ودوافع ما يحصل من متغيّرات نوعية في استراتيجية الإدارة الأميركية الراهنة، وهي ثانيا، طبيعة هذه المتغيّرات الاستراتيجية و تأثيرها المباشر والبعيد على مسارات الصراع على سوريا ومآلاتها، وما يوجّبه المشهد السياسي من مواقف وطنية. أوّلا ، دعونا نقارب بموضوعية وبتوصيف موجز أبرز سمات استراتيجيته السيطرة الإقليمية الأمريكية التاريخية التي وجّبت عواقبُها على المصالح الوطنية الأمريكية ضروراتِ التغيير النوعي . الولاياتُ المتّحدة دولةٌ عظمى، وصاحبةُ أكبرِ وأقوى مشروع سيطرة إقليمية، سعت دائما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى تعزيز أهدافه بأدوات ووسائل عديدة ومتغيّرة وفقا لتغيير شروط الصراع، تضمّنت ليس فقط بناء وتعزيز شبكة واسعة من الوكلاء والشراكات التكتيكية والاستراتيجية فحسب بل وبتدخّل عسكري مباشر، وصل إلى ذروته في غزو واحتلال العراق في ربيع ٢٠٠٣وفي السيطرة على الجزيرة السورية منذ صيف ٢٠١٤. منطقُ حمايةِ مصالحها و تعزيز أدوات سيطرتها اقتضي استغلالَ الصراعات الداخلية على السلطة (او الصراعات البينيّة) من أجل دفع المآلات بما يتوافق مع أهدافها التي ظلّت دائما تحت سقف إحكام سيطرتها العسكرية على قلب منطقة الشرق الأوسط، حيث مثلث الطاقة الاستراتيجية العالمي بين السعودية والعراق وإيران، وحيث ممرات ومعابر ومضايق طرق التجارة العالمية باتجاه آسيا وأوروبا وأفريقيا. ٢ في منطقة الشرق الأوسط، والخليج العربي، حيث يُعتـبر تـوفر السـيطرة الأمنيـة عن طريق التواجد العسكري والقوى الحليفة للولايات المتحدة فيهـا ضرورياً لتطويق القوى الآسـيوية الناشـطة في الإقلـيم مـن جهة الشرق وجنوب شرق آسيا وحيث تحتـل مكانـة جيوسـتراتيجية عـلى قـدر كبير من الأهمية، فهـي نقطـة الـربط بين الجـزء الجنـوبي الآسيوي وأوربـا، فضـلاً عـن مكانتهـا النفطيـة كمصـدر لضمان ما تحتاجه أمريكا والدول الصناعية الغربية واليابان من النفط، عملت سياسات الولايات المتّحدة على خلق بيئات للصراعات الدائمة، المتعددة المستويات، عبر إشعال الحروب الداخلية والبينيّة، وتفشيل مشاريع بناء الدول الوطنية، وتقسيم الدول، وضمان التفوّق العسكري والتقني الإسرائيلي، وقد نجحت في تعزيز قواعد سيطرتها السابقة و تحقيق انتشار عسكري واسع غير مسبوق، حيث شكّل غزو العراق ٢٠٠٣، وتقسيمه وتدمير مقوّمات الدولة الوطنية، واحتلاله التشاركي مع ميليشات الحرس الثوري الإيراني، أكبرَ جرائمِ سياسات استراتيجية السيطرة العسكرية الأمريكية. (٢) ٣على الصعيد السوري، تبيّن نتائج المرحلة الثالثة من "الخَيار العسكري" بين ٢٠١٤ -٢٠١٩ حين تدخّل الجيش الأمريكي والحلفاء بشكل مباشر في معارك إعادة تقاسم الجغرافيا السورية، انّه كان الهدف المركزي في أجندات البانتاغون، الذي يتكامل مع أهداف استراتيجية السيطرة الإقليمية الأمريكية التي حققتها منذ ١٩٩١ غزو العراق ٢٠٠٣: الحصول على قاعدة ارتكاز وتحكّم اقليمية جديدة، على مثلث التخوم السورية العراقية التركية، تضاف إلى قواعد السيطرة والتحكّم العسكرية التي تغطي معظم دول الإقليم . ثانيا ، عواقب خطيرة على الأمن الوطني الأمريكي: رغمَ هولِ ما جرّته سياسات الولايات المتّحدة من عواقب على شعوب ودول الإقليم، فلم تكن هي الخاسرَ الوحيد ! فقد تركت سياساتُ الحروب المتعددة المستويات، التي تورّطَ في مستنقعاتها الجيش الأمريكي مباشرة أو عبر الوكلاء والأذرع الميليشاوية، أخطارا كبيرة على المصالح الوطنية الأمريكية، نجحت الدعاية الأمريكية في تغييب طبيعتها عن الرأي العام الأمريكي، لكنّ آثارَها بدأت تتكشّفُ لاحقا. في سياق تاريخي متواصل منذ نهاية الحـرب العالميـة الثانية، أعطى اعتماد استراتيجيات أمريكية في شروط صراعات تاريخية محددة على مبدأ سيطرة القوّة العسكرية، وما أجازته من حروبٍ وصراعات عسكرية وسباق تسلّح، امتيازات اقتصادية وسياسية خاصة لطبقةٍ كبيرة من قيادات البنتاغون وأجهزة الاستخبارات وما يرتبط بها مباشرة من شركات الطاقة والتصنيع الحربي والتكنولوجي، على حساب الخزينة و مصالح الامريكيين الوطنية المشتركة، كما و تركت سياسات العولمة الاقتصادية التي انتهجتها سياسات الإمبريالية العسكرية أخطارا كبيرة على الاقتصاد الوطني، وانعكست سلبا على رفاه الشعب الأمريكي وأمنه، وباتت عواقب ُاستمرار منظومته الداخلية والعالمية لا تهدد أمن الأمريكيين الاقتصادي و أسس النظام الديمقراطي فحسب، بل والسلم العالمي، بما أتاحته سياسات البانتاغون العالمية من شروط سباق تسلّح نووي إقليمي وعالمي، باتت تشكّل في تفجّر النزاعات المحلية والإقليمية البينيّة (التي رسّختها سياسات السيطرة الإقليمية والدولية الأمريكية في أعقاب نتائج الحرب العالمية الثانية) مخاطرَ اندلاعِ حروبٍ نووية مدمّرة- روسيا وأوكرانيا، الهند والباكستان، واحتمال اندلاع حروب نووية في صراعات متفجّرة في بحر الصين الجنوبي . لقد ارتبطت سياسات التدّخّل والانتشار العسكري حول العالم بمصالح الشركات الإمبريالية الأضخم لتصنيع وتصدير الطاقة والتكنولوجيا والسلاح، وقد نجحت دائماً أجهزة الدولة العميقة (البانتاغون والاستخبارات) في توصيل واجهات سياسية إلى قيادات مؤسسات السيادة الأمريكية في الإدارة ومؤسسات الكونغرس والشيوخ و مراكز البحوث ووسائل الإعلام و"توجيه" الرأي العام، وقد عملوا على تبرير طلبات الدعم المتزايدة لاستخدام القوّة خلال حقبة الحرب الباردة، تحت ذرائع التهديد الوجودي والنووي السوفياتي، وقد تواصلت بعد نهاية الحرب الباردة بذريعة أنّ الدعمَ لم يكن مرتبطا بالضرورة بالاتحاد السوفيتي، بل قد يكون متعلّقا بالعالم الثالث، وظهور تحدّيات جديدة للأمن القومي الأمريكي.(٣) لقد اتسمت فترة الحرب الباردة بتصاعد الإنفاق على البانتاغون، وخفض الدعم الاجتماعي وإعادة بناء اقتصاد الدولة الصناعية ونظمها التقليدية، وتمّ تعميم هذه السياسة أوروبيّا ، لصالح المتعاونين من الفاشية والنازية، مع تفكيك المعارضات وقواعدها الجماهيرية، وكانت البداية في إيطاليا. ثالثا، في دوافع استراتيجية ترامب الجديدة. بدأت تتكشّف بعد نهاية الحرب الباردة طبيعة مخاطر أهداف وأدوات استراتيجية مبدأ القوّة العسكرية ، وما نتج عن تضخّم مؤسسات الجيش الأمريكي وتكلفة انتشاره عالميا ، وقد تركت مخاطرا كبيرة على الاقتصاد القومي الأمريكي، وعلى آليات عمل النظام السياسي الديمقراطية. الدافع الأساسي في خلفية ودافع استراتيجية ترامب يرتكز على نتائج تقييم شامل من وجهة نظر أولويات مصالح الولايات المتّحدة الوطنية لنتائج وعواقب استراتيجيات أمريكية سابقة، وتوصّلت إلى استنتاجات رئيسيّة : ١عدم وجود قوّة تهديد عسكري عالمية ، تشكّل خطرا واقعيا على الأمن القومي الأميركي، وقد باتت حالة تضخّم الجيش الأمريكي وانتشاره على مناطق واسعة من العالم تشكّل عبئا ثقيلا، يرهق كاهل الاقتصاد الوطني. ٢ صراعات السيطرة الإقليمية والدولية تقوم على أرضية التنافس الاقتصادي والتقدّم التكنولوجي، وتحدد نتائجها على هذه المستويات إمكانيات استمرار بقاء الولايات المتّحدة في موقع السيطرة العالمية. ٣ حصول تغيّرات نوعية في نظرية الإستراتيجية العسـكرية بفعل التغيّر في نمط الحروب، و انتقالها من حروب العصر الصناعي إلى حروب العصر التكنـو - معلومـاتي . والفـارق الأسـاس الـذي يـتحكم بعنصر الاختلاف والتمييز بين هذين النمطين من الحروب هو، عامل المعرفة. في حروب العصر الصناعي- النووي ، برزت أهمية مساهمة العناصر الماديـة في القـدرة التدمرييـة ، وكان حجم الدمار لايقتصر على دور التقنية العسكرية، بما فيها التقنية النووية. كان الفارقُ في ميزان كفّة القوى يعتمد أساساً على حجم الجيوش وما تـزوّد بـه مـن أسـلحة تتميـز بخصـائص تقنية على اختلاف صنوفها القتالية.(٤) رابعا، في أهداف استراتيجية إدارة ترامب الجديدة. "الاقتصاد أولا.. عودة الدولة الوطنية الأميركية." أعلنت الولايات المتحدة يوم ٥ ديسمبر/كانون الأول عن وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025، وهي ليست مجرد وثيقة أمنية، بل إعلان اقتصادي شامل عن نهاية مرحلة كاملة من النظام العالمي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة. الوثيقة من أول صفحة حتى آخر سطر تعكس قناعة الإدارة الأميركية بأن العولمة، بأهداف سيطرتها العسكرية العالمية وقوانين نهبها وهيمنتها الاقتصادية الإمبريالية، لم تعد تخدم الاقتصاد الأميركي، وأن استمرار الالتزامات الأمنية الواسعة لم يعد ممكنا في عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة. من هنا، تأتي أهمية هذه الإستراتيجية الجديدة التي يمكن وصفها بأنها أول وثيقة أميركية منذ 40 عاما تعيد تعريف موقع الولايات المتحدة اقتصاديا في العالم، وتحدد معادلة مصالحها بصورة مباشرة وصريحة. لقد أولى الرئيس ترامب الأولوية للمصالح الأميركية من خلال إعادة توجيه الاهتمام والموارد نحو الأولويات المحلية مثل الاقتصاد و البنية التحتية والجاهزية العسكرية وأمن الحدود، واتخذ إجراءات سريعة لحماية الشركات الأميركية من التدخل الأجنبي. تعتمدُ الاستراتيجية على مبدأ أساسي مفاده أنّ "القوة الأميركية تبدأ من الداخل"، وتعتمد على الاقتصاد ، وهذه ليست عبارة سياسية، بل رؤية اقتصادية ترتكز على واقع جديد: • نمو الناتج المحلي الأميركي عاد إلى مستوى 2.3% رغم الركود العالمي. • الاستثمارات الصناعية في الداخل ارتفعت إلى 78 مليار دولار في 2024 ضمن برامج إعادة التوطين. • تم ضخ أكثر من 130 مليار دولار في القطاعات التكنولوجية العالية. • الانكماش في العجز التجاري غير النفطي وصل إلى 11%. وهذه الأرقام ليست تفصيلا تقنيا، بل هي الأساس الذي بنيت عليه سياسة الأمن القومي الجديدة التي تتضمن اقتصادا محميا، وإنتاجا داخليا، وتقليلَ الاعتمادِ على سلاسل التوريد العالمية. حماية أمن إسرائيل أو ضمان أمن الممرات المائية لم تعد التزامات دائمة، بل "خطوط حمراء" تُدار بمرونة، وبأقل كلفة ممكنة. من هذا المنطلق، تتبنى وثيقة 2025 ما يمكن تسميته "النسخة الحديثة من مبدأ مونرو"، لكن بصيغة اقتصادية صناعية واضحة تمنع أي قوة خارجية من اكتساب نفوذ في نصف الكرة الغربي أو السيطرة على أصول إستراتيجية قريبة من المجال الأميركي. بدلا من الانطلاق من فكرة قيادة أميركية لنظام دولي، وما يتضمّنه من حماية أمريكية، ويبرّره من تدخّل عسكري مباشر، يؤدّي إلى حروب وصراعات طويلة، تبدد القوّة الاقتصادية الأمريكية وتترك آثارا سلبية على الطبقة الوسطى وتهدد منظومة عمل النظام الديمقراطي، تنطلق الوثيقة من فكرة أن العالم مؤلف من دول قومية ذات سيادة، وكل دولة معنية أولا بحماية حدودها وهويتها ومصالحها الاقتصادية. تّعيد الإستراتيجية تعريف السياسة الخارجية كامتداد مباشر لبرنامج داخلي اقتصادي واجتماعي يقوم على إعادة التصنيع و تعزيز أدوات إنتاج الطاقة والتكنولوجيا، بما يجعل "أميركا أكثر أمانًا أو قوةً أو ازدهارًا" . الفكرة الرئيسيّة في استراتيجية إدارة ترامب تتمحور حول أولوية المصالح الاقتصادية المرتبطة برفاه الشعب الأمريكي وازدهار أمريكا، وقد اكّدت المقدمة أنّ الغرض من السياسة الخارجية هي حماية المصالح الوطنية الأساسية، وأنّ السياسة الخارجية، في جوهرها، يجب أن تكون في خدمة المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، وقد اتهمت القائمين على الإدارات السابقة بأنّهم "بالغوا في تقدير قدرة أميركا على تمويل دولة تنظيمية وإدارية ضخمة في الوقت نفسه، إلى جانب جيش عسكري ودبلوماسي ضخم....و مجمع الاستخبارات والمساعدات الخارجية". كيف تنظر استراتيجية الولايات المتّحدة الجديد إلى الشرق الأوسط ، وهل تحتاج إلى تعزيز وجود الجيش الأمريكي؟ تحت عنوان " الشرق الأوسط "، نجد رؤية واضحة حول طبيعة التغيّرات في شروط السيطرة الإقليمية التي باتت توجّب تغيير في وسائل وأدوات السيطرة الأمريكية من منظور المصالح الوطنية الأمريكية الداخلية، المرتبطة بشروط ازدهار الاقتصاد الأمريكي، وتعني في الجوهر ضرورة تقليص دور الجيش الأمريكي وشركات النهب الإمبريالية، لصالح شركات الاستثمار الوطنية . "لمدة نصف قرن على الأقل، كانت السياسة الخارجية الأميركية تعطي الأولوية للشرق الأوسط فوق كل المناطق الأخرى. الأسباب واضحة: لقد كان الشرق الأوسط ....أهم مورّد للطاقة في العالم، وكانت مسرحاً رئيسياً للقوى العظمى المنافسة، وكان مليئا بالصراعات التي تهدد بالانتشار إلى العالم الأوسع، وحتى إلى شواطئنا. واليوم، لم تعد اثنتين على الأقل من هذه الديناميكيات قائمة. أ-لقد تنوعت مصادر الطاقة بشكل كبير، وأصبحت الولايات المتحدة مرة أخرى مُصدّراً صافياً للطاقة. ب-لقد أفسحت منافسة القوى العظمى المجال لمناورات القوى العظمى، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بالموقف الذي تُحسد عليه، والذي يعززه نجاح الرئيس ترامب في تنشيط تحالفاته في الخليج، مع شركاء عرب آخرين، و مع إسرائيل. ويظل الصراع هو الديناميكية الأكثر إزعاجا في الشرق الأوسط، ولكن الأمر اليوم أقل أهمية لهذه المشكلة مما قد تدفعك العناوين الرئيسية إلى الاعتقاد. أ- إيران – القوة الرئيسية المزعزعة للاستقرار – تم إضعافها إلى حد كبير بسبب الإجراءات الإسرائيلية منذ ٧ أكتوبر 2023، وعملية مطرقة منتصف الليل التي أطلقها الرئيس ترامب في يونيو 2025، الأمر الذي أدى إلى تدهور كبير في البرنامج النووي الإيراني. ب-على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني ، لا يزال الصراع شائكا، ولكن بفضل وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن بعد تفاوض الرئيس ترامب، وخطته تم تحقيق تقدم نحو سلام أكثر استدامة ، وقد تم إضعاف الداعمين الرئيسيين لحماس أو تنحيتهم. ت- سوريا باقية مشكلة محتملة، لكن بدعم أميركي وعربي وإسرائيلي وتركي ،قد يكون ممكناً الاستقرار واستعادة مكانتها الصحيحة كلاعب أساسي وإيجابي في المنطقة." بناء على رؤية طبيعة هذه التغيّرات في شروط السيطرة الإقليمية ، ما هو الاستنتاج الذي يرتبط بالسياسات التي " تجعل أميركا أكثر أمانًا أو قوةً أو ازدهارًا." ؟ هل ترتبط بسحب الجيش الأمريكي أم بتعزيز وجوده؟ هل يسحب ترامب جنوده من العراق ام يفعل العكس ؟ أ- لم يُعد الإقليم الأمريكي ساحة تنافس بين القوى العظمى، وقد باتت عوامل عدم الاستقرار الناتجة عن الصراعات البينيّة في طريقها إلى حلول سياسية ... ب- لم تعد السيطرة على مصادر الطاقة أولوية وطنية داخلية ، طالما تقوم هذه الإدارة بإلغاء أو تخفيف سياسات الطاقة التقييدية الأمريكية ، وما ينتج من تزايد إنتاج الطاقة، وهو السبب التاريخي الذي جعل أمريكا تتبنى استراتيجية سيطرة عسكرية على الشرق الأوسط. ينحسر دور الإقليم الرئيسي في مصالح السيطرة الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية التي كانت مرتبطة بالفوّة العسكرية وبدلا من ذلك، سوف تصبح المنطقة على نحو متزايد مركزا لتوفير شروط القوّة الاقتصادية، مصدرا و وجهة للاستثمار الدولي، وفي صناعات تتجاوز بكثير النفط والغاز - بما في ذلك الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع. يمكننا أيضًا العمل مع شركاء الشرق الأوسط لتعزيز المصالح الاقتصادية الأخرى، من تأمين العرض سلاسل لتعزيز الفرص لتطوير أسواق ودية ومفتوحة في بلدان أخرى وأجزاء من العالم مثل أفريقيا. ويظهرُ الشركاءُ في الشرق الأوسط التزامهم بمكافحة الإرهاب و التطرف، وهو اتجاه ينبغي للسياسة الأمريكية أن تستمر في تشجيعه. ولكن القيام بذلك سوف يتطلب التخلي عن تجربة أمريكا المضللة في التغاضي عن هذه الأمور ... وخاصة ممالك الخليج، وعلينا أن نشجع الإصلاح ونشيد به متى و حيث تظهر بشكل عضوي، دون محاولة فرضها من الخارج. المفتاح لعلاقات ناجحة مع الشرق الأوسط هي قبول المنطقة وقادتها وشعوبه كما هي أثناء العمل معًا في المجالات ذات الاهتمام المشترك. وسوف يكون لأميركا دائماً مصالح أساسية في ضمان توفير إمدادات الطاقة في الخليج وأن لا يقع في أيدي عدو صريح، وأن يبقى مضيق هرمز مفتوحاً، أن يظل البحر الأحمر صالحًا للملاحة، وألا تكون المنطقة حاضنة أو مصدرة الإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو الوطن الأمريكي، وإسرائيل ." خامسا، تأثيرها المباشر على مآلات الصراع على سوريا. في ضوء غايات الإستراتيجية الأمريكية الجديدة على صعيد الشرق الأوسط، التي تربط بتحفيز مشاريع الاستثمار الاقتصادي وتوفير شروط الاستقرار الامني والسياسي السعي لتخفيض أعباء وآليات الانتشار العسكري الواسع ، تعمل سياسات الإدارة الأمريكيـة على دعم مشروع السلطة السورية الجديدة لتوفير شروط استقرار سياسي وأمني وبيئة استثمارية ناجحة، عبر خطوات وإجراءات إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة وبناء نظام سياسي اقتصادي مستقر ،بمشاركة جميع السوريين وعلى أرضية المواطنة المتساوية، بما يوفّر شروط قوّة سوريا الذاتية و يؤهلها للعب دور وطني وإقليمي يليق بموقعها الاستراتيجي في شبكة علاقات مشروع الاستقرار والنهضة الاقتصادية ، ويجعلها قادرة على القيام بتوّلى مهام مكافحة الإرهاب والتطرّف والمخدرات، وكلّ ما يهدد مصالح الاستقرار المشتركة. ١ملامح استراتيجية ترامب في فترة إدارته الأولى ٢٠١٦ ٢٠٢٠. بداية ، من المفيد توضيح حقيقة أن سياسات الولايات المتّحدة السابقة التي أدّت إلى تقاسم سوريا وحصول الولايات المتّحدة على حصّة قسد ترتبط بالدرجة الأولى بمصالح البانتاغون الأمريكي الذي تسيطر جيوش قيادته المركزية مباشرة على مصادر الثروة، وتتحكّم بمصير الدولة السورية، وتوفّر ميزانيته السنوية مصدر الدعم الرئيسي لقسد. ضمن هذا السياق، من المهم للغاية إدراك طبيعة تناقض مصالح وسياسات الإدارة مع مصالح قيادة البانتاغون في الاحتفاظ بتواجده العسكري في مناطق سيطرة قسد. خلال ٢٠١٩، يُعلن الرئيس ترامب الانتصار الكامل على داعش و نهاية الحرب على الإرهاب. يصدر بانسحاب الجيش الأمريكي من سوريا، ويدافع عن مبرراته في بعد إنجاز مهمّة الانتصار على داعش، وفي مصالح الولايات المتّحدة الوطنية، ويفسّر فوائد قراره على مصالح الولايات المتّحدة المرتبطة بالحليف التركي : في تصريحات ٩ أكتوبر ٢٠١٩، يقول أنه عندما استخدم أوباما pkk كانت صفقة صعبة ، لاّنهم يمثلون عدوّا لتركيا ، وعندما تحوّلهم إلى شريك ، فهي حالة صعبة للغاية في علاقتنا مع حليف تاريخي وشريك في النيتو ..وقد دفعنا كميّات ضخمة من المال على مساعدة الأكراد، فيما يتعلّق بالذخيرة و والسلاح...علما أنّهم لم يقاتلوا فقط من أجل مصالحنا! فهل قاتلوا معنا في الحرب العالمية الثانية أو في النورماندي...إنّهم يقاتلون دفاعا عن أرضهم ،ومن أجل دولتهم التاريخية . انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) الذين يسيطر بعض قياداته على قسد ، واتهمهم " بتعمد إطلاق سراح بعض معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية بهدف إحراج الإدارة الأميركية". ٢ طبيعة سياسات إدارة ترامب المُعلنة، وقيد الممارسة . أ-في جلسة الاستماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي , اليوم ٢٠ مايو / أيار ٢٠٢٥. " كان لابد من الانخراط مع الحكومة الانتقالية ورفع العقوبات لأن تقييمنا كان: أنه يمكن أن تنهار خلال اسابيع وتحصل حرب أهلية كُبرى وتتمزق البلاد ولكن علينا الانخراط معهم حتى لا نضيع فرصة تحقيق الاستقرار في سوريا ولبنان .وأكد الوزير روبيو بأن ما يحصل في سورية يؤثر على كل المنطقة وأن عدم الاستقرار والفوضى في سوريا هو الذي أدى لجلب الإرهابيين / الجهاديين من كل دول العالم وزعزعة استقرار المنطقة من قبل داعش , لذلك ما يحصل في سورية حاليا سيؤثر جداً على الوضع الداخلي في لبنان ويجب أن نأخذ هذا بعين الاعتبار. الاستثناءات التي يمكن أن تعطيها حكومتنا من قانون قيصر محدودة ب ١٨٠ يومًا , فلن تكون كافية لجذب الاستثمارات وتحقيق الاستقرار، هي بالكاد كافية لتسمح لشركائنا الإقليميين لتقديم يد العون والمساعدة للحكومة السورية الانتقالية، ويجب أن نفعل شيئًا عبر الكونغرس لرفع العقوبات بشكل نهائي. " ب-متابعتنا لنشاط إلغاء قانون قيصر، عضو الكونجرس جو ويلسون و السيناتور جين شاهين كشفا بوضوح عن جوهر الاستراتيجية الأميركية الجديدة، عندما ربطا بوضوح بين تمكين إعادة إعمار سوريا وتعزيز المصالح الأمنية الأمريكية، وبين "دعم الأمن القومي الأمريكي" والاستقرار في الشرق الأوسط. وأكّدا أنّه "سيكون النمو الاقتصادي أمراً حيوياً لتعزيز الاستقرار في سوريا في المنطقة ". أهداف أخرى تطرحها الاستراتيجية الأميركية تأتي في السياق .فكّلما تحسّنت شروط " تعزيز الاستقرار في منطقة غير مستقرة"، تزداد إمكانيات" حرمان داعش من توفير ملاذ آمن، وفي حرمان إيران وروسيا من موطئ قدم في الشرق الأوسط. " ومع توفّر "طريق للاستثمار المسؤول في سوريا يدعم إعادة الإعمار والخدمات وفرص العمل دون تسليم شيك على بياض للجهات الفاعلة السيئة"، تنفتح أمام" المستثمرين والشركات الأمريكية... فرص للتنافس، ووضع المعايير، والقيادة بشفافية. لا شك في أننا نريد أن نشهد على إحراز تقدم وسنرافق السلطات السورية في كل خطوة تأخذها. سيكون الطريق طويلا فقد مرّ وقت طويل على بدء المشاكل. إذاً نحن ندرك ذلك، ولكن هذه فرصة تاريخية وسيكون تأثيرها على المنطقة هائلا لو نجحت." ت-كانت كلمات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك أكثر وضوحا في التعبير عن سياسات إدارة ترامب تجاه أحداث ومآلات الصراع على سوريا ، التي ترى انّ إعادة توحيد سوريا واستقرارها ونهضتها الاقتصادية يشكّل أحد مرتكزات نجاح أهداف مشروع الاستقرار الإقليمي : "لا توجد مؤشرات لدولة كردستان المستقلة، وليس هناك مؤشرات لدولة مستقلة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد، وهي فرع من حزب العمال الكردستاني، ولا دولة علوية مستقلة ولا دولة درزية مستقلة. هناك دولة سورية مستقلة. الولايات المتحدة ملزمة أن تكون عقلانية، ولكن إذا لم تكن الأطراف الأخرى عقلانية فسيكون لنا بديل آخر. ث-في آخر تصريحات الرئيس ترامب: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم أمس الثلاثاء ، "أن القوات الأمريكية تعاونت مع الحكومة السّورية للقبض على إرهابيين فروا من سجن الشدادي جنوب الحسكة. "وأضاف في تصريح لصحيفة "نيويورك بوست" الأمريكية :" كانت هناك محاولة هروب من السجن وعملنا مع الرئيس السوري أحمد الشرع والحكومة السورية وقبضنا على السجناء وهم من أخطر الإرهابيين في العالم ". في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض ، غداة مباحثات أجراها مع الرئيس السوري أحمد الشرع تناولت "ضرورة ضمان حقوق وحماية الشعب الكردي ضمن إطار الدولة السورية"، إن الرئيس السوري "يعمل بجد كبير". واعتبر أن الشرع "رجل قوي، قاس وله سجل قاس نوعا ما، لكن لا يمكنك أن تضع منشدا لجوقة كنسية هناك لإنجاز المهمة". وأضاف ترامب، ردا على سؤال لأحد الصحفيين عن حماية حقوق الأكراد في سوريا. "أنا معجب بالأكراد، لكن فقط لكي تفهموا، دفعت مبالغ هائلة من المال للأكراد، ومنحوا النفط وأشياء أخرى، لذلك كانوا يفعلون ذلك من أجل أنفسهم أكثر مما يفعلونه من أجلنا، لكننا متوافقون مع الأكراد ونحاول حمايتهم". ه-في آخر توضيح لمواقف وسياسات إدارته تجاه المرحلة الأخيرة من الصراع بين الدولة السورية وقسد، نجد تأكيدا على تقاطع سياسات واشنطن مع مصالح السوريين في تعزيز جهود العمل الوطنية المشتركة . السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا توماس باراك: “تتمثّل أعظم فرصة متاحة أمام الأكراد في سوريا اليوم في المرحلة الانتقالية ما بعد الأسد في ظل الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. فهذه اللحظة تقدّم مسارًا نحو الاندماج الكامل في دولة سورية موحّدة، مع حقوق المواطنة، والحماية الثقافية، والمشاركة السياسية. وهي حقوق حُرم منها الأكراد طويلًا في عهد بشار الأسد، حيث واجه كثيرون منهم انعدام الجنسية، وقيودًا على اللغة، وتمييزًا ممنهجًا. تاريخيًا، كان الوجود العسكري الأميركي في شمال شرق سوريا مبرَّرًا أساسًا بالشراكة في مكافحة تنظيم داعش... في ذلك الوقت، لم تكن هناك دولة سورية مركزية فاعلة يمكن الشراكة معها .. اليوم، تغيّر الوضع جذريًا. أصبحت سوريا تمتلك حكومة مركزية معترفًا بها، وقد انضمت إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش (بصفتها العضو التسعين في أواخر عام 2025)، في إشارة إلى توجّه غربي وتعاون مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب. وهذا غيّر من مبررات الشراكة بين الولايات المتحدة وقسد: إذ تُظهر التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة تعمل بنشاط على تيسير هذا الانتقال، بدل إطالة أمدِ دورٍ منفصل لقسد: أجرينا تواصلًا مكثفًا مع الحكومة السورية وقيادة قسد للتوصل إلى اتفاق اندماج، وُقّع في 18 كانون الثاني/يناير، ولوضع مسار واضح لتنفيذ سلمي في الوقت المناسب. • ينص الاتفاق على دمج مقاتلي قسد في الجيش الوطني (بصفتهم أفرادًا، والذي بقي من أكثر القضايا إثارة للجدل)، تسليم البنية التحتية الرئيسية (حقول النفط، السدود، المعابر الحدودية)، والتنازل عن السيطرة على سجون ومخيمات داعش إلى دمشق. • لا يوجد لدى الولايات المتحدة أي اهتمام في وجود عسكري طويل الأمد؛ إذ تركز على هزيمة فلول داعش، ودعم المصالحة، وتعزيز الوحدة الوطنية من دون تأييد الانفصال أو الفيدرالية. يخلق هذا الواقع نافذة فريدة أمام الأكراد: فالاندماج في الدولة السورية الجديدة يتيح حقوق مواطنة كاملة (بما في ذلك لمن كانوا عديمي الجنسية سابقًا)، والاعتراف بهم جزءٌ لا يتجزأ من سوريا، وضمانات دستورية للغة والثقافة الكردية (مثل التعليم باللغة الكردية والاحتفال بعيد نوروز كعيد وطني)، والمشاركة في الحكم وهي مكاسب تفوق بكثير شبه الحكم الذاتي الذي تمتعت به قسد في ظل فوضى الحرب الأهلية. ومع استمرار المخاطر (مثل هشاشة وقف إطلاق النار، والاشتباكات المتفرقة، والمخاوف من المتشددين، أو رغبة بعض الأطراف في إعادة فتح مظالم الماضي)، فإن الولايات المتحدة تضغط من أجل ضمانات لحقوق الأكراد واستمرار التعاون في مكافحة داعش. أما البديل—أي إطالة أمد الانفصال—فقد يفتح الباب أمام عدم الاستقرار أو عودة داعش .إن هذا الاندماج، المدعوم بالدبلوماسية الأميركية، يمثّل أقوى فرصة حتى الآن أمام الأكراد لتأمين حقوق دائمة وأمن مستقر ضمن دولة سورية معترف بها. ... نتابع تيسير المحادثات بين قسد والحكومة السورية بما يسمح بالاندماج السلمي لقسد، والإدماج السياسي للسكان الأكراد في سوريا ضمن مواطنة سورية كاملة وتاريخية.” ما هو الاستنتاج الرئيسي؟ يصل بنا التحليل الواقعي إلى استنتاجيين رئيسيين ، لايمكن لأيّة قراءة تتوخّى الموضوعية أن تغفلهما: ١ ثمّة استراتيجية أمريكية جديدة لإعادة رسم علاقات تموضع إقليمي سوري في إطار مشروع إقليمي أمريكي (٥)، وقد تقاطعت أهدافها السورية مع طموحات وإرادة تطوير هجوم ردع العدوان نحو دمشق، ومع مصالح تركيا ورؤيتها لمستقبل سوريا، ولا نقلل من قيمة ابطال التحرير واهميّة الإنجـاز التاريخي إذ اعتقدنا أنّه كان يمكن في أحسن الأحوال أن تتوقف انتصارات هجوم ردع العدوان عند نهاية أسوار حلب، في ظل عوامل السياق الأمريكية السابقة لفوز ترامب. ٢لا نأتي بجديد عندما نرى ونقول أن شكل النظام السياسي السوري ،وبالتالي مصير كيان الدولة السورية ، قد باتا منذ اليوم التالي لسقوط سلطة الأسد الإيرانية في الثامن من ديسمبر ٢٠٢٤ المجيد، قضيّة صراع رئيسي ،تدور معاركه المتعددة المستويات والصعد والجبهات حول مشروعين سياسيين رئيسيين، ومتناقضين، وقد وقفت الإدارة الأمريكيـة بحزم لجانب المشروع الوطني السوري(٦). إذ يرى أصحاب المشروع الأوّل الذي تقوده السلطة السورية الجديدة أنّ إنجاز الثامن من ديسمبر يُعطي السوريين وسوريا فرصة تاريخية لتجاوز خارطة سيطرة تقسيم سوريا التي كانت قد ترسّخت مرتكزات سلطاتها بين ٢٠١٥ ٢٠٢٤، وذلك عبر صيرورة سياسية وطنية ، تتضمّن مساراتها إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة وحصريّة امتلاك السلاح والثروة بيد مؤسسات الدولة السورية المركزية والموحّدة ، في سياقات توفير شروط نهضة اقتصادية و إعادة تموضع سوريا الجيوسياسي في شبكة العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية ، يعتقد أصحاب المشروع الثاني المضاد الذي تقوده قسد أنّ ضعف سلطة المرحلة الانتقالية ، وما تواجهه مسارات المشروع الوطني من تحدّيات معقدة، تعطي قسد (وشركاء مشروع التقسيم من بقايا سلطة الأسد الإيرانية) فرصة تاريخية، ليس فقط لتثبيت وشرعنة وجود مرتكزات مشروعها على مناطق" إقليم شمال وشرق سوريا"( المنظومة العسكرية والامنية والإدارة الذاتية والسيادة) فحسب، بل وتعميم نموذجه اللامركزي في الساحل والسويداء، تحت مظلّة نظام سياسي فدرالي!
سادسا ، في السمات الرئيسية لمبادىء النضال الوطني. إنّ قوّة الدولة الوطنية ومناعتها تجاه التحدّيات تكمن في وحدة الجغرافيا ومصادر الثروة والشعب، وفي استقرارها الأمني والسياسي وقوّة اقتصادها، وعلاقات حسن جوار متوازنة ، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة، وإنّ توفير مقوّمات وشروط القوّة في هذه المرحلة من الصراع على سوريا يتطلّب السيرَ على مسارات مترابطة جدلية ، تتشابك في إجراءات تحقيقها خطوات بناء أسس نظام سياسي وطني تشاركي ديمقراطي، يقوم على قاعدة فصل السلطات و يشرعن حقوق المواطنة المتساوية، ويضمن على المدى المتوسط والبعيد توفير الشروط القانونية والسياسية لحصول انتقال سياسي سلمي للسلطة بين قوى المجتمع الوطنية المتنافسة ووفقا لفترات محددة، وإنّ من الواقعية والمصداقية أن ندرك طبيعة العقبات والمخاطر الأكثر تعقيدا التي تواجه تقدّم مسارات هذه الصيرورة في هذه المرحلة التأسيسية من المشروع الوطني التي تتمثّل بمشروع التقسيم وعواقبه ، ومخاطر سياسات إقصائية. وإنّ الموضوعية والمصلحة الوطنية العليا تقتضي أن نعترف أنّ قسد هي التي تقود قوى وأدوات وشركاء مشروع التقسيم ، وتستخدم جميع الأوراق المتاحة لتفشيل مسارات العملية السياسية ودفع الصراع على الساحل والسويداء إلى مآلات التقسيم " اللامركزي"، و أن الخطوة الأولى الرئيسية لابدّ أن تكون في إيجاد حل وطني للصراع بين سلطة الدولة وقسد، من الأفضل أن يكون بوسائل سلمية، لإعادة توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة، وإرادة السوريين. الحفاظ على وحدة سوريا ليس مطلبا شعبويا، ولا يجوز كما يحلو لبعض النخب المنفصلة عن الواقع السوري، أن تعتبره مطلب الأكثرية السنية على حساب حقوق بقية المكونات، لأن سوريا في تكوينها التعددي المتداخل والمتشابك جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، ومواقع توزّع الثروة الوطنية وتكامل مصادرها ، لا يقبل ولا يحتمل انفصال جزء منها عن الآخر ،سواء بدواعي قومية أو أثنية أو هوياتية مغلقة، وإنما تقتضي المصلحة الوطنية إدارة التنوع السوري بهوية وطنية جامعة تحمي حقوق جميع مواطنيها وضمان الخصوصيات القومية والثقافية فيها، وهذا لا يتعارض مع لامركزية موسعة، يتمّ التوافق على طبيعتها داخل المؤسسات ، تمنح أدوارا وصلاحيات تشاركية لهيئات الحكم المحلي على صعيد المسؤوليات والأعباء. في هذه القضية الجوهرية وهي وحدة سوريا لا مجاملة ولا مساومة فيها، لأن مشاريع الانفصال والتقسيم هي قضم لحقوق فئات على حساب فئات أخرى، وستؤدي إلى تمزيق سوريا من حيث النتيجة، وهذا ما يتوجب العمل على مواجهته قولاً وفعلاً ووجدانا".ً المحامي.. والكاتب السياسي الفلسطيني السوري " أيمن فهمي أبو هاشم ".
(١)-في مداخلات فلم " ردع العدوان "، نستمع إلى شهادات أبرز قادة غرفة العمليات العسكرية: مرهف ابو قصرة : " في الثورة هناك حل سياسي أو فدرالي وحسم عسكري كان لدينا قناعة ..وتكلمنا على جميع المستويات بأولويّة الحسم عسكري. .). قمنا بمراجعة شاملة، تضمّنت إعادة ترتيب وتنظيم القوات ، ودمج الفصائل ، وتوحيد الرؤية العسكرية ...تمّ إعادة هيكلة الفصائل بما يتوافق مع القراءة المستقبلية. هكذا تم تشكيل المجلس العسكري. ويضم مكونات الثورة. وتم بناء ألوية عسكرية قادرة على العمل في حالة تكاملية ضمن اي ظرف أو حدث . أسعد الشيباني: " كانت هناك تغيّرات تجري في المنطقة ، نحن إدركنا طبيعتها، وبنينا عليها. حلفاء الثورة السورية ، ومن كان يهتم بالمشهد السوري كان يخشى من عدم نجاح هذه المعركة ، لأنه سيؤدّي إلى واقع إنساني معقّد جدا ، وإلى هجر كبيرة، وإعلان انتصار رسمي للنظام البائد... لم تشجعنا الدول، ولم تكن متحمّسة لهذه المعركة ، وكانت تحمل نصائحها لغة التهديد ، وتحمّل المسؤولية..." ( أحمد الشرع : قبل أربعة أشهر ، اعدنا هيكلة القوّات بما يتوافق مع أجندات المعركة. انتقلنا من منظومة الألوية، إلى الفرق، وقد تولّت مهام محور بأكمله .. اكبر تحدّي كان سلاح الطيران...فوضعنا خطة تشتيت العدو ... (٢)- الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، في سياق ترويج مبررات غزو اوكرانيا؛ "في العراق وسوريا وليبيا ، الإستخدام غير الشرعي للقوّة ، وتحوير جميع قرارات مجلس الأمن ... لكنّ الكارثة الكبرى على قائمة جرائم انتهاك القانون الدولي يشغلها العراق !! دون إيّة اسس قانونية، اختاروا كذريعة تلك المعلومات التي قُيل أنّ الولايات المتحدّة الأمريكية تملكها عن وجود اسلحة دمار شامل في العراق.. ..وبعد ذلك ، تبيّن أنّ كلّ هذا تلفيقا وكذب !! ولا وجود لأيّة اسلحة كيماوية في العراق !! أمر مدهش وغريب . لكن الحقيقة ، تبقى حقيقة !! جاء الكذب من اعلى المستويات الحكومية ، وأعلى منبر للأمم المتحدة ! والنتيجة ! اعداد ضخم من الضحايا ، وكميّات هائلة من التدمير وانتشار لا يصدّق للإرهاب" (٣)- لقد وضعت الحرب العالمية الثانية الولايات المتّحدة في وضع قوّة المهيمنة العظمى التي تمتلك نصف ثروات العالم، وتستمتع بامتيازات ضخمة في كل منطقة. في سياق استراتيجية الحفاظ على مكتسبات الطبقة السياسية العسكرية وأصحاب الشركات الإمبريالية التي كانت أكثر انتفاعا من نتائج الحرب الثانية وسياسات السيطرة على مصادر الطاقة في الخليج و أمريكا اللاتينية، تبنّت الإدارات الأمريكية سياسة صناعة إجماع شعبي، يؤمن أنّ " الصناعة المتقدّمة لا تتحقق إلّا بالدعم الحكومي" وسرعان ما تولّى " البانتاغون" المؤسسة الحكومية الأكثر تنظيما ،تعميم التكاليف والمخاطر على الشعب، وتخصيص السلطة والأرباح، وقد سهّلت اللوبيات التابعة في مجلسي النواب والشيوخ إخفاء الدعم أو تبرير قبوله تحت ستار دعاية مواجهة تحدّيات الأمن القومي الأميركي، و أكّدوا دائما على أهميّة أن تساهم الميزانية الوطنية في تقوية " قاعدة الدفاع الصناعية" " الصناعة عالية التقنية" لمواجهة "التخصص التكنولوجي المتصاعد" و " الاحتفاظ بقوات التدخّل السريع" في منطقة الشرق الأوسط... بسبب وجود النفط وموارد الطاقة التي يعتمد عليها "العالم الحر".( نعوم تشومسكي ). !! (٤)-ليس خارج السياق ، دعونا نحاول فهم طبيعة المعادلة على صعيد المصالح الأمريكية الوطنية التي تكرّست في مبدأ القوّة العسكرية، ووجّبت حصول تغيّرات استراتيجية : من جهة أولى ، أرباح ومكاسب حروب وغزوات الجيوش الأمريكية في الإقليم وما يرافقها من نهب اقتصادي، تصبّ بشكل رئيسي في جيوب أصحاب شركات السلاح والطاقة والتكنولوجيا المرتبطة بشكل عام بالبنتاغون الأمريكي، وبشكل خاص بالقيادات المركزية ( Central Command ) التي باتت تنتشر في جميع مناطق العالم منذ تشكيلها عام ١٩٨٤، ومنها القيادة المركزية الأميركية الوسطى التي تسيطر على " الجزيرة السورية " . من جهة ثانية ، أنّ أحجام وأشكال الدعم المالي التي تقدّمها مؤسسات الحكم الأمريكية، على صعيد الإدرات ومجلسي الشيوخ والنواب، والمرتبطة بأنشطة البانتاغون العالمية ، وعبر ميزانيته السنوية ، تأتي من الخزينة الوطنية ، ومن أموال دافع الضرائب ، وهي التي تستهدف أصلا توفير أفضل شروط تقدّم وأمن ورفاهية الأمريكيين....وحماية الأمن القومي الأميركي.. في نفس السياق، يدفع عشرات ألوف الأمريكيين في مؤسسات وزارة الدفاع التي تشارك في معارك سيطرة البانتاغون حياتهم، دون ظهور بوادر احتجاج ، بفعل نجاح ماكينة تصنيع الرأي العام الأمريكي في وسائل البروباغاندا العملاقة التي تغذيها ثقافة مراكز البحوث وأقوال المسؤولين ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ، التي يموّلها ويتحكّم بطبيعة أهداف ومحتوى دعاياتها أصحاب الشركات الإمبريالية نفسها! (٥)- ندرك واقعية تحقيق خطط استراتيجية ترامب ، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ أهداف وإجراءات مبادرة ترامب لإنهاء الصراع على غزة تمثّل حجر الزاوية في بناء مشروع استقرار وتطبيع إقليمي متكامل، لا تخرج عن سياق أهدافه استراتيجيته الجديدة تجاه وحدة و استقرار وسيادة دول سوريا ولبنان والعراق ، الساعية إلى إزالة أسباب الصراعات التاريخية وتفكيك أذرع القوى الميليشاوية، وتوفير شروط استقرار مستدام وتكامل ونمو اقتصادي ، يكون في أدواتها وأرباحها لشركات الولايات المتّحدة وشركائها الحصة الأكبر . توفير شروط قيام كيان سياسي فلسطيني إلى جانت دولة الكيان الاسرائيلي، وعلى علاقات طبيعية معها ، ومع المحيط الإقليمي، بات يشكّل الخطوة الرئيسية لمواصلة حلقات مشروع التطبيع الإقليمي الشامل ، وقد تعارضت تلك الخطوة سابقا مع مصالح وسياسات اليمين الصهيوني الإسرائيلي و القيادة الحمساوية و شبكة السيطرة الإيرانية، وقد باتت اليوم ممكنة في نتائج الحروب العدوانية الإسرائيلية المتعددة الجبهات، التي اعقبت طوفان الأقصى في الثامن من أكتوبر ٢٠٢٣. إدارة انتقالية لغزة: يتم إنشاء لجنة تكنوقراطية فلسطينية غير سياسية لإدارة شؤون الحياة اليومية في غزة، تحت إشراف “مجلس السلام” الذي يرأسه ترامب ويضم شخصيات دولية بارزة مثل توني بلير. يتولى هذا المجلس إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة السلطة الفلسطينية بعد استكمال برنامجها الإصلاحي. خطة اقتصادية لتنمية غزة: يقود ترامب لجنة خبراء لصياغة خطة تنموية طموحة مستوحاة من تجارب المدن الحديثة الناجحة في المنطقة، تهدف لجذب الاستثمارات، خلق فرص العمل، وتحقيق نقلة اقتصادية تزرع الأمل في مستقبل غزة.. على الصعيد اللبناني ، يقود السفير توماس باراك جهودا كبيرة لوقف الحرب العدوانية الإسرائيلية المستمرة على لبنان عبر آليات وطنية لبنانية ، تسمح بتفكيك سلاح حزب الله و تعزيز عوامل وحدة لبنان وسيادته واستقراره. (٦)- في خلاصة التحليل: أهداف طبيعة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه الصراع على سوريا واضحة ، وهي في الجوهر متناقضة، ومعاكسة لاستراتيجية أوباما والديموقراطيين منذ ٢٠١١. في حين دخلت إدارة أوباما الصراع السياسي على السلطة الذي فجّره حراك ربيع ٢٠١١ في سياق مشروع أسدي إيراني لقطع مسارات الانتقال السياسي والتحوّلات الديمقراطية، فقد ساهمت سياساتها في إجهاض مسار الحل السياسي، وميلشة الصراع وتفشيل الدولة السورية وتقسيمها، بالتكامل مع جهود السلطة الاسدية والنظام الإيراني ،تأتي استراتيجية إدارة ترامب في سياق " توحيد سوريا ، واستقرارها "، وهو العامل الرئيسي الذي يحدد شكل العملية السياسية الانتقالية ومستقبل الكيان الجيوسياسي السوري. من حقنا المقارنة : في ربيع ٢٠١١، بدأ مبكرّا تدخّل ميليشات الحرس الثوري الإيراني، وأخذ يتحوّل( مع تصاعد أعمال العنف ضد الشعب السوري، وظهور بوادر مقاومة شعبية مسلّحة ضد ممارسات السلطة العنيفة والقاتلة)إلى غزو عسكري على مناطق واسعة في سوريا ، غضّت إسرائيل والولايات المتّحدة النظر، وركّزت واشنطن على مهرجانات مناصرة الشعب السوري. في نهاية ٢٠١١ ، نفّذ جيش الولايات المتّحدة انسحابا تكتيكيّا من العراق، (غير مبرر في منظور احتدام الصراعات الإقليمية، وما يمكن أن تحمله من أخطار على مصالحها، بررته الدعاية الأمريكية وأبواقها المحلية بكذبة ضرورات التحشيد في جنوب شرق آسيا، لمواجهة خطر صيني داهم- رجل الأعمال "طلال أبو غزالة"، الفلسطيني الأردني الأمريكي، والدكتور السوري – الأمريكي ، سمير التقي!) الذي كان يحكمه "نور المالكي "،أخطر أدوات سيطرة الحرس الثوري الإيراني، واضعة بذلك إمكانات العراق الضخمة، المالية والميليشياوية الإرهابية، بيد الحرس الثوري الإيراني، وكان لها العامل الرئيسي في إنجاح جهود الخَيار العسكري، و أهدافه الأمريكية! في نوفمبر و ديسمبر ٢٠٢٤: أعتقد أن جميع المتابعين لتقدّم معارك هجوم ردع العدوان بعد السيطرة على حلب ،وتحرير كامل محافظة إدلب، يدرك أهميّة هذه اللحظة السياسية النوعية التي شكّلها فوز المرشّح الجمهوري ترامب، وقد وفّرت العامل الأمريكي الحاسم في نجاح جهود وخطط قيادة غرفة عمليات ردع العدوان لتوسيع نطاق أهداف الهجوم ، وتحويل مسارات المعارك إلى دمشق. الحقيقة الابرز في الصراع على سوريا هي أنّ الوقائع التي صنعتها نتائج حروب تدخّل الولايات المتّحدة العسكري في معارك السيطرة وتقاسم الحصص بين ٢٠١٥ ٢٠١٩ ، وإطلاق مشروع تسوية سياسية بين سلطات الأمر الواقع الميليشياوية وفقا لنظرية مركز بحوث RAND التابع للبنتاغون حول نظام حوكمة محلية لامركزية لمناطق سيطرة الحكومات المحلية، ونظام فدرالي في دمشق ، تجعلنا نستنتج أن ّ الهدف الاستراتيجي للولايات المتّحدة في مواجهة تحدّيات وعواقب الصراع السياسي على سوريا، والذي يتكامل مع أهداف السيطرة الإقليمية الأمريكية التي حققتها منذ مطلع ١٩٩٠، خاصة في أعقاب غزو العراق ٢٠٠٣، هو الحصول على قاعدة ارتكاز وتحكّم اقليمية جديدة، تضاف إلى قواعد السيطرة الإقليمية الأمريكية القائمة حتى ٢٠١١، ويكون لها الدور الرئيسي في فرض مصالح وسياسات واشنطن على أنظمة سوريا وتركيا والعراق..و "إسرائيل"!. ملاحظ أخيرة حول اختلاف سياسيات السيطرة الإقليمية الأمريكية الإسرائيلية: نتنياهو يحاول تثبيت مبدأ القوّة في رسم خارطة السيطرة الإقليمية " الإسرائيلية الأمريكية" ، بينما تعمل إدارة ترامب على إعادة رسم خارطة السيطرة الإقليمية" الأمريكية الإسرائيلية " وفقا لمبدأ القوّة الاقتصادية ونهج التشاركية في المهام والمكاسب . الفارق نوعيّ بين المشروعين: المشروع الإسرائيلي يتعامل مع الفلسطينيين بمنطق التفتيت والاخضاع، والحرمان من الحقوق السياسية، بينما يتطلّع ترامب للشراكة مع قيادة فلسطينية موحّدة . يحافظ نتنياهو على استراتيجية إسرائيل السابقة التي تعمل على منع قيام مشروع وطني سوري ، فيسعى لتثبيت قوى مرتكزات مشروع التقسيم التي ترسّخت بين ٢٠١٥ ٢٠١٤، ة التي تضررت قواها من إسقاط العمود الفقري لمشروع التقسيم، سلطة الأسد الإيرانية. وهي بقايا ميليشات وشبيحة شبكة السيطرة الإيرانية الأسدية في " الجزيرة السورية " و الجنوب والساحل السوري ، بما يتعارض مع استراتيجية ترامب التي ترى في قيام " شرق أوسط" مستقرّ ومزدهر افضل شروط حماية مصالح الولايات المتّحدة العليا. وهنا يبدو جليّا تناقض سياسات واشنطن وتل أبيب تجاه السلطة السورية الجديدة و قوى مشروع التقسيم التي يحافظ نتنياهو على استراتيجية دق أسفين في العلاقات التركية / العربية ، ومنع توحّدها في مسارات بناء مشروع استقرار ونهضة اقتصادية إقليمية ، يكون فيها لموقع سوريا، الدولة الموحّدة والمستقرة، الجيوسياسي دورا رئيسيّا، بينما ترتكز استراتيجية الولايات المتّحدة الجديد التي تعمل عليها إدارة ترامب على شراكة استراتيجية بين تركيا ومحيطها الإقليمي العربي. في الوقت الذي تتقاطع فيه مصالح وسياسات إدارتي ترامب ونتنياهو حول هدف تفكيك سلاح حزب الله، وتقويض قدراته العسكرية والسياسية التي تعمل لصالح أجندات المشروع الإيراني، تتوافق سياسات ومصالح حكومة نتنياهو و قيادة الحزب في اضعاف مؤسسات الدولة اللبنانية، وتقويض جهود قيامة لبنان القوي!
#نزار_فجر_بعريني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في طبيعة الصراع على سوريا.
-
في طبيعة الصراع بين سلطة الدولة السورية الجديدة و مشروع قسد.
-
في عوامل إسقاط سلطة الأسد، وما تطرحه من تساؤلات.
-
تساؤلات في قضايا الصراع على شكل النظام السياسي السوري .
-
رامي مخلوف ، و أخطر قصص الصراع على الساحل السوري!
-
في بعض تمظهرات مأزق - اليسار السوري -!
-
الصراع على الساحل السوري، رؤية حول متطلّبات الحوار الوطني ال
...
-
أطروحة - اللامركزية السياسية - القسدية ، بين أكاذيب الدعاية
...
-
في الذكرى السنوية الأولى للتحرير المجيد، تحدّيات كبيرة وإنجا
...
-
في معايير التفكير الوطني السوري!
-
الصراع على سوريا، ودور المرجعية الكردستانية في إقليم كردستان
...
-
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي- مخاطر وفرص!
-
زيارة الرئيس الشرع التاريخية إلى واشنطن، وأبرز تساؤلات المشه
...
-
الإعلام الرسمي، وقضايا الصراع على سوريا!
-
في بعض تمظهرات مأزق وعي وسلوك نخب المعارضات اليسارية.
-
في نقد رؤية الدكتور راتب شعبو لطبيعة المشهد السياسي السوري ا
...
-
العملية السياسية الانتقالية في سوريا- تحدّيات ومآلات.
-
في أبرز خطوات إلغاء قانون قيصر وأثار إنجازها المحتملة على تس
...
-
انتخابات مجلس الشعب السوري الجديد- آمال وتحدّيات.
-
خطة ترامب للتسوية في غزة ، وفرصة السلام الممكن !
المزيد.....
-
-تجسّد الثقة الدولية بالدولة-..عبدالله بن زايد يرحب باستضافة
...
-
حاول الأميركيون غزوها من قبل: لماذا يريد ترامب -ضمّ كندا إلى
...
-
نستله ودانون ولاكتاليس تسحب كميات من حليب الأطفال من الأسواق
...
-
بعد عام من التعديلات.. واشنطن تتهيأ لتسلّم الطائرة القطرية ا
...
-
نتائج جديدة في علاج أورام الدماغ.. دواء فموي يظهر فاعلية لدى
...
-
بعد نقلهم من سوريا.. بغداد تطالب دولا أوروبية باستعادة مواطن
...
-
العاصفة إنغريد تتسبب بفيضانات في أجزاء من غرب فرنسا
-
-سخيفة ومخجلة-.. ردود بريطانية غاضبة على تصريحات ترامب بشأن
...
-
أخبار اليوم: غالبية الأوربيين يرون في ترامب عدوا وبأنه يتصرف
...
-
المرأة.. ضحية الذكورية السامة في عهد ترامب؟
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|