عمر الشاطر
الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 02:55
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الجزء الأول
يعاني الاتحاد الاشتراكي اليوم حالة ضعف وتراجع ملحوظ مقارنة بتاريخه المجيد منذ تأسيس سلفه التنظيمي "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية". ومن يرى وضعية الحزب التي يعيشها اليوم، لا يصدق أن هذا الحزب كان يقيم الدنيا ويقعدها بزخمه الجماهيري وعمله التنظيمي؛ فهو من أهم القوى الحزبية المغربية، إن لم أقل أهمها على الإطلاق.
فقد تميز الاتحاد منذ تأسيسه بطرح بديل شعبي ديمقراطي للوضع السائد في المغرب، كما ضم في صفوفه أعلاماً سياسية مغربية كالمهدي بن بركة، وعبد الله إبراهيم، وعبد الرحيم بوعبيد؛ هؤلاء الأعلام جعلوا من السياسة مدرسة تعليمية، ومن النضال منهجاً قبل أن يكون شعاراً، ومن خدمة وتوحيد القوات الشعبية هدفاً وغاية قبل أن تكون يافطة دعائية.
غير أن الاتحاد ظل في المقابل، ومنذ تأسيسه، يحمل عدة أعطاب أدت به في نهاية المطاف إلى التشظي وغياب الفاعلية السياسية. وقد اخترت في ذكرى 25 يناير 1959 أن أتناول الحديث عن مسيرة الحركة الاتحادية منذ تأسيسها وحتى اليوم، سعياً للجواب على إشكالية الفشل والإخفاق التي انتهى إليها المشروع الاتحادي، وكيف تحول من أهم حزب مغربي إلى كيان
انتخابي هامشي.
وضعية المغرب غداة الاستقلال:
عاش الشعب المغربي بعد الاستقلال في مارس 1956 خيبة أمل واسعة؛ إذ فوجئ المغاربة باستقلال أعرج لا يتكافأ مع حجم ما قدم من تضحيات؛ فقد بقي الجنوب المغربي محتلاً من طرف إسبانيا، واحتفظت الشركات الفرنسية بسيطرتها على الثروات المغربية، في حين أقامت أمريكا قواعد عسكرية في بعض مدن البلاد كالقنيطرة والنواصر.
وسياسياً، نجح القصر في أن يحسم التنافس السياسي لصالحه على حساب حزب الاستقلال؛ الذي عمل القصر -عبر تحالفه مع القوة الثالثة المكونة من الإقطاعيين وبعض فئات البورجوازية إضافة إلى الضباط السابقين في الجيش الفرنسي- على إضعافه والتقليل من قوته السياسية، وذلك عبر خلق انتفاضات محلية قادها بعض الإقطاعيين المدعومين من القصر، ويحضرني هنا نموذج "عدي أوبيهي" الذي قاد تمرداً في تافيلالت بحجة مناهضة
حزب الاستقلال للقصر في 1957.
بالانشقاق بدأ وإليه انتهى:
تنوع الموقف داخل حزب الاستقلال مما يحدث على الساحة؛ إذ انحاز التيار اليميني إلى سياسة المهادنة مع القصر، خاصة بعد فشل حكومة أحمد بلافريج الذي كان محسوباً على هذا الجناح، وقد عمل الجناح اليميني بالتحالف مع ولي العهد الأمير الحسن على إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم التقدمية التي كانت تمثل يسار الحزب، والتي استطاعت تحقيق عدة إنجازات سياسية واقتصادية من أهمها خلق بنك المغرب وإصدار عملة الدرهم، كما مهدت لإقرار قانون الإصلاح الزراعي الذي سيجهض لصالح الإقطاع
بعد الانقلاب عليها في ماي 1960.
تأسيس الاتحاد:
تزامن هذا الحراك الداخلي المغربي مع انتشار المد القومي واليساري الذي كان يجتاح الوطن العربي والعالم الثالث ممثلاً في الحراك الناصري، واستطاع الأخير أن يؤثر على القوى التقدمية المغربية التي رأت ضرورة تأسيس اتحاد وطني يجمع كافة الفئات الشعبية تحت شعار "لا حزبية بعد اليوم". واستفاد اليسار داخل حزب الاستقلال من الاتجاه النقابي الممثل في الاتحاد المغربي للشغل الذي كان يقوده المحجوب بن الصديق، والذي كان يسعى للاستقلال عن قيادة الحزب. وقد دفعت هذه الظروف التيار اليساري للخروج وتأسيس "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" في السادس
من سبتمبر 1959.
غياب الانسجام:
تنوعت الروافد التي أتت منها القيادة الاتحادية مما جعل الاتحاد خليطاً غير متجانس:
حزبيين منشقين عن حزب الاستقلال (المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد).
مقاومين (محمد البصري، محمد بن سعيد آيت يدر).
نقابيين (عبد الله إبراهيم، المحجوب بن الصديق).
وشخصيات من الحركة الشعبية (عبد الله الصنهاجي).
حزبيين قادمين من الشورى والاستقلال (أحمد بن سودة وعبد الهادي بوطالب).
وأدى هذا التعدد إلى انقسامات في الرؤية والأهداف بين عدة اتجاهات: الثورة المسلحة (البصري)، العمل السياسي والتعبئة (بوعبيد)، العمل النقابي الاقتصادي (عبد الله إبراهيم، المحجوب بن الصديق)، ومحاولة الدمج بين هذه الاتجاهات التي قادها بن بركة.
رغم القوة التي حملها الاتحاد في بداياته كجبهة يسارية طموحة، إلا أن تجاربه السياسية شهدت جملة من الأمراض التنظيمية والسياسية التي ساهمت في إضعافه وتفتيته. ومن أبرز هذه المشاكل كان عدم الوضوح الأيديولوجي؛ حيث تداخلت في صفوف الاتحاد تيارات متعددة ومتباينة بين اليسار الثوري، والإصلاحي، والاتجاهات النقابية، الأمر الذي أفرز غموضاً في الهوية السياسية ومشروع الحزب. كما رافق ذلك غياب استراتيجية موحدة متفق عليها لتحقيق الأهداف الوطنية والديمقراطية، مما خلق حالة من التشتت والصراعات الداخلية.
هذه العوامل التنظيمية والأيديولوجية، إلى جانب الضغوط الخارجية وحملات القمع التي مارسها القصر ضد الحزب، شكلت بيئة صعبة أعاقت التحام وتوحد المواقف داخل الحزب. وشبه السياسي المغربي عبد الهادي بوطالب -الذي انشق عن الاتحاد في فترة مبكرة عقب تأسيسه في شهادته على قناة الجزيرة- الاتحاد بورق اللعب الذي لم تخلط أوراقه بنجاح. وحول العلاقة بين أعضاء الكتابة العامة، يذكر الأستاذ محمد عابد الجابري في كتابه "في غمار السياسة" (الجزء الثاني) بأن المنافسة كانت قائمة على أشدها بين المحجوب بن الصديق والمهدي بن بركة، وكان عبد الله إبراهيم والفقيه البصري متقاربين من المحجوب، عكس عبد الرحيم بوعبيد الذي كان يحاول أن يقف على مسافة واحدة بين الجميع وأن يحافظ على
علاقته الودية بالجميع.
صدامات الاتحاد مع القصر:
رغم رفض الاتحاد لدستور 1962 الذي اعتبر "رجعيًا" و"ممنوحًا من القصر"، قرر المشاركة في انتخابات 1963، في حين كان الجناح الجذري بقيادة البصري يخطط لعملية مسلحة للانقلاب على القصر. لكن المخطط انكشف بفعل معلومات سلمها البعثي السوري "عاطف دانيال" إلى عبد الكريم الخطيب مقابل مبلغ مالي في باريس، مما أدى إلى حملة قمع شديدة في 16 يوليوز 1963 أضعفت الاتحاد.
ونقابياً، أضعف موقف الاتحاد المغربي للشغل الحزب؛ فقد كان المحجوب متذبذباً في دعمه للاتحاد الوطني، ويذكر الجابري في مذكراته أن المحجوب رفض دعم الحزب في الانتخابات بعد عرض مالي قدمه له أحمد رضا اكديرة، كما رفض تنسيب العمال النقابيين في الحزب، وقام بقمع أصوات اتحادية مثل عمر بن جلون، مما عزل الحزب سياسياً وتنظيمياً. و سيعمق اختطاف الزعيم الاتحادي المهدي بن بركة من الأزمة إذ تعرض الاخير يوم 29 أكتوبر 1965 للاختطاف في باريس وسيصفى في عملية استخباراتية تضافرت فيها جهود محمد أوفقير وأحمد الدليمي بالتعاون مع بعض الأمنيين الفرنسيين وبتعاون إسرائيلي؛ كما تكشف لاحقاً حسب شهادات رئيس الموساد السابق مائير عميت في جريدة يديعوت أحرونوت.
انشقاق اليسار الجديد عن الاتحاد:
في عام 1970، شهد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية انشقاقاً مهماً تمثل في خروج مجموعة "23 مارس" التي تكونت من مجموعة من الطلاب الذين عارضوا النزعة الإصلاحية للقيادة وغياب الأيديولوجيا الواضحة، وطريقة تعامل قيادة الاتحاد مع القصر عقب مظاهرات 23 مارس 1965 وموافقتهم على التعاون مع القصر.
وقد تبنت المنظمة الوليدة الماركسية مؤسسةً لليسار الجديد، إضافة إلى منظمة "إلى الأمام" التي ستنشق عن التحرر والاشتراكية. وقد تزامن تشكيل المنظمتين مع صعود اليسار الجديد على الصعيد العالمي والإقليمي، والذي ساهمت فيه مجموعة من العوامل تمثلت في: الثورة الثقافية في الصين 1966، وثورة 1968 الطلابية في فرنسا، وتجذر خطاب الحركات الطلابية، واشتداد حرب فيتنام، واستشهاد تشي غيفارا وتحوله إلى أسطورة أممية. وعربياً، ساهمت نكسة يونيو 1967 وانتشار ظاهرة الفدائيين وتحول حركة القوميين العرب تدريجياً إلى تبني الماركسية في موقف "23 مارس" من قيادة الحزب التي اعتبروها عاجزة عن قيادة النضال
الثوري.
أزمة النقابة والحزب:
بعد هذه التطورات، تصاعدت التوترات التنظيمية داخل الاتحاد بين جناحي الرباط بقيادة عبد الرحيم بوعبيد وعمر بن جلون، وجناح الدار البيضاء بقيادة عبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق. حاول عبد الرحيم بوعبيد في 1967 أن يعيد توحيد الصفوف عبر تشكيل كتابة عامة ثلاثية، لكنه اصطدم بمواقف المحجوب بن الصديق وعبد الله إبراهيم اللذين عطلا الوحدة التنظيمية. أدى هذا إلى تفاقم الخلافات حتى وقوع الانشقاق في يوليوز 1972.
محاولة جيفارية:
في 3 مارس 1973، ستشهد منطقة الجنوب الشرقي والأطلس المتوسط هجمات قادها مسلحون اتحاديون انطلقوا من الجزائر في محاولة للقيام بثورة على النمط الجيفاري؛ قاد هذه المجموعات "محمود بنونة" الذي سيقتل في مواجهة له مع قوات الدرك، وكان الفشل مآل هذه الحركة وأدت إلى حملة قمع شرسة ستسلط على الاتحاد الوطني وسيصدر قانون بمنع نشاطه السياسي.
كان لفشل المحاولة المسلحة تأثير كبير على الاتحاد؛ إذ سيتحول في خطابه من الخطاب الثوري إلى الخطاب الإصلاحي، وسيلتقي الحسن الثاني مع عبد الرحيم بوعبيد وسيمنحه الموافقة على إعادة نشاط الاتحاد شريطة قطع العلاقة مع الجناح الثوري الراديكالي في 1974.
#عمر_الشاطر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟