أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إبراهيم اليوسف - إنهم يثأرون من الحجارة و الموتى أيضاً! تحطيم شواهد مقابر الشهداء الكرد في الشدادي














المزيد.....

إنهم يثأرون من الحجارة و الموتى أيضاً! تحطيم شواهد مقابر الشهداء الكرد في الشدادي


إبراهيم اليوسف

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 09:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إنهم يثأرون من الحجارة و الموتى أيضاً!
تحطيم شواهد مقابر الشهداء الكرد في الشدادي

إبراهيم اليوسف

ظهر في تسجيلٍ مصوّر أحد مقاتلي الميليشيات داخل مقبرة الشهداء في بلدة الشدادي وهو يسير بين القبور بخطواتٍ متصنعة، ثم ينحني على الشواهد ويكسرها بيده، ثم يرميها أرضاً، مباشرةً، بينما يفترض أن يرافقه شخصٌ آخر- في أقل تقدير، ليصوره، إن لم تكن كتيبة كاملة. ومن الواضح أن البلدة، في لحظة الثأر، خالية من الكرد، فلا إطلاق نار، ولا مجرد عدو مفترض أمامه. إنها قبور صامتة وميليشاوي، حاقد، لئيم، يعتدي عليها، ما يجعل التسجيل المصور لا يحتمل تفسيراً آخر ألا وهو محض: ثأر من موتى، باعتبار أن هذه الجريمة الأخلاقية لا صلة لها بقتال أو ضرورة عسكرية، إنما هي اعتداء آثم متعمّد على حرمة المقبرة وعلى ذاكرة عائلات دفنت أبناءها هناك.
كلنا يعلم أن للموتى حرمتهم، وصون القبور قاعدة إنسانية مستقرة، لأن لكل منا مقابر ذويه، وأن سلوك كسر الشاهد لا يمس حجراً فحسب، بل يتجه إلى طعن الوازع الإنساني، القيمي، إذ يأتي مثل هذا التخريب ضمن سياق التمثيل بالجثث ومحاولة محو أثر من دافعوا عن المدينة في وجه أعتى قوة إرهابية، ليس في- الشرق الأوسط- وحده، وإنما في العالم كله، على حد سواء!
ولعل التوصيف الدقيق-هنا- أن يقال عن مثل هذا الإرهابي إنه لا يتصرف بصفة مقاتل، بل بصفة وحش، لئيم، جبان. فالشجاعة لها فضاؤها الامتحاني أمام عدو حيّ، أما الاعتداء على محض قبر فليس سوى فعل يصدر عن روح منهزمة ومنظومة فعل إرهابي. لأن اليد التي لم تستطع الاقتراب من أصحاب هذه القبور وهم أحياء قد باتت تتقدم- اليوم- إلى حجارة صامتة، كما إن الانتقام من الميت أسهل من مواجهة الحي. إنه فعل خسيس ورخيص وحشي، بغيض، لاسيما إزاء طرح متن السؤال وهو:
لو كان هؤلاء الشهداء الذين دافعوا عن أمه وشقيقته لئلا تكونا سبيتين، أحياء، فهل كان يستطيع الوصول إلى هذه المقبرة أصلاً؟ وحده نسق الوقائع يجيب، في هذا المقام.، كيف لا وقد ظل المقاتلون الكرد اثنتي عشرة سنة في هذه المنطقة، وهم يواجهون إرهاب تنظيمات راديكالية متطرفة، متشبثين بالأرض، وهم يحمون الشدادي وريفها، كما المناطق الكردية، وبعض المحافظات السورية- ولا أتحدث هنا عن أخطاء من ورائهم فأنا أحد قلة تصدوا لها منذ اليوم الأول ومدونتي شاهدة بعكس كثيرين من باتوا يتعملقون تدريجياً بعد اختلاف الظروف- ولم يظهر هذا- الدعي- ولا أمثاله في أية مواجهة مباشرة. لم يجده أحد وهو يرفع رأسه. لم ينتخ ثأراً لأرض بلده وأمه وشقيقته وزوجته وجارته، لم يُعرف له حضور في جبهة الكرامة، على امتداد سنوات ولم أقل: جبهات السطو!
وما إن غادر المقاتلون البلدة وفق اتفاقات، حتى ظهر هذا الشخص القميء، فجأة!، فقد امتلك الجرأة- المزيفة- في لحظة مغادرة حماة الأرض والعرض، عندما خلت المقبرة من أهل هؤلاء الأبطال الميامين، ليبدأ الاستعراض الكاذب بعد انسحاب القوة الجبارة التي كانت تردعه وترتعد فرائصه وقادته أمام مجرد ذكر اسمها، وكنا نحن من ننقد وجودها خارج مناطق وغير ذلك، بشكل يومي. من هنا يتحدد التوصيف بدقة: ليس بطلاً من تأخر، إنما نحن أمام شيح جبان طالما انتظر الفريسة في غياب الفرسان الحقيقيين.
ولا أدري لم خيل إلي أن أتصور منظر هذا الإرهابي لو أن أحد هؤلاء الشهداء رأسه- بغتة- من قبره فقط!
لو خرج أحدهم كما كان في حياته، لما بقي هذا الرجل في مكانه- مجرد- ثانية واحدة. فقد كان سيتراجع أو يفرّ. هذا المصير ليس تقولاً على هذا الصنف الجبان بل استنتاجاً بسيطاً من جراء مقدمات سلوكه السابق. من لم يواجههم ولم ينتصر عليهم اثنتي عشرة سنة، وهم في هذا المكان- لن يواجههم الآن، وهم موتى، ورفاقهم يلتزمون بقرار الهدنة المخادعة. المقارنة وحدها تكشف الحقيقة كاملةً.
وهنا، فإن علينا ألا ننسى السؤال الأكثر أهمية وهو: ترى كيف وصل هذا اللئيم- كما من دفعوه إلى أداء المهمة- أصلاً إلى الشدادي؟ لأن وجود هذه الميليشيات لم يأت نتيجة تفوق ذاتي، إنما عبر صفقة إقليمية دولية واضحة، بمخطط أردوغاني خبيث وتمويل خليجي، وتسهيلات أميركية في عهد التاجر المحتال وعديم القيم: ترامب. هذه الشبكة عديمة الأخلاق والقيم وفرت الغطاء والحماية، كي يمنع في المقابل، استخدام السلاح الأمريكي الذي امتلكته القوى الكردية سابقاً، فاختل ميزان القوة بصورة فجة.، تحت سماء مراقبة بالطائرات التركية وشريكتها الطائرات الأمريكية التي حقق الكردي رسالة النصر على داعش، عبر تحالف سابق، أنكرتها الذاكرة الأمريكية/ الغربية، وهو شأنها وأخلاقها التي لا أثق بها. هذا المشهد كله. مشهد التآمر على الكردي، وتسويق صورة اللص الجبان على أنه بطل يذكّر ببيت الشاعر:
"ألقوه في اليم مكتوفاً وقالوا له إياك إياك أن تبتل بالماء"
بلى
ثمة طرف يُقيَّد اليدين، وطرف آخر يُطلَق ويداه ورجلاه، ليبدو بطلاً وهو الجبان...؟؟!!
من هنا نفهم هذا الهيجان، تماماً. ثقة مصطنعة مصدرها حماية خارجية، لا قدرة ذاتية. إذ يشعر الفاعل أن المحاسبة مؤجلة كي يتجاسر ويمد يده إلى شواهد الأموات.
ثقافة الثأر من الموتى ليست جديدة. حيث ثمة تاريخ قريب سجّل نبش القبور وتدنيس الأضرحة بعد تغير السلطات. داعش فجّرت مراقد ومقامات من الموصل إلى الرقة وتل معروف بدافع تكفيري يريد محو الذاكرة. هذه الذهنية نفسها تتكرر اليوم بأسماء أخرى.
مقبرة الشهداء في الشدادي تقدم الدليل الأخير. حيث أسماء من قاتلوا دفاعاً عن الناس تُمحى على شواهدها الرخامية بيد دعي يكسر الشواهد، وآخر يصور استمراراً وتناوباً ديمومياً لروح داعش التي اعتمدت آلة الحرق والرعب لتسجيل الانتصار المزيف، قبل أن تنهزم أمام إرادة الكردي الذي خانه حليفه الكذاب. إن من لم يجرؤ على مواجهتهم في حياتهم يحاول الانتقام منهم بعد موتهم. هكذا يمتد ويتواصل العنف من الجسد إلى القبر. وهكذا يتضح الأمر ببساطة كاملة: هؤلاء لا يثأرون من أعداء، بل من موتى أيضاً.



#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضفيرة ابنة الجبال الشماء حفيدة ليلى قاسم
- آلية التعتيم الإعلامي الغربي: التغطية على مجازر الكرد عبر تض ...
- نظرية الحرب الاستباقية دفاعاً عن الذات: تركيا والحرب على أرض ...
- خبر مفرح وسط نفير الحرب اللعينة!
- مرسوم رئاسي مؤقت لتسويغ مجازر قادمة مفترضة: التذاكي في لعبة ...
- لماذا ا لاستباق في تنفيذ العدوان على حيي الأشرفية والشيخ مقص ...
- ما الذي تغير بين مرحلتين سوريتين أليمتين: من بشار الأسد إلى ...
- الكرد في مواجهة الإبادة الصامتة: ممنوع التصوير
- متوالية نقل الخبر وهندسة الكذب في الحروب التي تُدار من غرف ا ...
- حكومتان ضد ثلاثة أحياء كردية في حلب*
- سنة جديدة...
- الكرد وميثاق الصف الواحد وضرورة منع الانزلاق إلى فخاخ سلطة د ...
- التحريض ضد الكرد ومسؤولية السلطة الجديدة في دمشق*
- فرض الطاعة وافتقاد الشرطين القانوني والشرعي*
- فرض الطاعة وافتقاد الشرطين القانوني والشرعي
- من يكسر فرحة السوريين بسقوط النظام
- لعبة التماثيل- من مجموعة ساعة دمشق الشعرية- نصوص كتبت في سقو ...
- عائشة شان أسطورة الفن في مواجهة تحديات عدة
- المطهّر الملوّث: غُسل السلطة بالدم
- مزكين حسكو: هل حقاً إنه أربعونك!؟


المزيد.....




- -تجسّد الثقة الدولية بالدولة-..عبدالله بن زايد يرحب باستضافة ...
- حاول الأميركيون غزوها من قبل: لماذا يريد ترامب -ضمّ كندا إلى ...
- نستله ودانون ولاكتاليس تسحب كميات من حليب الأطفال من الأسواق ...
- بعد عام من التعديلات.. واشنطن تتهيأ لتسلّم الطائرة القطرية ا ...
- نتائج جديدة في علاج أورام الدماغ.. دواء فموي يظهر فاعلية لدى ...
- بعد نقلهم من سوريا.. بغداد تطالب دولا أوروبية باستعادة مواطن ...
- العاصفة إنغريد تتسبب بفيضانات في أجزاء من غرب فرنسا
- -سخيفة ومخجلة-.. ردود بريطانية غاضبة على تصريحات ترامب بشأن ...
- أخبار اليوم: غالبية الأوربيين يرون في ترامب عدوا وبأنه يتصرف ...
- المرأة.. ضحية الذكورية السامة في عهد ترامب؟


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إبراهيم اليوسف - إنهم يثأرون من الحجارة و الموتى أيضاً! تحطيم شواهد مقابر الشهداء الكرد في الشدادي