أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟















المزيد.....

أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 21:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المتابع للشأن السياسي العالمي يلحظ أن أوروبا باتت اليوم تتعامل، على مضض، مع واقع سياسي جديد يتمثل برئيس أمريكي في ولايته الثانية، أعاد تعريف التحالفات لا بوصفها التزامات استراتيجية ثابتة، بل كصفقات قابلة للمساومة والتهديد. فمنذ بدايات فترته الرئاسية الثانية، فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعريفات جمركية عقابية على الشركاء الأوروبيين، ولوّح صراحة بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي ما لم “تُصحَّح” — وفق منطقه — اختلالات ميزان الحماية. وذهب أبعد من ذلك حين ربط الأمن الجماعي بتنازلات جيوسياسية مباشرة، كان أكثرها إثارة للصدمة إعادة طرح ملف غرينلاند الدنماركية باعتبارها “مصلحة أمن قومي أمريكي”.

وفي الوقت الذي تستمر فيه الحرب في أوكرانيا باستنزاف أمن أوروبا ومواردها، تجد القارة العجوز نفسها أمام امتحان لم تختره، لكنه لم يعد قابلًا للتأجيل. امتحان يتجاوز السياسة اليومية وحسابات الحكومات ليطال سؤال الوجود ذاته: هل تستطيع أوروبا أن تكون فاعلًا مستقلًا في عالم يعود بسرعة إلى منطق القوة، أم أنها ستبقى ساحةً لتصفية الحسابات بين قوى لا ترى فيها سوى ورقة تفاوض؟

لم يعد المشهد الجيوسياسي الراهن عابرًا أو مؤقتًا. ما تواجهه أوروبا اليوم هو لحظة مفصلية تشبه تلك التي سبقت التحولات الكبرى في تاريخها الحديث. فإما أن تعيد اختراع نفسها كقوة سيادية متماسكة، أو تنزلق تدريجيًا إلى موقع التابع، المحاصر بين مطرقة أمريكية تتسم بالابتزاز والانعزالية، وسندان روسي لا يعرف سوى منطق التوسع وفرض الأمر الواقع.

في هذا السياق، لم يعد التحدي الأوروبي مرتبطًا بسوء تفاهم عابر مع واشنطن، بل بتحوّل بنيوي في طبيعة العلاقة الأطلسية ذاتها. فالإدارة الأمريكية الجديدة لا تنظر إلى أوروبا كشريك متكافئ، بل كعبء اقتصادي ومجال نفوذ ينبغي إخضاعه لمنطق القوة والمقايضة.

ترامب: الحليف الذي يتحدث بلغة الإكراه

في ولايته الثانية، لم يُخفِ ترامب شيئًا. خطابه أكثر فجاجة، وسياساته أكثر صراحة. التهديد بالانسحاب من حلف الناتو لم يعد ورقة ضغط تكتيكية، بل تحوّل إلى أداة تفاوض علنية. أما الحديث عن “إعادة رسم” حدود النفوذ في أمريكا الشمالية، بما في ذلك التلويح بضم كندا “إذا اقتضت الضرورة”، فقد كسر أحد أكثر المحرّمات رسوخًا في النظام الغربي: قدسية الحدود بين الحلفاء.

وفي الوقت ذاته، تُدار ملفات الطاقة وأمريكا اللاتينية بمنطق الغلبة لا الشراكة. فالرواية الأمريكية الرسمية حول فنزويلا، وما رافقها من اتهامات غير مسبوقة بحق قيادتها، تعكس ذهنية تعتبر السيادة مسألة نسبية حين تتعارض مع المصالح. الرسالة التي تلتقطها أوروبا من هذا السلوك واضحة وصادمة: لا أحد محصّن، لا بالحلف، ولا بالتاريخ، ولا بالقيم المشتركة.

هذه ليست سياسة خارجية بالمعنى التقليدي، بل إعادة تعريف للقانون الدولي من زاوية المنتصر.

بوتين: العدو الذي لا يُدارَأ

في الضفة المقابلة، لا تملك أوروبا رفاهية سوء التقدير. فلاديمير بوتين ليس خصمًا يمكن احتواؤه بالمجاملات الدبلوماسية. غزو أوكرانيا لم يكن انزلاقًا تكتيكيًا، بل إعلانًا صريحًا عن مشروع إمبراطوري يسعى إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في أوروبا الشرقية، ونسف فكرة النظام الأوروبي القائم على السيادة والاستقلال.

بوتين لا يفاوض من موقع البحث عن تسوية عادلة، بل من منطق فرض الاستسلام. وكل تردّد أوروبي، أو انقسام داخلي، يتحوّل سريعًا إلى أداة بيده لإثبات أن الغرب منقسم، مرهق، وغير مستعد للدفاع عن قيمه.

والأخطر من الحرب التقليدية هو الحرب الهجينة: استخدام الطاقة كسلاح سياسي، تمويل الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة، التلاعب بالمعلومات، وبثّ سرديات تقوّض الثقة بالديمقراطية الأوروبية من الداخل. إنها حرب طويلة النفس، لا تقل فتكًا عن المدافع.

أوروبا… بين انكشاف الخارج وتصدّع الداخل

يتضاعف المأزق الأوروبي بفعل الانقسام الداخلي. دول الشرق ترى في روسيا تهديدًا وجوديًا مباشرًا، بينما لا يزال جزء من الغرب الأوروبي يتعامل مع الأزمة بوصفها عبئًا اقتصاديًا أكثر منها خطرًا استراتيجيًا. ألمانيا تتخبط بين حسابات الصناعة وقيود الذاكرة التاريخية، فرنسا تتحدث عن استقلال استراتيجي لا تجد له إجماعًا، وفي الخلفية تتقدّم قوى يمينية وشعبوية ترى في ترامب نموذجًا يُحتذى لا خطرًا يُقاوَم.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: كيف لقارة منقسمة أن تواجه عالمًا يتوحش بهذه السرعة؟

خيارات أوروبا: بين الوهم والتاريخ

في هذا المشهد المضطرب، تبرز أمام أوروبا مجموعة خيارات، يبدو بعضها مريحًا على المدى القصير، لكنه ينطوي على مخاطر استراتيجية جسيمة:

انتظار انقضاء ترامب: رهان على الزمن لا على الإرادة. فكل تأجيل في بناء الاستقلالية الاستراتيجية يعمّق التبعية، ويجعل أوروبا رهينة للتقلبات السياسية في واشنطن.

الانفتاح على الصين كورقة موازنة: خيار اقتصادي مغرٍ، لكنه محفوف بالمخاطر. فالصين ليست بديلًا محايدًا، بل قوة ذات أجندة خاصة، وقد تنقل أوروبا من تبعية إلى أخرى.

صفقة سريعة مع موسكو على حساب أوكرانيا: إغراء الاستقرار السريع يخفي انتحارًا استراتيجيًا وأخلاقيًا. التخلي عن كييف لن يُرضي بوتين، بل سيشجّعه، ويقوّض ما تبقى من مصداقية أوروبا كمدافع عن النظام الدولي.

الاستقلالية الاستراتيجية: الخيار الأصعب، لكنه الوحيد القادر على حماية كرامة القارة ومستقبلها. ويعني ذلك:

بناء قدرة دفاعية أوروبية حقيقية لا تعتمد كليًا على البنتاغون.

توحيد السياسة الخارجية، حتى لو تطلّب ذلك تجاوز حساسيات تاريخية داخلية.

الاستثمار في السيادة التكنولوجية والطاقة النظيفة.

دعم أوكرانيا ليس فقط كواجب أخلاقي، بل كاستثمار مباشر في أمن أوروبا نفسها.

لحظة بلا أعذار

لم تعد أوروبا تملك ترف الوقت ولا ترف الوهم. العالم يتغير بالقوة، ومن لا يحسم موقعه يُدفع إلى الهامش. الصمت الأوروبي اليوم لا يُقرأ حيادًا، بل ضعفًا. والتردد لا يُفسَّر حكمة، بل عجزًا عن تحمّل كلفة القرار.

في عالم تُدار فيه التحالفات بمنطق الصفقة، وتُختبر فيه السيادة بالتهديد، لم يعد السؤال: هل تستطيع أوروبا أن تكون مستقلة؟
بل: هل تستطيع تحمّل ثمن ألا تكون كذلك؟



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء ...
- حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
- منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين
- الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا ...
- وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
- المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
- كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
- الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟
- الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي
- الحرب كنموذج عمل: كيف تحولت الصراعات إلى آلة للربح المستدام
- في انتظار أن يصبح سببًا
- الحسد: رحلة الشعور الأزلي من الأسطورة إلى الخوارزمية
- أنت والحظ: حين تنحرف المعادلة عن قوانينها
- المأزق الثقافي العربي: بين العجز والنهوض
- الألم... ميلادٌ لا ينتهي
- العصر الأسود: أغنية الشاشات المغلقة
- العراق: هشاشة الدولة وأزمة الهوية الوطنية


المزيد.....




- أناقة غير متوقعة لـ-باندانا- ريناتي رينسف على السجادة الحمرا ...
- محادثات ثلاثية اليوم بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة ف ...
- -مجلس السلام- يهتزّ مبكرًا: سحب الدعوة لكندا.. وتصعيد كلامي ...
- من الرقة إلى عين العرب.. الجيش السوري يتسلّم سجن الأقطان ويب ...
- للعب بلا حدود… كيف تهدد ألعاب الفيديو صحة الشباب!
- صحف بريطانية: رحيل صلاح إلى السعودية -حتمي-!
- غرينلاند: الاتحاد الأوروبي يؤكد رفض -أي شكل من أشكال الإكراه ...
- ترامب والنظام العالمي الجديد
- 5 إعدادات للشاشة تسهم في تحسين عمر بطارية آيفون
- عاجل | زيلنسكي: ننتظر أن يحدد الرئيس الأمريكي المكان والزمان ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟