رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 16:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس القتل وحده ما يرعبنا،
بل اعتياده.
أن نستيقظ على اسم جديد، صورة جديدة، أمٍّ جديدة تُكسر، ثم نتابع يومنا وكأن الدم صار جزءًا من المشهد العام، لا يستدعي سوى لحظة ذهول عابرة قبل أن يُطوى.
في هذه البلاد، لم يعد الموت صادمًا، بل أصبح مألوفًا، وتلك هي الهزيمة الأعمق.
الإضراب العام لا يولد من فائض قوة، بل من فائض عجز.
هو فعل الإنسان حين تُسلب منه أدوات التأثير، فيلوذ بآخر ما يملكه: الوجدان الجماعي.
نُغلق المحال، نُطفئ الضجيج، نُجمّد الإيقاع اليومي للحياة، لعلّ الصمت يصبح أعلى من الرصاص، ولعلّ الفراغ يفضح امتلاء الواقع بالجريمة.
في الإضراب، لا نطالب فقط بالأمان، بل بالاعتراف.
الاعتراف بأن ما يحدث ليس قدرًا، ولا خللًا اجتماعيًا عابرًا، ولا صراعًا داخليًا بلا سياق.
إنه نتيجة مباشرة لإهمال ممنهج، لتفكيك متعمّد لفكرة العدالة، ولتحويل الإنسان إلى رقم قابل للشطب.
نُضرب لأننا نشعر أن الدولة، بكل مؤسساتها، اختارت موقع المتفرّج.
تراقب، تُحصي، تُصدر بيانات، ثم تنسحب تاركة الأحياء لمصيرهم.
الإضراب هنا ليس احتجاجًا على القاتل وحده، بل على من سمح له أن يشعر بالأمان، وعلى منظومة جعلت من الدم شأنًا هامشيًا.
لكن السؤال المؤلم يظل معلقًا:
هل يكفي الإضراب؟
الإضراب، مهما كان نقيّ النية، لا يوقف رصاصة في مسارها، ولا يمنع سكينًا من أن تُشهر.
هو لا يغيّر البنية التي تُنتج العنف، ولا يهدم النظام الذي يحميه بالصمت.
إنه صرخة، والصرخات وحدها لا تبني جدران حماية.
الخطر الحقيقي أن يتحول الإضراب إلى طقس.
موعد متكرر نُفرغ فيه غضبنا، ثم نعود إلى حياتنا وقد أقنعنا أنفسنا أننا “أدّينا واجبنا”.
عندها لا يعود الإضراب فعل مقاومة، بل مسكنًا أخلاقيًا مؤقتًا.
القتل لا يتغذى على السلاح فقط، بل على التطبيع.
على التعب، على القبول الضمني، على الإحساس بأن لا شيء يتغير مهما فعلنا.
وحين نفقد قدرتنا على الغضب المستمر، نكون قد خسرنا المعركة الأهم: معركة الوعي.
الإضراب، في جوهره، ليس هدفًا بل اختبار.
اختبار لصدقنا مع أنفسنا:
هل نحن مستعدون لتحويل هذا الصمت إلى مساءلة؟
هل نملك الشجاعة لمواجهة المنظومة لا الاكتفاء بإدانة نتائجها؟
هل نريد فعلًا وقف القتل، أم فقط الهروب من ثقل العجز؟
نُضرب لأننا لا نريد أن نُقتل مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالنسيان.
نُضرب لأن الحياة التي تستمر فوق الجثث ليست حياة، بل تأجيلًا للموت.
نُضرب لأننا نرفض أن نُربّي أبناءنا على الخوف، أو على فكرة أن العدالة ترف.
لكن بعد الإضراب، يجب أن يبدأ ما هو أصعب.
العمل الطويل، غير الاستعراضي، المؤلم.
تفكيك الخطاب، محاسبة المسؤول، وبناء ضغط حقيقي لا يسمح للدم أن يبرد في الذاكرة.
الإضراب لا يوقف القتل،
لكنه يقول شيئًا بالغ الأهمية:
نحن لم ننهزم بعد.
وما دام هذا الرفض حيًا،
فالأمل — وإن كان جريحًا — لم يُغتل بعد.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟