أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الشفق















المزيد.....


غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الشفق


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 17:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُشكِّل تحذيرات دويتشه بنك بشأن تداعيات النزاع الأوروبي-الأمريكي على غرينلاند نافذةً استثنائيةً لقراءة التحولات التكتونية في النظام الرأسمالي العالمي. هذه المادة المُعمَّقة تهدف إلى تشريح هذا الخبر من خلال العدسة النقدية الثاقبة للمفكر الاقتصادي الراحل سمير أمين، صاحب البناء النظري التقدمي الذي حلَّل تراكم رأس المال على مستوى عالمي، وهيمنة المركز (الولايات المتحدة، أوروبا الغربية، اليابان سابقاً) على الأطراف، وتناقضات الرأسمالية في عصر الاحتكارات المعممة. لن ينحصر التحليل في الجانب الاقتصادي البحت، بل سيمتد لاستقراء المخاض الجيوسياسي الذي يهدد بزعزعة التحالفات التاريخية، وإعادة رسم خريطة القوى بين بروكسل وواشنطن وموسكو وبكين، مع قراءة مُستقبلية لشكل العلاقات الدولية في العقد القادم.


من صفقة شراء إلى زلازل جيوسياسية

ليست غرينلاند مجرد جزيرة جليدية شاسعة تحوي موارد طبيعية هائلة وجاذبية جيواستراتيجية. فما قد يبدو كفكرة استعلائية استعمارية متأخرة -كاقتراح شرائها- يكشف عن شروخ عميقة في البنية التحتية للتحالف الغربي. تحذير دويتشه بنك، وهو أحد أعمدة المؤسسة المالية العالمية، ليس تحليلاً مالياً تقنياً فحسب؛ إنه صرخة في واد النظام المالي تُجسِّد الفرضية الأمينية المركزية: أن النظام الرأسمالي في مرحلته الإمبريالية لا يمكن فصل اقتصاده عن سياسته، وتوسُّعه عن تناقضاته الداخلية، وهيمنته عن إفقاره المتعمد للأطراف. إن تهديد واشنطن بفرض تعريفات على حلفاء، مقابل حصولها على إقليم، يعيد إلى الأذهان منطق "القوة والغنيمة" في القرنين التاسع عشر والعشرين، لكن في إطار عالمي أصبح فيه التكافل المالي هو السلاح والحصن في آن واحد.

إطار سمير أمين لفهم التحولات

قبل الخوض في تفاصيل الخبر، لا بد من استحضار الدعامات الأساسية في فكر سمير أمين التي ستُشكِّل منطلقنا التحليلي:

1. المركز والأطراف: العالم مقسوم إلى مركز رأسمالي مهيمن (الولايات المتحدة، أوروبا الغربية سابقاً، اليابان) وأطراف مُهمَّشة تابعة (العالم الجنوبي). التراكم في المركز يعتمد على استنزاف فائض القيمة من الأطراف عبر آليات التبادل غير المتكافئ والديون وسياسات المؤسسات المالية الدولية.
2. الرأسمالية الاحتكارية المعممة: تمركز رأس المال ووصوله إلى درجة من الاحتكار يجعل من المنافسة الحرة وهمًا. القرارات الاقتصادية مركزية وتخضع لحفنة من الاحتكارات المالية-الصناعية المتشابكة مع الدولة.
3. العواصم المتنافسة: داخل المركز نفسه، تنشأ تناقضات وصراعات بين "عواصم" رأسمالية متنافسة (أمريكا، أوروبا، اليابان). هذه المنافسة قد تكون حادة رغم التحالف السياسي الظاهري ضد العدو المشترك (سابقاً المعسكر الاشتراكي، وحالياً القوى الصاعدة مثل الصين).
4. تفكك التماسك الإمبريالي: مع تراكم الأزمات الدورية وتصاعد التناقضات، قد يبدأ التحالف الإمبريالي الموحد في التصدع، وتظهر انزياحات وتحالفات جديدة قد تصل إلى مستوى "صراع بين إمبرياليات".
5. دور أوروبا: رأى أمين أن أوروبا، رغم كونها جزءاً من المركز، تشغل موقعاً "شبه طرفي" أو تابعاً نسبياً للهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة في المجال العسكري والسياسي. مشروعها الاتحادي هو محاولة للارتقاء إلى مستوى "عاصمة" مستقلة.

التشريح الاقتصادي: نقطة الضعف القاتلة في قلب الإمبراطورية

تحذير جورج سارافيلوس من دويتشه بنك يمسُّ جوهر الإشكالية التي ناقشها أمين لسنوات: الاستدامة المزيفة للهيمنة الأمريكية.

1. اقتصاد الورق المقوى: الوصف الذي قدمه سارافيلوس للاقتصاد الأمريكي بأنه "يعتمد على الآخرين لدفع فواتيره" هو ترجمة مالية دقيقة لأطروحة فائض القيمة المسحوبة من الأطراف. لكن الجديد هنا أن "الآخرين" ليسوا دول الأطراف الفقيرة فقط، بل شريك المركز التاريخي: أوروبا. الحيازات الأوروبية البالغة 8 تريليون دولار من الأصول الأمريكية تمثل شريان حياة لتمويل العجز المزدوج (الميزان التجاري والميزانية الحكومية) الأمريكي. هذا هو التجسيد العملي لـ "التراكم بالنهب" لكنه الآن بين شريكين في المركز.
2. العجز البنيوي كسلاح ذو حدين: العجز الخارجي الأمريكي ليس ضعفاً عابراً، بل هو نظام عالمي قائم بذاته – نظام "الدولار كعملة احتياط عالمية" الذي يسمح للولايات المتحدة باستيراد السلع ورأس المال بلا حدود نظير طباعة دولارات مقبولة عالمياً. سمير أمين كان يرى في هذا النظام شكلاً من أشكال "الرهينة" التي يفرضها المركز. لكن التحذير الأوروبي يكشف أن هذه الآلة قد تنقلب: فقدرة الولايات المتحدة على "فرض" تمويل عجزها مرتبطة بقبول الآخرين لهذا الدور. عندما يبدأ القبول بالاهتزاز، تظهر الهشاشة.
3. تسلح أوروبا المالي: اقتراح دويتشه بنك بأن ترد أوروبا عبر "أدوات تؤثر على أسواق رأس المال بدلاً من التجارة" هو إعلان عن حرب من نوع جديد. إنه تحول من حرب التجارة (التعريفات) إلى "حرب التمويل" أو "عسكرة رأس المال". لو هددت أوروبا ببيع جزئي منفّذ وهادئ لسندات الخزانة الأمريكية، أو بتحويل احتياطياتها بعيداً عن الدولار، فإنها ستضرب النظام في صلبه: سترتفع عوائد السندات (وبالتالي تكلفة الاقتراض للحكومة والشركات الأمريكية)، وسيهتز الدولار، وقد يدخل الاقتصاد الأمريكي في دوامة تضخم وركود. هذا هو النفوذ الحقيقي الذي تمتلكه بروكسل، وهو نفوذ أكثر فتكاً من أي عقوبات تجارية.

التحليل الجيوسياسي: غرينلاند كعَرض مرضٍ لانفصام غربي

صراع غرينلاند ليس سببه مواردها النادرة أو موقعها فقط، بل هو رمز وذريعة لاختبار حدود القوة وإعادة تعريف العلاقة عبر الأطلسي.

1. من التبعية إلى الاستقلالية النسبية: لطالما كانت السياسة الخارجية والأمنية لأوروبا تحت المظلة الأمريكية عبر الناتو. تهديد ترامب السافر، الذي يحمل روائح استعمارية، يعمل كـ "صدمة وعي" لأوروبا. إنه يُجسِّد بشكل فجٍّ ما كان أمين وغيره من النقاد يصفونه بالتبعية. ردة الفعل الأوروبية الموحدة، حتى من اليمين المتطرف المشكك في الاتحاد، تشير إلى أن الحدث يلعب – كما يذكر التقرير – دوراً تحفيزياً للتكتل. إنها بداية مسار قد يؤدي إلى "فك الازدواجية" الأوروبي: تحرر تدريجي من الهيمنة الأمريكية مع الحفاظ على موقعها في المركز الرأسمالي، ربما عبر تحالف أو تنافس مع عواصم أخرى.
2. اختبار الولاءات القديمة: يدفعنا هذا إلى السؤال الجوهري: ما شكل العلاقة مع روسيا (وموسكو وبكين) بعد هذه المواجهة؟ هنا يتداخل التحليل الأميني مع الواقع الجيوسياسي:
· مع روسيا: يرى أمين أن روسيا، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، دخلت في مرحلة من "الرأسمالية الطفيلية الاحتكارية" المرتبطة جزئياً بالمركز، لكنها تحتفظ بمصالح جيوسياسية وإرث قوة عظمى يتعارض مع التوسع الغربي. أزمة غرينلاند قد تدفع أوروبا إلى إعادة تقييم علاقتها مع موسكو. ففي لعبة الموازنات الجديدة، قد تصبح روسيا ورقة ضغط أو حتى شريكاً تكتيكياً لأوروبا ضد الضغوط الأمريكية، خاصة في مجالات الطاقة والأمن الإقليمي. لن يكون هذا تحالفاً أيديولوجياً، بل تحالفاً براغماتياً بين "عواصم" تشعر بالحصار الأمريكي. قد نشهد ذوباناً تدريجياً للجزء الأوروبي من العقوبات المفروضة على روسيا، مقابل ضمانات أمنية وصفقات اقتصادية طويلة الأمد.
· مع الصين (بكين): الصين، في نظر أمين، هي الحالة الأكثر تعقيداً: قوة ذات جذور اشتراكية تحولت إلى "رأسمالية دولة" تنافس المركز على الهيمنة العالمية. بالنسبة لأوروبا، الصين هي منافس نظامي وشركاء اقتصادي أساسي في الوقت ذاته. أزمة الثقة مع واشنطن قد تدفع أوروبا إلى التقارب الاقتصادي والتكنولوجي مع الصين كموازن للقوة الأمريكية. قد نشهد تسريعاً للمفاوضات حول اتفاقيات استثمار، وتعاوناً في مشاريع البنى التحتية العالمية كبديل جزئي للنموذج الأمريكي. ومع ذلك، ستبقى أوروبا حذرة من الهيمنة الصينية، وسيحاول بعض أقطابها اللعب على تناقضات واشنطن-بكين لاستخلاص مكاسب من الطرفين.
· مع كندا: كندا، كجار وشريك تاريخي للولايات المتحدة في النافتا (USMCA حالياً)، ستجد نفسها في موقف صعب. اقتصادها مرتبط بشكل عضوي بالولايات المتحدة، لكن هويتها وقيمها الأكثر ليبرالية تقربها من أوروبا. قد تحاول أوتاوار لعب دور الوسيط، أو قد تضطر إلى الانحياز الكامل لواشنطن لضمان استقرار سوقها الرئيسي. لكن مشاهدتها للتوترات قد تدفعها أيضاً إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية نحو أوروبا وآسيا، وتقوية سيادتها في القطب الشمالي حيث تتصادم مصالحها مع المطامح الأمريكية في غرينلاند.

المستقبل: سيناريوهات محتملة على ضوء النظرية التقدمية

بناءً على هذا التحليل، يمكن استشراف عدة مسارات للمواجهة بين بروكسل وواشنطن وتأثيرها على النظام العالمي:

1. سيناريو التصعيد المالي (الأكثر اضطراباً): ترد أوروبا على المزيد من التهديدات الأمريكية بتنفيذ تهديدها الضمني: بدء بيع متدرج ومنسق لسندات الخزانة، أو إنشاء آليات دفاعية مالية مشتركة لتقليل الاعتماد على الدولار. هذا سيؤدي إلى هزات عنيفة في الأسواق العالمية، وارتفاع حاد في التضخم وأسعار الفائدة في الولايات المتحدة، وربما أزمة ديون في الاقتصادات الناشجة. سيسرع هذا من تفكك التماسك الإمبريالي الغربي وقد يدفع واشنطن إلى سلوك عدواني خارجي لصرف الانتباه (نظرية الصراع الخارجي لإخماد التناقضات الداخلية التي أشار إليها أمين). سيكون هذا السيناريو بمثابة حرب باردة مالية داخل المركز ذاته.
2. سيناريو التفاوض وإعادة التوازن (المرجح قصيراً ومتوسطاً): تدرك النخب في واشنطن وبروكسل المخاطر الكارثية للقطيعة الكاملة. يتم احتواء أزمة غرينلاند عبر تراجع أمريكي تكتيكي أو صفقة رمزية. لكن الجرح سيبقى نازفاً. ستسرع أوروبا من مشاريع السيادة الاستراتيجية: زيادة الإنفاق الدفاعي المستقل، تعميق الاتحاد المصرفي والمالي، تطوير آليات دفع بعيدة عن الدولار، وتقوية الصناعات الحساسة. ستكون العلاقة عبر الأطلسي أكثر "تنافسية إدارية"، مع حفاظ على التحالف الأمني الأساسي لكن مع حدود واضحة. ستتبع أوروبا سياسة خارجية أكثر استقلالية تجاه روسيا والصين، تقوم على "البراغماتية الانتقائية".
3. سيناريو التحالفات الجديدة (طويل الأمد): مع استمرار الترنح الأمريكي داخلياً وخارجياً، وتصاعد القوة الصينية، قد نرى تشكلاً تدريجياً لـ "قطب أوروبي مستقل". قد يتجه هذا القطب نحو شكل من "الحياد الاستراتيجي النشط" أو حتى تحالف ثلاثي الأضلاع مع روسيا والصين في قضايا محددة لتقويض الهيمنة الأحادية الأمريكية. هذا السيناريو يشبه ما تنبأ به أمين من احتمال صراع بين كتل إمبريالية، لكن مع طبيعة متعددة الأقطاب أكثر تعقيداً، حيث تلعب الصين دور "الطرف/المركز" الصاعد بقوة. ستكون غرينلاند في هذا السيناريو نقطة البداية التاريخية التي أدركت فيها أوروبا أنها يمكن – ويجب – أن تلعب لعبتها الخاصة في الملعب الجيوسياسي الكبير.

الخلاصة: في رحم الأزمة، تُولد عوالم جديدة

تحذير دويتشه بنك من غرينلاند ليس مجرد نبأ مالي عابر. إنه علامة فارقة في مسار النظام الرأسمالي العالمي. عبر عدسة سمير أمين، نرى أن الأزمة ليست بين دول فحسب، بل هي بين نمطين من التراكم والهيمنة. الوضع الذي تَصفه الوثيقة – حيث تمتلك أوروبا الورقة المالية الفاصلة (سندات الخزانة) بينما تمتلك أمريكا الورقة العسكرية (التعريفات والتهديد) – هو تجسيد لتناقض داخلي في بنية المركز ذاته.

العلاقة مع موسكو وبكين لن تعود إلى سابق عهدها أبداً، لأن أوروبا بدأت تفهم أن أمنها وازدهارها لا يمران بالضرورة عبر واشنطن فقط. البراغماتية الاقتصادية والاستقلال الجيوسياسي سيتقدمان على الإيديولوجيا التحالفية القديمة. المشهد العالمي المقبل لن يكون ثنائي القطب (أمريكا ضد الصين) كما يُتصوَّر غالباً، بل قد يكون متعدد الأقطاب بدرجة أعقد، مع أوروبا كقطب فاعل، وروسيا كقوة إقليمية كبرى، وكتلة من الدول الجنوبية (ربما تقودها الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا) تحاول الاستفادة من هذا التنافس.

غرينلاند، بثلوجها وصخورها، أصبحت مرآة عاكسة لأزمة النظام. إنها تذكير بأن التاريخ لا يسير في خط مستقيم من الهيمنة الأحادية إلى العالمية الليبرالية، بل هو حقل من الصراعات والتجاذبات، حيث تخرج القوى الجديدة من رحم أزمات القوى القديمة. وكما كان سمير أمين يؤمن، فإن مستقبل العالم لن يُحدَّد من قبل المركز وحده، بل أيضاً بقدرة الأطراف – والقوى المنشقّة داخل المركز – على تشكيل مسار بديل، حتى وإن كان ذلك المسار لا يزال غارقاً في ضباب التناقضات الرأسمالية نفسها. الشفق الذي يلوح في أفق غرينلاند قد يكون شفق نهاية عصر، أو فجر مواجهات أكثر عتمة، أو ربما وميضاً خافتاً لإعادة تشكيل عالمي أكثر عدلاً، لكن الطريق إلى هناك سيكون محفوفاً بهزات مالية وزلازل جيوسياسية تبدأ من جزيرة جليدية وتنتهي بإعادة كتابة قواعد اللعنة العالمية.

……….

المادة الساخرة :

أوبرا الفوضى: ترامب، نتنياهو، وصرخة قرصان في زمن التيه

عندما يصبح المسخ شرعيًا

في عالمٍ كان يُفترض به أن يكون قد تجاوز عصر القراصنة، إذا بنا نكتشف أن القرصنة لم تختفِ، بل ارتقت! لم تعد تحتاج إلى سواريع خشبية ولا عيونٍ وحيدة، بل إلى تويتر وبزنس سوت وسياساتٍ ماليةٍ أشبه بلعبة "المنشار الآلي" في البورصة. وهنا تطل علينا شخصيتان لا يمكن وصفهما إلا بأنهما "فنانان بارعان في فن إدارة الفوضى المنظمة".

دونالد ترامب - قرصان وول ستريت الذي اكتشف الجغرافيا (بالخطأ)

المشهد الأول: الصفقة التي هزت... لا شيء

في مكتبٍ ذهبيٍّ يفوق في بهرجه ديكورات كازينوهات لاس فيغاس، جلس القبطان دونالد، يحدق في خريطة العالم كما لو كانت قائمة عقارات معروضة للبيع بسعر مخفض. توقفت إصبعه عند جزيرة خضراء-زرقاء.

"غرينلاند... اسم غبي. لماذا لا نسميها ترامب لاند ؟ أو محمية ترامب الجليدية الفاخرة ؟ يمكننا أن نبني فيها ملعب غولف مع ثقوب تسخين حراري! سيحبها الناس!"

دخل مستشار مرعوب: "سيدي الرئيس، هذه دولة لها شعب وحكومة..."
"حكومة؟ أحلى! يعني فيها مفاوضات! أنا أحب المفاوضات. أرقام. لنعرض عليهم... مئة دولار؟ لا، كثير. خمسون؟ مع خصم إذا دفعوا نقداً."

المشهد الثاني: فن الابتزاز الدبلوماسي (أو كيف تتصرف وكأنك في برنامج تلفزيون واقعي)

قرر ترامب أن دبلوماسية القراصنة الجدد لا تعترف بالبروتوكول. لماذا ترسل مبعوثين عندما يمكنك تغريدة؟

@realDonaldTrump:
"الدنماركيون أناس لطيفون. لكن غرينلاند خاصة. موقعة سيئة. موقعها سيء جداً. لو كنت مكانهم، لبعتها بأي ثمن. وإلا... سأفرض رسوماً على... على... على البسكويت الدنماركي! نعم! ذلك الشيء الملفوف الذي يسبب السمنة!"

أوروبا كلها بدأت تتساءل: هل هذا تهديد جيوسياسي أم حلقة من "ذا أبرينتايس" ضاعت طريقها إلى البيت الأبيض؟

المشهد الثالث: مفاجأة اقتصادية - أمريكا ليست الأغنى!

"سيدي الرئيس، دويتشه بنك يقول إن أوروبا تملك سندات ديننا."
"كيف؟! أنا أغنى رئيس! أمريكا أغنى دولة!"
"لا، سيدي... هم يملكون... تريليونات..."
"تريليونات؟ حسنًا، هذا جيد! يعني هم يستثمرون فينا! هذا ذكاء منهم. أنا سعيد جدًا. أشكرهم. نعم، أرسل لهم شكراً... وبطاقة خصم في فنادق ترامب."

بنيامين نتنياهو - ساحر أزمات وزعيم بطلاقة لغوية

المشهد الأول: الانتخابات فن، والحرب مهرجان

في مكتب يبدو وكأنه مجموعة من الشهادات الأكاديمية في فن الإقناع، يجلس نتنياهو، يحاول كتابة خطاب انتخابي.

"لنرى... الاقتصاد... ممل. الصحة... نعاس. آه! الأمن! دائمًا يعمل. أيها الإسرائيليون الأعزاء، بينما أتحدث إليكم، هناك تهديد... كبير... ضخم... في مكان ما... في المنطقة! لكن لا تقلقوا! أنا هنا! أنا من واجه... الشيء... في المكان... في الوقت... بنجاح باهر!"

المشهد الثاني: حروب تويتر - أينشتاين السياسة المعاصرة

يكتشف نتنياهو أن ترامب يستخدم تويتر، فيقرر أن يتعلم.

@netanyahu:
"إلى شعب إسرائيل العظيم! اليوم قمت بعملية جريئة ضد... شيء ما! التفاصيل سرية! لكنها كانت الأفضل! الأكبر! أنا الوحيد الذي يستطيع فعل ذلك! الصور قادمة! (ربما)."

ويفكر في نفسه: "لماذا أتعب نفسي في خطابات طويلة؟ تغريدة واحدة وتصدر العنوان. هذا هو المستقبل!"

المشهد الثالث: تحالف القراصنة - لقاء العقول المتطابقة

يتصل ترامب بنتنياهو.

"بنيامين، صديقي العزيز! سمعت أنك تحب بناء مستوطنات. أنا أحب البناء أيضًا! أنا أبني جدارًا عظيمًا. جميل. أنت تبني... ماذا تبني؟"

"أبني مستقبلًا، دونالد. وأحارب الإرهاب."
"أوه! أنا أيضًا أحارب أشياء! الإرهاب... الإعلام... الحقيقة أحيانًا! نحن متشابهان!"

"بالضبط! وهل تعلم أن غرينلاند قد تكون موقعًا استراتيجيًا ضد... أعدائنا المشتركين؟"
"رائع! إذن أشتريها وأؤجر لك جزءًا! صفقة! سأضع عليها اسمي وأنت تضع اسمك على جزء صغير في الأسفل!"



الولايات المتحدة - إمبراطورية تعيش على بطاقات الائتمان

المشهد الأول: وزارة الخزانة - حفلة ديون لا تنتهي

في قبو مظلم في واشنطن، يجتمع كبار المسؤولين.

"سيدي، العجز يرتفع!"
"لا مشكلة! اطبعوا المزيد من الأموال!"
"ولكن التضخم..."
"سموه نموًا اقتصاديًا ! الناس يحبون الكلمات الجميلة."
"ولكن الدولار قد يضعف..."
"سنجبر العالم على استخدامه! هذه هي الديمقراطية!"

المشهد الثاني: السياسة الخارجية - دليل المبتدئين للقرصنة الحديثة

الخطوة 1: ابحث عن دولة لديها شيء تريده (نفط، غاز، موقع استراتيجي، حتى بسكويت).
الخطوة 2: اخترع تهديدًا (إرهاب، ديمقراطية ناقصة، أسلحة دمار شامل مفقودة).
الخطوة 3: أرسل تغريدة غاضبة.
الخطوة 4: انتظر الرد.
الخطوة 5: إذا لم يردوا، غير التهديد وكرر.

المشهد الثالث: أوروبا تكتشف أنها البنك الذي يمول اللص

تتلقى بروكسل مكالمة من فرانكفورت.

"سيدتي المفوضة، الأمريكان يهددوننا، ونحن نملك ديونهم."
"ماذا تقصد؟"
"نحن الدائنين! هم المدينين! عادةً الدائن هو الذي يهدد!"
"أوه! هذه فكرة جديدة! هل يمكننا أن نهدد بشن حرب مالية؟"
"يمكننا أن نرفع الفائدة على ديونهم!"
"رائع! أرسلوا لهم بطاقة معايدة مكتوب عليها: تهنئة بجلسة تصوير التهديد الأخيرة. تذكير: نحن نملككم. "


غرينلاند - النجومية غير المرغوب فيها

المشهد الأول: الدنمارك تستيقظ على كابوس غريب

في كوبنهاغن، تجتمع الحكومة.

"ماذا قال الآن؟"
"يريد شراء جرينلاند."
"ولماذا؟"
"يقول إن موقعها استراتيجي."
"استراتيجي لأي شيء؟"
"لم يحدد. ربما لمراقبة الدببة القطبية؟"
"وهل عرض سعرًا؟"
"نعم... عبر تغريدة... بعشرين دولارًا... مع خصم الجمعة السوداء."

المشهد الثاني: سكان غرينلاند يردون (بطريقتهم الباردة)

ينشر سكان غرينلاند بيانًا:
"نشكر الرئيس ترامب على اهتمامه. نقترح أن يشتري أولاً ثلوجًا من ولاية أيوا، لتجربة. نحن لا نبيتر أرضًا، لكننا نبيع تذكارات: أحجار جليدية مميزة، هواء قطبي معلب، وصفة لصنع عشاء تحت درجة 40 تحت الصفر. الشحن مجاني."

المشهد الثالث: أوروبا تكتشف قوتها المالية (بالصدفة)

تجتمع الحكومات الأوروبية.

"لقد هددنا بشراء جزء منا! هذا غير مقبول!"
"ماذا سنفعل؟"
"لدينا فكرة! نملك 8 تريليون دولار من ديونهم. ماذا لو... تظاهرنا ببيع بعضها؟"
"يا إلهي! هذا عبقري!"
"سندعوها عملية فروستي ريسبونس (الرد الجليدي)."


تحالف الأضداد - كوميديا الأخطاء الجيوسياسية

المشهد الأول: موسكو تشاهد وتضحك (بهدوء)

في الكرملين، يجلس فلاديمير بوتين يشرب شايا وينظر إلى الشاشة.

"هل يشترون غرينلاند؟"
"نعم، سيدي الرئيس."
"وهل يهددون أوروبا؟"
"نعم، وهم مدينون لأوروبا."
"هل يمكن أن يدفعوا لنا بديونهم؟"
"لا... نحن تحت عقوبات."
"آه، نعم. نسيت. حسناً، دعنا نشاهد. أحضر الفشار."

المشهد الثاني: بكين تحسب أرباحها (بدقة)

في بكين، يجتمع الخبراء الاقتصاديون.

"الأمريكان يصنعون أزمة مع أوروبا."
"جيد لنا."
"نعم، يمكننا أن نقدم لأوروبا استثمارات بديلة."
"هل سنشتري غرينلاند؟"
"لا، غرينلاند باردة جداً. ولكن يمكننا أن نقدم للدنمارك خط سكة حديد إلى القطب الشمالي. مشروع تجاري بحت، طبعاً."

المشهد الثالث: الكوميديا تكتمل - الجميع يلعب دور البطولة

· ترامب: يلعب دور القرصان الذي يريد كنزاً، لكنه يبحث في الخريطة الخطأ.
· نتنياهو: يلعب دور الساحر الذي يحول كل أزمة إلى فرصة انتخابية.
· أوروبا: تلعب دور البنك الذي اكتشف فجأة أن بإمكانه قطع بطاقة ائتمان المدين المزعج.
· غرينلاند: تلعب دور النجم السينمائي الذي لم يطلب الشهرة، لكنه أصبح بطلاً رغم أنفه.


القرصنة في عصر التغريد

لقد تحولت القرصنة من مهنة محفوفة بالمخاطر في أعالي البحار، إلى فن راقٍ يمارس من خلف الشاشات. لم تعد تحتاج إلى سيف، بل إلى حساب تويتر مؤثر. لم تعد تحتاج إلى سفينة، بل إلى بورصة. ولم تعد تحتاج إلى خريطة كنز، بل إلى خريطة ديون عالمية.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: إذا كانت أمريكا تمارس القرصنة المالية، وأوروبا تمولها بدون قصد، والجميع يتصارع على جزيرة جليدية، فمن هو القرصان الحقيقي؟

ربما الجواب الأكثر دقة هو: النظام الذي حوَّل السياسة إلى عروض تلفزيونية واقعية، والدبلوماسية إلى تغريدات، والاقتصاد إلى مقامرة مالية. في هذه الأوبرا الهزلية، الجميع يغني، ولكن اللحن هو لحن الفوضى المنظمة.

إذا سمعتم يوماً أن قرصاناً يريد شراء جزيرة بتغريدة، تذكروا: قد تكون هذه مجرد حلقة من مسلسل "قراصنة وول ستريت"، وقد يكون البطل التالي... محافظ البنك المركزي الأوروبي، مرتديًا عصابة على عينه وحاملاً حاسوبًا محمولاً بدلاً من السيف.

نهاية المسرحية الهزلية (ولكن الواقع أكثر هزلًا).

………
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
- قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
- سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
- طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر ...
- من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي ...
- -المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن ...
- هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية
- -من نهاية التاريخ - إلى -نزيف تحت الجلد-..دراسة مقارنة مع كت ...
- شمشون العصر: بين أسطورة السقوط وإستراتيجية الانهيار
- النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )
- صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصي ...
- أجنحة التنين وأنياب الأسد: في دهاليز حرب تستعد، وتوازن رعب ي ...
- سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث ...
- انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع ...
- الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا ...
- الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي ...
- التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا ...
- أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ ...
- إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف ...
- شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا ...


المزيد.....




- ترامب يوجّه انتقادًا لاذعًا لأوروبا: لم يعد يمكن التعرّف على ...
- -قطعة ثلج في المحيط-.. ترامب يُسمّي غرينلاند -آيسلندا- في خط ...
- مارك كارني: كندا تعارض بشدة فرض رسوم جمركية على غرينلاند
- السيارة الذكية.. ترفيه مدعوم بالذكاء الاصطناعي مع أولوية الس ...
- وفاة -جزار حماة- في منفاه بالإمارات.. رحيل رفعت الأسد -الصند ...
- ترامب يهدد إيران بعواقب وخيمة في حال تعرضه لهجوم
- أمطار غزيرة وفيضانات تغرق شوارع تونس وتجبر مدارسها وجامعاتها ...
- مظاهرات حاشدة في كردستان العراق دعما لأكراد سوريا
- دافوس مباشر.. ترامب: أوروبا لا تسير في الاتجاه الصحيح
- أقوى عاصفة شتوية منذ سنوات قادمة لأمريكا نهاية هذا الأسبوع.. ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الشفق