عائد زقوت
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 09:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم يكن الدولار الأميركي يومًا مجرد عملة وطنية. فمنذ مؤتمر بريتون وودز عام 1944، صُمّم ليكون محور الاستقرار المالي الدولي: عملة مرتبطة بالذهب، وبقية العملات مرتبطة به، في إطار إعادة هندسة النظام الاقتصادي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. في تلك المرحلة، لم يكن الدولار وسيلة تبادل فحسب، بل أداة استراتيجية لإدارة النظام العالمي وترسيخ النفوذ الأميركي اقتصاديًا وسياسيًا.
لعب الدولار الأميركي دورًا مركزيًا منذ أربعينيات القرن الماضي في بسط النفوذ الأميركي وترسيخ الهيمنة الاقتصادية العالمية، وقد تطوّر هذا الدور بالتوازي مع تحوّلات السياسات الاستراتيجية الأميركية ومراحل تشكّل النظام الدولي. ومع كل انتقال في بُنية هذا النظام، أعاد الدولار تعريف وظيفته: من غطاء ذهبي، إلى ركيزة للتجارة والطاقة، وصولًا إلى أداة لإدارة الدَّين واحتكار النظام المالي.
واليوم، يبرز دور الدولار مجددًا في سياق رؤية الرئيس دونالد ترمب "أميركا أولًا"، بوصفه إحدى الأدوات المحورية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع مؤثر في مختلف الملفات السياسية والاقتصادية. ويتقاطع ذلك مع محاولات إعادة توسيع النفوذ الجيوسياسي الأميركي، سواء عبر طرح ملفات مثل غرينلاند، أو عبر إعادة إحياء جوهر عقيدة الرئيس جيمس مونرو القائمة على ترسيخ الهيمنة الأميركية على الجزء الغربي من القارة، ليس بوصفها مشاريع قابلة للتحقق، بل بوصفها تعبيرًا عن عودة الذهنية الامبراطورية في قراءة المجال الحيوي الأميركي. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الدولار بوصفه أداة مالية فحسب، بل كرافعة قوة مركزية لإدامة السيطرة الأميركية على نظام عالمي آخذ في التشكل من جديد، تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الشبكات المالية والتقنيات الرقمية.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى التحوّلات النقدية الراهنة بوصفها قطيعة مع التاريخ، بل امتدادًا لمسار متصل من إعادة هندسة الهيمنة. فمنذ مؤتمر بريتون وودز، حين جرى تثبيت ثنائية "الذهب–الدولار" كغطاء مادي للسيطرة، مرورًا بصدمة نيكسون التي استبدلت الذهب بغطاء طاقوي عبر البترودولار، ظل الهدف ثابتًا: الحفاظ على مركزية الدولار داخل النظام العالمي. ما يتبدّل هو الأداة فقط. فاليوم، ومع صعود الأطر القانونية–الرقمية، ينتقل الغطاء من مادة ملموسة إلى بنية تنظيمية وتقنية، يصبح فيها الكود وشبكات الامتثال والتحويل المالي نفسها هي مجال السيطرة الجديد، بما يعيد إنتاج المنطق الجيوسياسي القديم في صيغة رقمية أكثر مرونة وأشدّ نفاذًا.
من غطاء الذهب والنفط إلى جينيوس
في إطار نظام بريتون وودز، كان الدولار قابلًا للتحويل إلى الذهب، ما فرض قيودًا واضحة على التوسع النقدي الأميركي. غير أنّ تصاعد كلفة حرب فيتنام، واتساع العجز التجاري، دفعا الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971 إلى إعلان ما عُرف بـ"صدمة نيكسون"، وفك الارتباط بين الدولار والذهب.
بدت هذه الخطوة مقامرة كبرى: عملة عالمية بلا غطاء مادي. غير أنّ الولايات المتحدة سرعان ما أعادت تعريف الغطاء، من الذهب إلى النفط. فمن خلال تسعير النفط بالدولار حصريًا، نشأ نظام البترودولار، الذي ربط الطلب العالمي على الطاقة بالعملة الأميركية، وحوّل الاقتصاد العالمي ذاته إلى غطاء غير مباشر للدولار.
واليوم، ومع الانتقال إلى الدولار الرقمي وخطوط الكود البرمجي، وتحت مظلة قانون جينيوس 2025، يدخل الدولار مرحلة جديدة من إعادة التموضع، لا تقوم على مادة أو سلعة، بل على بنية رقمية وقانونية تُعيد تشكيل أدوات السيطرة النقدية في العالم.
الدولار كعملة العالم… والدَّين كقوة رافعة
مَكّن نظام البترودولار الدولار من أنْ يصبح عملة التسعير والاحتياط العالمي، وفي الوقت ذاته أتاح تمويل العجز الأميركي دون كلفة تقليدية. تحوّلت سندات الخزانة الأميركية من أداة تمويل داخلي إلى بُنية تحتية للنظام المالي العالمي، يقوم على التجارة والطاقة والدَّين بدل المعدن الثمين.
في هذا السياق، لم يعد العجز المالي عبئًا، بل مصدر قوة. فالطلب العالمي على الدولار يعزز الدَّين الأميركي بدلًا من إضعافه.
حاليًا، يقف الدَّين الأميركي عند نحو 38 تريليون دولار تقريبًا، أي ضعف ما كان عليه قبل عشر سنوات، وهي وضعيّة دفعت إلى أطول فترات إغلاق الحكومة الأميركية في تاريخيها نتيجة الخلافات المتكررة حول سقف الديون.
هذا الواقع أنتج نظامًا رقميًا عالميًا لا مركزيًا تقنيًا، لكنه خاضع لسيطرة أميركية تنظيمية وقانونية. فبينما تسمح البُنية التقنية بمعاملات موزعة، تظل القوانين الأميركية، والرقابة على البنوك والبُنية التحتية المالية، هي التي تحدد شروط الوصول، والامتثال، والعقاب.
العملات المستقرة وقانون جينيوس
مع صعود العملات المستقرة مثل USDT وUSDC، أصبح الدولار الرقمي وسيلة مباشرة لتداول القيمة خارج البنوك التقليدية، خصوصًا في الاقتصادات الهشّة. غير أنّ هذا التحوّل لم يخرج عن الإطار السيادي الأميركي، بل جرى احتواؤه وتنظيمه عبر قانون جينيوس 2025، الذي أعاد ربط هذا الفضاء الرقمي بالبُنية التقليدية للهيمنة النقدية.
بدلًا من تصوير التحوّل الرقمي للدولار بوصفه قدرة "برمجية مطلقة" على تجميد أي محفظة أو إلغاء أي معاملة، يمنح قانون جينيوس الولايات المتحدة أدوات دقيقة وفعالة لفرض الامتثال داخل النظام المالي العالمي المتمحور حول الدولار. وتتركز هذه الأدوات في:
-تجميد الأصول المرتبطة بالعملات المستقرة الخاضعة للبُنية التنظيمية الأميركية، عبر المُصدرين والبورصات المرخّصة.
-عزل الكيانات المستهدفة عن قنوات التحويل والمقاصة والتسوية المرتبطة بالنظام المالي العالمي المسيطر عليه بالدولار.
-مراقبة التدفقات المالية عبر البورصات ومزودي الخدمات الخاضعين للقانون، وربط النشاط الرقمي بمنظومة الامتثال والعقوبات.
في المقابل، تبقى الشبكات اللامركزية الخالصة، مثل البيتكوين، أكثر صعوبة من حيث السيطرة المباشرة. غير أنّ القانون لا يستهدف هذه الشبكات بذاتها، بل يعمل على تشديد الخناق على نقاط الاتصال بينها وبين الاقتصاد التقليدي: منصات التداول، بوابات التحويل، ومزودي السيولة، ما يحوّل النظام المالي الرقمي الجديد إلى امتداد منضبط للنظام القديم بدل أنْ يكون بديلًا متحررًا عنه.
الصعود المتسارع للذهب والبيتكوين
شهد العامان الأخيران ارتفاعات لافتة في أسعار الذهب والعملات المشفرة، ويعزو بعض الخبراء هذا الاتجاه جزئيًا إلى النقاشات التي سبقت إقرار قانون جينيوس. فقد سارعت بنوك مركزية إلى تعزيز احتياطياتها من الأصول الملموسة بعيدًا عن الدولار، بينما اتجه مستثمرون أفراد ومؤسسات مالية إلى البيتكوين بوصفه ملاذًا رقميًا بديلًا.
ومع ذلك، تبقى القيمة السوقية لأكبر عملتين مستقرتين، USDT وUSDC، عند نحو 260 مليار دولار تقريبًا، وهو رقم لا يزال بعيدًا جدًا عن حجم حيازة أذون الخزانة الأميركية لدى دول مثل اليابان والصين، ما يعكس محدودية هذا التحول حتى الآن.
المنطقة العربية تحت النفوذ
يضع التحول الرقمي للدولار المنطقة العربية في موقع هشّ. ففلسطين تعتمد على الدولار الرقمي لتجاوز القيود المصرفية والحصار المالي، فيما تتداول أسواق لبنان والعراق بالدولار في حياتها اليومية. أما دول الخليج، فعلى الرغم من وفرة النفط، تبقى مرتبطة بالسياسة النقدية الأميركية في إدارة السيولة والفوائض.
لم يكن البترودولار مجرد تسعير للطاقة، بل آلية لإعادة تدوير الفوائض العربية داخل النظام المالي الأميركي. واليوم، مع جينيوس، يصبح الدولار الرقمي أداة رقابة أدق على الأسواق غير الرسمية والاقتصادات الهشّة، بما يقيّد هامش المناورة المالية، رغم محاولات بعض دول الخليج تطوير أنظمة دفع وطنية وتنويع احتياطياتها.
العملات الرقمية المنافسة وحدود الهيمنة
تظهر محاولات عالمية لكسر الهيمنة، من اليوان الرقمي الصيني، إلى الروبل الرقمي الروسي، وصولًا إلى مشروع اليورو الرقمي. غير أنّ هذه البدائل تواجه صعوبة في اختراق الأسواق العربية، حيث لا تزال هيمنة الدولار مدعومة بالقانون، والبُنية التحتية، وشبكات التجارة العالمية.
ومع ذلك، ليست الهيمنة الأميركية مطلقة. فهي تواجه مقاومة تقنية، ومخاطر سيبرانية، ومحاولات تكتلات مثل مجموعة بركس لبناء آليات تسوية بديلة، وإن كانت هذه المساعي لا تزال محدودة الأثر.
رغم تطور مراحل الدولار من الذهب إلى النفط، ومن الدَّين الورقي إلى الشبكات الرقمية، لم يغيّر الدولار غطاءه فحسب، بل أعاد باستمرار هندسة النظام الاقتصادي العالمي بما يضمن سيطرة بنيوية أميركية على النظام المالي.
غير أنّ هذه الهيمنة، في صورتها الرقمية المعاصرة، لا تقوم على سيطرة تقنية مطلقة، بل على احتكار نقاط الارتكاز الحيوية للنظام المالي العالمي: المقاصة، التسويات، المصدرين الرئيسيين، وقنوات الامتثال المرتبطة بالدولار.
في هذا الإطار، تُدار الاقتصادات الهشّة والاقتصاديات الطرفية عبر الإدماج القسري في بُنية مالية رقمية تتيح العزل والتقييد وإعادة التوجيه عند الحاجة. وبين استمرار الهيمنة الأميركية ومحاولات الانزياح البطيء نحو تعددية نقدية دولية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتجه العالم فعلًا إلى ما بعد الدولار، أم إلى نسخة أكثر رقمية وانضباطًا من هيمنته؟
#عائد_زقوت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟