أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - من الرباط إلى داكار: مباراة كشفت عُري العدالة الرياضية














المزيد.....

من الرباط إلى داكار: مباراة كشفت عُري العدالة الرياضية


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 00:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي

الكرة تُلعَب… والأرواح تُساوَم
بين الملعب والمدرجات والشوارع، مغاربة السنغال يتحملون فاتورة تنازل قاري لا أحد يعترف به، والقوانين والعدالة الرياضية تترنح أمام الفوضى والصمت الرسمي.
________________________________________

الفوضى بين الملعب و الشارع

في خضم هذا المشهد العبثي، يصبح من العبث ذاته تصديق الرواية الرسمية التي تحاول اختزال ما جرى في الرباط في تسعين دقيقة كرة قدم، أو في ركلات ترجيح حسمتها الصدفة، أو في أخطاء تحكيمية عابرة. ما وقع لم يكن مجرد مباراة، بل فصل مكشوف من فصول تسييس الرياضة، وابتذال القانون، والمتاجرة الصريحة بأمن البشر تحت غطاء المنافسة الكروية.
بينما كانت الكرة تنتقل بين أقدام اللاعبين المغاربة والسنغاليين، كانت الاعتداءات تنتقل بين محلات المغاربة في داكار. تزامن اللعب في الملعب مع اعتداءات وتخريب ممنهج طال محلات تجارية يملكها مغاربة في داكار، في مشهد يكشف انتقال الفوضى من المدرجات إلى الشارع. مغاربة لا علاقة لهم بالمباراة، ولا بالتحكيم، ولا بالنتيجة، وجدوا أنفسهم فجأة رهائن لحالة هستيرية غذّتها خطابات الشحن، وسكت عنها من يفترض فيهم حماية القانون والإنسان.
________________________________________

الرياضة تتحوّل إلى أداة ابتزاز

هنا تتهاوى أسطورة “الرياضة تجمع الشعوب”، ويظهر وجهها الآخر القبيح حين تُستعمل كأداة تعبئة وتحريض، لا كفضاء تنافس شريف. فالكرة، حين تنفلت من الضوابط الأخلاقية والقانونية، لا توحّد، بل تقسّم، ولا تفرح، بل تقتل.
داخل الملعب، لم يكن الحكم سوى تفصيل ثانوي في مسرحية أكبر منه. انسحاب المنتخب السنغالي من أرضية الميدان، رفقة مدربه، كان خرقًا فاضحًا لكل القوانين المعمول بها في كرة القدم الدولية. النص القانوني واضح، لا يحتمل التأويل: الانسحاب يُقابَل بخسارة المباراة، ويُمنح الفوز للفريق الآخر. لكن في إفريقيا، يبدو أن النصوص تُقرأ انتقائيًا، وتُطبَّق فقط حين لا تُزعج أحدًا.
لم يجرؤ الحكم على اتخاذ القرار الذي يمليه عليه القانون، ولم تجرؤ الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم على فرضه لاحقًا. لماذا؟ لأن القرار الرياضي في تلك اللحظة لم يكن رياضيًا أصلًا، بل أمنيًا وسياسيًا. لأن فوز المغرب بالقانون كان سيُترجَم خارج الملعب إلى مزيد من الفوضى والعنف ضد جالية عُزلاء، تُركت بلا حماية ولا ضمانات.
________________________________________

رمزية ركلة الجزاء الضائعة

أما ركلة الجزاء التي أُهدرت، بتلك البرودة غير المفهومة، فلم تعد في نظر كثيرين مجرد لحظة فنية. في سياق الأحداث، تحوّلت إلى رمز. رمز لتنازل غير معلن، لرسالة تهدئة موجّهة إلى الشارع الغاضب، وثمنٍ دُفع بصمت مقابل خفض منسوب الجنون الجماعي. قد يرفض البعض هذا التأويل، لكنه يظلّ قائمًا، تغذّيه سلسلة قرارات غير منطقية، وصمت رسمي لا يقلّ إدانة عن الفعل ذاته.
الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم حاولت، كعادتها، امتصاص الغضب بعقوبة جزئية: إيقاف المدرب السنغالي لخمس سنوات. عقوبة تبدو صارمة في ظاهرها، لكنها في العمق مجرد ورقة توت لإخفاء العورة الكبرى. لأن القضية لم تكن في شخص المدرب، بل في منظومة سمحت بالانسحاب، وسكتت عنه، ورفضت إعادة المباراة أو إعلان نتيجتها القانونية.
________________________________________

الجالية المغربية ورقة تفاوض صامتة

الأخطر من كل ذلك، أن الجالية المغربية في السنغال تحوّلت، دون أن تدري، إلى ورقة تفاوض غير معلنة. سلامتهم، أرزاقهم، وأمنهم، وُضعت في ميزان المقايضة. وكأن الرسالة كانت واضحة: إمّا التنازل رياضيًا، أو الفوضى اجتماعيًا. وهذه سابقة خطيرة، لا تمس المغرب وحده، بل كل الجاليات الإفريقية في القارة وخارجها. لأن منطق الابتزاز هذا، إن نجح مرة، سيتكرر كل مرة.
الإعلام، بدوره، لم يكن في مستوى اللحظة. جزء كبير منه اختار الطريق الأسهل: تبرير الصمت، تسويق الرواية الرسمية، أو الهروب إلى لغة خشبية عن “الروح الرياضية” و“الظروف الاستثنائية”. قليلون فقط تجرؤوا على طرح السؤال الحقيقي: من يحمي الإنسان حين تفشل الكرة؟ ومن يحاسب المؤسسات حين تختار السلامة المؤقتة على العدالة الدائمة؟
________________________________________

هشاشة كرة القدم الإفريقية

إن ما جرى يكشف بوضوح أن كرة القدم الإفريقية ما تزال أسيرة لمنطق الهشاشة: هشاشة القوانين، هشاشة المؤسسات، وهشاشة الإرادة في حماية الإنسان. كل الحديث عن الاحتراف، والحكامة، وتطوير اللعبة، يسقط عند أول اختبار حقيقي، حين يُطلب من المسؤول أن يختار بين تطبيق القانون أو تجنب الغضب الشعبي.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بكأس ضاع أو لقب تنازل عنه. القضية أعمق وأخطر. إنها قضية كرامة، وأمن، وعدالة. قضية منظومة تُدار بالترقيع بدل الإصلاح، وبالصفقات بدل الشفافية، وبالصمت بدل المواجهة.
وما لم يُفتح هذا الملف بجرأة، ويُسمَّت الأشياء بأسمائها، فإن السؤال سيظل معلقًا، يطارد كل مباراة وكل بطولة:
هل نلعب كرة القدم لنفرح… أم لنقايض بها الأرواح؟



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هزيمة المغرب أمام السنغال: فضيحة كروية أم صفقة سياسية مكتملة ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون والواقع كجحيم
- حين تُشترى الكرامة بهدف: كيف تُستعمل كرة القدم لتخدير المغار ...
- المغرب: أخنوش يرحل والسلطة لا تتغير
- حين تتقاسم الذئاب العالم: كيف تُدار الحروب على حساب الشعوب؟
- مرض الملك وصناعة الخداع السياسي: كيف يُدار المغرب على وقع ال ...
- المغرب: دولة الريع المطلق واستعمار الداخل
- مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين ال ...
- أمريكا تفعل… والحكام العرب يتحدثون
- أمريكا وإدارة الإخضاع: فنزويلا كنموذج ورسالة مفتوحة للعالم ا ...
- المغرب : نظام يُراكم الثروة ويُعمّم الفشل
- قصيدة: الحمارُ السادس
- خلف الملاعب اللامعة: المغرب بين القمع وخصخصة الدولة
- المغرب و الكرم المفقود: الدولة تُكرم الزائر وتُهمل المواطن
- الإشادة بالملاعب المغربية: شهادات عابرة للحدود أم محتوى موجه ...
- اتهام بلا تقادم: المغرب ومحاكمة الرأي في زمن الواجهة الحقوقي ...
- بين الفيضانات والملاعب البراقة: المغرب يدفن شعبه في صمت
- المغرب: صرخة الشعب بين الظلم والانكسار
- قصيدة سياسية مغربية : بياعوني أبيعكم
- كأس إفريقيا في المغرب بين الفرجة والمعاناة: الملك المسؤول ال ...


المزيد.....




- -كان أشبه بتيس يجر عربة يجرها ثور-.. كيم جونغ أون مبررًا إقا ...
- عاجل | ترامب لشبكة نيوزنيشن: أعطيت تعليماتي بمسح إيران بأكمل ...
- الحكومة السورية تمهل قسد 4 أيام لوضع خطة دمج الحسكة في الدول ...
- الجيش الأميركي يعلن احتجاز سابع ناقلة نفط في الكاريبي
- المغرب في المركز الثامن في التصنيف العالمي للفيفا بعد كأس ال ...
- حظر تجوال وتعطيل دراسة وتحذيرات إثر تقلبات الطقس في 11 دولة ...
- حماس تتهم إسرائيل بالتهرب ودول أوروبية تدرس الانسحاب من مركز ...
- الجيش الأميركي يحتجز ناقلة أخرى مرتبطة بفنزويلا في الكاريبي ...
- مصر تنهي الإعفاء الجمركي لهواتف المسافرين القادمين من الخارج ...
- مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.. حاملة الطائرات -أبراهام ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - من الرباط إلى داكار: مباراة كشفت عُري العدالة الرياضية