أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراءة في المفارقة الأخطر في السياسة الدولية














المزيد.....

الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراءة في المفارقة الأخطر في السياسة الدولية


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 20:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في كل مرة تُشنّ حرب جديدة، أو يُعلن عن توسع عسكري، أو تُنتهك سيادة دولة، يرتفع الشعار نفسه كالعلم المقدس: "الأمن القومي". هذا المصطلح الذي بات يحظى بقداسة شبه دينية في الخطاب السياسي المعاصر، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام ضرورة استراتيجية مشروعة، أم أمام أكثر الذرائع أناقة لتبرير أطماع الدول الكبرى؟
التاريخ يعيد نفسه: من روما إلى واشنطن
لم يكن الأباطرة الرومان بحاجة إلى مستشارين في العلاقات العامة حين غزوا بلاد الغال. كانوا يعلمون أن الشعب الروماني لن يدعم حربًا من أجل الذهب والقمح، لكنه سيؤيدها إذا قيل له إنها لـ"حماية الحدود من البرابرة". المنطق ذاته تكرر عبر القرون: الإمبراطورية الفارسية في الأناضول، الإمبراطورية العثمانية في البلقان، بريطانيا في الهند، وأخيرًا الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.
القاسم المشترك بين كل هذه الحالات ليس الخطر الحقيقي على الأمن، بل الفرصة الاستراتيجية التي يوفرها الحديث عن الخطر. فالأمن القومي، في جوهره، مفهوم مطاطي قابل للتمدد بحسب شهية القوة ومصالحها.
"المجال الحيوي": الأيديولوجيا التي لم تمت
حين قدّم هتلر نظرية "المجال الحيوي" (Lebensraum) كمبرر لغزو أوروبا الشرقية، اعتقد العالم أن هذه الفكرة دُفنت مع النازية في عام 1945. لكن الحقيقة أن المنطق ذاته لا يزال حيًا، وإن تغيّرت المفردات.
اليوم، لا تتحدث روسيا عن "المجال الحيوي"، بل عن "العمق الاستراتيجي" و"الأمن في الجوار القريب". لا تقول الصين إنها تريد التوسع، بل تتحدث عن "حماية مصالحها الحيوية" في بحر الصين الجنوبي. ولا تعلن الولايات المتحدة أنها تريد السيطرة على الشرق الأوسط، بل تقول إنها تحارب "الإرهاب" وتحمي "حرية الملاحة".
المفردات تتغير، لكن الجوهر يبقى: الجغرافيا سلاح، والأمن ذريعة.
المفارقة الأخلاقية: من يحق له الخوف؟
هنا نصل إلى قلب الإشكالية الفلسفية: إذا كان من حق الولايات المتحدة أن تضع قواعد عسكرية في 80 دولة حول العالم لحماية أمنها القومي، فلماذا لا يحق لروسيا أن تعتبر توسع الناتو شرقًا تهديدًا وجوديًا؟ وإذا كان من حق إسرائيل أن تضرب أهدافًا في سوريا ولبنان تحت شعار "الدفاع الاستباقي"، فلماذا تُدان إيران حين تتحدث عن "حماية محور المقاومة"؟
المشكلة ليست في المنطق، بل في ازدواجية المعايير. القانون الدولي، في واقع الأمر، لم يُصمَّم لحماية الضعفاء بل لتنظيم صراع الأقوياء. وحين تصبح القوة هي الحَكَم، يتحول الأمن القومي من حق مشروع إلى امتياز حصري للدول العظمى.
الأمن كصناعة: الاقتصاد السياسي للخوف
لا يمكن فهم ظاهرة "الأمن القومي" دون النظر إلى بعدها الاقتصادي. في الولايات المتحدة وحدها، تنفق الحكومة أكثر من 800 مليار دولار سنويًا على الدفاع، وتستفيد من ذلك شبكة ضخمة من الشركات والمقاولين والمراكز البحثية. هذه الصناعة لا تعيش على السلام، بل على إدامة الشعور بالتهديد.
كلما تضخّم الخطر، زادت الميزانيات. وكلما ارتفعت الميزانيات، تعمّقت المصالح. وكلما تعمّقت المصالح، صار من الصعب التمييز بين الأمن الحقيقي والأمن المُصطنع.
إيران تبني "محور المقاومة"، فتنمو صناعة السلاح الإسرائيلية والخليجية. روسيا تهدد أوكرانيا، فيزدهر مجمع الصناعات العسكرية الأمريكي. الصين تتوسع بحريًا، فتتضاعف ميزانيات الدفاع في اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية.
الخوف أصبح سلعة قابلة للتسويق والاستثمار.
الأمن كأداة للقمع الداخلي
الوجه الآخر لأكذوبة الأمن القومي يظهر في الداخل. فحين تُرفع راية "الخطر الخارجي"، يسهل تمرير قوانين استثنائية، وتكميم الحريات، وتبرير القمع. من قانون الطوارئ المصري الذي دام عقودًا، إلى "باتريوت أكت" الأمريكي بعد 11 سبتمبر، إلى قوانين مكافحة الإرهاب التي تُستخدم لملاحقة المعارضين في عشرات الدول.
الأمن القومي يصبح سلاحًا مزدوج الحد: يحمي الدولة من الخارج، ويحميها من شعبها في الداخل.
هل من أمن مشروع؟
السؤال الذي يفرض نفسه: هل كل حديث عن الأمن القومي كذب؟ بالطبع لا. هناك تهديدات حقيقية، وهناك دول تواجه أخطارًا وجودية فعلية. المشكلة ليست في مبدأ الأمن ذاته، بل في استخدامه كغطاء لا يُمكن التشكيك فيه.
الفارق الحقيقي بين الأمن المشروع والأمن المُستغَل يكمن في ثلاثة معايير:
التناسب: هل الإجراء الأمني يتناسب مع حجم التهديد الفعلي؟
الشفافية: هل يمكن للرأي العام أن يفحص طبيعة التهديد ومبررات الرد عليه؟
المحدودية الزمنية: هل الإجراءات الأمنية مؤقتة أم دائمة؟
حين تغيب هذه المعايير، يتحول الأمن إلى أيديولوجيا دائمة لا تُناقش.
خاتمة: إعادة التفكير في السرديات الكبرى
الأمن القومي ليس وهمًا، لكنه ليس حقيقة مطلقة أيضًا. إنه بناء سياسي قابل للتشكيل والتوظيف. والخطر الأكبر يكمن في أن نقبله كمُسلّمة لا تُناقش، كشعار مقدس يُغلق الباب أمام الأسئلة الأخلاقية والسياسية الضرورية.
ربما آن الأوان لأن نسأل: من يُعرّف التهديد؟ ومن يستفيد من تضخيمه؟ ومن يدفع الثمن؟
لأن التاريخ علّمنا درسًا قاسيًا:
الطغاة لا يقولون أبدًا "نريد السيطرة"، بل يقولون: "نريد الأمان".
وما بين الكلمتين... تُسحق الشعوب.

ملاحظة ختامية: هذا المقال لا يهدف إلى إنكار التهديدات الأمنية الحقيقية، بل إلى فتح نقاش نقدي حول كيفية توظيف مفهوم الأمن القومي في السياسة الدولية المعاصرة. لأن النقد الحقيقي للسلطة لا يبدأ بإنكار حاجاتها المشروعة، بل بكشف أكاذيبها المغلّفة بالحقائق.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
- منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين
- الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا ...
- وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
- المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
- كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
- الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟
- الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي
- الحرب كنموذج عمل: كيف تحولت الصراعات إلى آلة للربح المستدام
- في انتظار أن يصبح سببًا
- الحسد: رحلة الشعور الأزلي من الأسطورة إلى الخوارزمية
- أنت والحظ: حين تنحرف المعادلة عن قوانينها
- المأزق الثقافي العربي: بين العجز والنهوض
- الألم... ميلادٌ لا ينتهي
- العصر الأسود: أغنية الشاشات المغلقة
- العراق: هشاشة الدولة وأزمة الهوية الوطنية
- سجون عقولنا غير المرئية: كيف تُديرنا معتقدات الطفولة القديمة ...


المزيد.....




- -ظلم فادح-.. موريشيوس ترد على تصريحات ترامب حول جزر تشاغوس
- -لا أفهم ما الذي تفعله بغرينلاند-.. ترامب ينشر رسالة خاصة من ...
- شجون الهاجري تعود للتواصل مع متابعيها عبر سناب شات.. وهذا ما ...
- ما الاعتبارات السياسية التي قد تحسم انضمام الأردن إلى -مجلس ...
- سوريا: وقف إطلاق نار لـ4 أيام والإعلان عن -تفاهم مشترك- حول ...
- -ما ترون لا ما تسمعون-.. عون يستحضر عبارة نصرالله أمام السفر ...
- ترامب يؤكد أنه ساعد في إحباط فرار -إرهابيين أوروبيين- من سجن ...
- تـرامـب: كـيـف أربـك الـعـالـم فـي سـنـة واحـدة؟
- إيران على حافة المواجهة.. ضغط أميركي أم حرب إقليمية؟
- حاكم ولاية كاليفورنيا يدعو قادة أوروبا لـ-صفع- ترامب


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراءة في المفارقة الأخطر في السياسة الدولية