أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ادم عربي - ‎حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!















المزيد.....

‎حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 20:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



   
ليست الصورة التي يظهر فيها دونالد ترمب واضعاً العلم الأمريكي على كندا وجرينلاند وفنزويلا مجرد مبالغة دعائية أو شطحة خطابية لرجل شعبوي مهووس بالقوة. هذه الصورة، في عمقها، تختزل لحظة تاريخية كاملة من تطور الرأسمالية العالمية، وتكشف بلا مواربة ما حاول الخطاب الليبرالي لعقود طويلة إخفاءه خلف مفردات ناعمة من قبيل "الشراكة الدولية" و"النظام العالمي القائم على القواعد" . إنها لحظة تعرّي الإمبريالية في طورها المتأخر، حين تفقد قدرتها على التمويه، فتتكلم بلغة الفوقية الصريحة.
في التحليل الماركسي، لا تُفهم الإمبريالية باعتبارها نزعة أخلاقية سيئة أو سياسة خارجية عدوانية يمكن استبدالها بأخرى أكثر إنسانية، بل تُفهم باعتبارها ضرورة تاريخية يفرضها منطق تراكم رأس المال نفسه. فحين تبلغ الرأسمالية درجة من الاحتكار والتركّز تجعل الأسواق الداخلية عاجزة عن استيعاب فائض الإنتاج وفائض رأس المال، يصبح التوسع الخارجي شرطاً للبقاء، لا خيارا سياسياً.
منذ ماركس، ثم بعد ذلك  لينين، جرى التأكيد على أن الرأسمالية لا تعرف السكون. إنها منظومة توسّعية بطبيعتها، وحين تغلق آفاق التوسع السلمي، تُفتح آفاق العنف. وعليه، فإن السؤال الحقيقي ؛ ليس" لماذا يفكر ترمب بهذه الطريقة؟" ، بل " لماذا تسمح البنية الرأسمالية الأمريكية، بل وتحتاج، إلى هذا النوع من الخطاب في هذه اللحظة التاريخية؟"
الإجابة تكمن في الأزمة البنيوية التي تعيشها الرأسمالية المعاصرة؛ تراجع معدلات الربح، تشبّع الأسواق، تصاعد المنافسة الدولية، وانفجار التفاوت الطبقي داخل المركز الإمبريالي نفسه. في مثل هذا السياق، لا يعود الخطاب الأخلاقي الليبرالي كافياً لتبرير الهيمنة، فيظهر خطاب أكثر فجاجة، أقل نفاقا، لكنه أكثر صدقا في التعبير عن الجوهر.
في الرأسمالية الصناعية الكلاسيكية، كان الاستغلال يتم  بشكل أساسي داخل المصنع، عبر انتزاع فائض القيمة من قوة العمل. أما في الرأسمالية المعاصرة، فقد اتسع مجال الاستغلال ليشمل دول بأكملها. لم تعد المسألة مسألة أجر وساعات عمل فقط، بل باتت مسألة سيادة وطنية، وقرار سياسي، واقتصاد تابع يُعاد تشكيله بما يخدم مصالح المركز.
حين يضع ترمب العلم الأمريكي على فنزويلا، فهو لا يعلن احتلال عسكري مباشر، بل يعلن حق مفترض في التحكم بثرواتها النفطية، وفي تقرير مصيرها السياسي، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، أو الحصار، أو دعم الانقلابات، أو فرض نماذج حكم مقبولة أمريكيا. هنا تتحول الدولة الطرفية نفسها إلى أداة إنتاج في خدمة رأس المال العالمي.
الإمبريالية لا تميّز بشكل جوهري بين عدو وحليف، بل بين مركز وأطراف. كندا، رغم كونها دولة صديقة، ليست سوى اقتصاد تابع بشكل بنيوي للسوق الأمريكية، وسيادتها السياسية مقيدة بشبكة المصالح العابرة للحدود. أما جرينلاند، فليست جزيرة نائية في خطاب ترمب، بل موقع استراتيجي بالغ الأهمية في صراع القطب الشمالي، ومخزون هائل من المعادن النادرة الضرورية لصناعات المستقبل.
اقتراح ترمب شراء جرينلاند لم يكن زلة لسان، بل تعبير فج عن منطق رأسمالي يرى العالم بأسره قابل للبيع والشراء، ما دام ميزان القوة يسمح بذلك. وهذا ما يجعل الإمبريالية ليست انحراف عن الرأسمالية، بل ذروتها المنطقية.
ما يميز ترمب عن أسلافه ليس أنه أكثر عدوانية، بل أنه أقل نفاقا. الليبرالية الإمبريالية تخوض حروبها باسم حقوق الإنسان والديمقراطية، بينما يخوضها ترمب باسم "أمريكا أولا ". النتيجة واحدة ؛ نهب، تدمير، وإعادة إنتاج التبعية. الفرق فقط في اللغة.
هذه الصراحة هي في الوقت نفسه مصدر خطر وجاذبية، وهي مفارقة تعبّر بدقة عن مأزق الإمبريالية في لحظتها الراهنة. فهي مصدر خطر لأنها ترفع العنف من مستوى الممارسة المقنَّعة إلى مستوى الخطاب العلني، فتُحوِّل الهيمنة من فعل يُمارس خفية باسم القانون الدولي أو القيم الكونية إلى حق مُعلن يستند إلى القوة وحدها. حين تُقال الهيمنة بلا أقنعة، تصبح الحرب خيارا طبيعيا، والعقوبات فعلا أخلاقياً، وتتحول معاناة الشعوب إلى أضرار جانبية لا تستحق النقاش.
وفي الوقت نفسه، تمتلك هذه الصراحة جاذبية خاصة داخل مجتمعات تعيش أزمة عميقة في المعنى والهوية. فحين تعجز الرأسمالية عن توفير الأمن الاجتماعي، والعمل المستقر، والأفق المستقبلي، تبحث عن تعويض رمزي في خطاب القوة والتفوق. هنا، يصبح العدو الخارجي ضرورة نفسية وسياسية ؛ يُحمَّل مسؤولية البطالة، وتفكك الطبقة الوسطى، وتآكل الرفاه، وانسداد الحلم الأمريكي ذاته. إن خطاب ترمب لا يقدم حلولا بقدر ما يقدم كبش فداء، ولا يعالج الأزمة بقدر ما يعيد توجيه الغضب الشعبي بعيدا عن جذوره الطبقية الحقيقية، نحو الخارج، حيث تُستعاد وهميا صورة القوة المفقودة
في المادية التاريخية، يُنظر إلى تصاعد النزعة الإمبريالية بوصفه علامة على دخول نمط الإنتاج مرحلة الشيخوخة. حين تعجز المنظومة عن إنتاج رفاه حقيقي أو أفق إنساني جديد، تلجأ إلى التوسع القسري وإدارة الأزمات عبر الحروب والعقوبات. هكذا تصبح الإمبريالية ليست دليل قوة، بل دليل أزمة.
ولعل هذا ما يجعل استعادة مقولة لينين ضرورية اليوم؛ الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، لكنها أيضا أشدّها تعفنا. فهي مرحلة تتركز فيها الثروة إلى حد الاختناق، وتتآكل فيها الديمقراطية، ويُعاد فيها تقسيم العالم بالقوة.
الصورة التي يرفع فيها ترمب العلم الأمريكي فوق دول أخرى ليست مجرد استفزاز بصري، بل إعلان صريح عن منطق يحكم العالم المعاصر؛ منطق يعتبر الشعوب ساحات نفوذ، والدول أدوات، والسيادة تفصيلا قابلا للتفاوض. وهي، في الوقت ذاته، تذكير بأن مواجهة الإمبريالية لا تكون عبر أخلاقيات مجردة أو إصلاحات سطحية، بل عبر تفكيك البنية الاقتصادية التي تنتجها.
فالاشتراكية، في التحليل الماركسي، لا تأتي من خارج الرأسمالية، بل تُنتزع من تناقضاتها. وكما أن الإمبريالية هي التعبير الأعلى عن منطق رأس المال، فإن تجاوزها يقتضي صراعا واعياً، طويل النفس، يضع مسألة السيطرة على وسائل الإنتاج ، المادية والرمزية ، في قلب المعركة.
ترمب ليس حادثا عابراً في التاريخ الأمريكي، بل علامة على طور تاريخي تتكلم فيه الإمبريالية بلسانها الحقيقي. وما دامت الرأسمالية تحكم العالم، ستظل الأعلام تُرفع فوق الخرائط، والخرائط تُرسم فوق آلام الشعوب. أما كسر هذه الدائرة، فليس شأنا أخلاقياً، بل مهمة تاريخية.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب على إيران: من يمنع السقوط… ومن يتركها تنزف؟
- حين يصبح الفكر بضاعة!
- شيء من فلسفة الحقيقة!
- تفكيك أسطورة الجوع العالمي!
- على كتف النهر!
- عتمة الضوء!
- في الموت والحياة!
- في الحب والزواج!
- في التسيير والتخيير...هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟
- أزمة النظام العالمي!
- أزمة الزواج في مجتمعاتنا!
- التطور الأخلاقي والقتل الإنساني!
- من القوة إلى المدين الأكبر....مآلات الرأسمالية المالية وأسطو ...
- شيئان لمْ نتعلّمهما بعد ... أنْ نقول -لا- وأنْ نسأل -لماذا؟-
- الضرورة والصدفة جدلياً!
- البيروقراطية وشرورها!
- المال هو الإله الحقيقي للعصر الحديث!
- الدولة ومدنيتها!
- هل الرأسمالية مثالاً يُحتذى به؟
- مراثي النسيان!


المزيد.....




- -ظلم فادح-.. موريشيوس ترد على تصريحات ترامب حول جزر تشاغوس
- -لا أفهم ما الذي تفعله بغرينلاند-.. ترامب ينشر رسالة خاصة من ...
- شجون الهاجري تعود للتواصل مع متابعيها عبر سناب شات.. وهذا ما ...
- ما الاعتبارات السياسية التي قد تحسم انضمام الأردن إلى -مجلس ...
- سوريا: وقف إطلاق نار لـ4 أيام والإعلان عن -تفاهم مشترك- حول ...
- -ما ترون لا ما تسمعون-.. عون يستحضر عبارة نصرالله أمام السفر ...
- ترامب يؤكد أنه ساعد في إحباط فرار -إرهابيين أوروبيين- من سجن ...
- تـرامـب: كـيـف أربـك الـعـالـم فـي سـنـة واحـدة؟
- إيران على حافة المواجهة.. ضغط أميركي أم حرب إقليمية؟
- حاكم ولاية كاليفورنيا يدعو قادة أوروبا لـ-صفع- ترامب


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ادم عربي - ‎حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!