حنان سالم
صحفية عراقية
(Hanan Salim)
الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 15:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا تمثل “البرامج الانتخابية” في العراق، وثائق سياسية تُلزم الأحزاب والتحالفات نفسها بها، هذا ما تؤكده وقائع 20 سنة من الحكم شهدت اربع دورات انتخابية، تغير فيها الرؤساء وتبدلت مواقع بعض القوى النافذة، لكن بقيت الوعود والبرامج بلا تنفيذ.
هذه البرامج التي هي “تعهدات” يفترض ان يُسائل الجمهور الأحزاب عنها، ظلت مجرد شعارات تتلاشى مع نزول أصحابها عن منصات الخطابة ومع انتهاء حملات الدعاية، هي مثل الترند تظهر “تناغما مع الشارع” لكسب صوته ثم تختفي.
تجربة العراق أيضا سجلت حضورا خجولا “للبرامج بتعهداتها الرقمية والزمنية” في الحملات الدعائية، مقابل طغيان الشعارات ذات الصبغة الطائفية، خاصة للقوى السياسية الأبرز شيعيا وسنيا. لكن الجديد ربما في انتخابات 11 تشرين الثاني نوفمبر 2025، ان ذلك الخطاب لم يعد يدغدغ شعور من ذاق مآسي الحرب الأهلية وحرب داعش، بالتالي لم يعد عاملا مؤثرا في توجهات المصوتين.
وربما يعكس التشبث بتلك الشعارات من قبل بعض القوى التقليدية “خواء جعبته” من اي منجز تقنع به الناخبين، بعد عقدين من تحاصص المغانم والامتيازات على وقع كبريات ملفات الفساد.
يقول مراقبون للمشهد الانتخابي، انه مع انعدام الثقافة الانتخابية التي تُجبر القوى السياسية على تقديم “برامج انتخابية حقيقية” والإلتزام بها، ومع تآكل شعاراتها، اتجهت بعض الكتل الى الرمزية والشخصنة فباتت تسوق للأشخاص لا للمنجز والهدف، كبديل عن البرامج.
الواقع يفضح الشعارات
تصدرت ملفات “الخدمات وفرص العمل” و”محاربة الفساد” و”تطوير الاقتصاد والقطاع الخاص” واسترجاع هيبة الدولة، البرامج الانتخابية للدورات السابقة كما الدورة الحالية، لكن أياً من الأحزاب النافذة لم يخبر الناخبين كيف سيحقق تلك الأهداف؟ وما هي الاستراتيجيات التي سيتبعها مع الشركاء والمنافسين لتحظى أهدافه بأولوية التطبيق في البرنامج الحكومي.
هكذا ظلت الخدمات سيئة وفرص العمل شحيحة، وهيبة الدولة تنهار على وقع ضربات المليشيات وأسلحة العشائر، بينما يتضخم الفساد وتصدر قوانين للعفو عن كبار الفاسدين.
ولم تشهد البلاد خطة حقيقية لتطوير الاقتصاد والتخلص من الازمات المالية المتفاقمة والديون الي باتت تقارب الموازنة بأكملها، او تخلص الشباب من البطالة التي ترتفع معدلاتها. اذ وصل إجمالي الديون الداخلية والخارجية المترتبة على العراق تبلغ نحو 150 مليار دولار وفقاً لمحافظ البنك المركزي علي العلاق، ما اعتبره اقتصاديون مصدر قلق كون جزء من هذه الديون لا يُعلم حجم الفائدة لتلك الديون او الضمانات المقدمة.
وفي وقت ابتلع فيه الفساد ما لا يقل عن 450 مليار دولار منذ 2003 حتى 2015 وفقاً لرئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي وحصل العراق على 26 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد ، ما جعله بيئة طاردة للاستثمارات الخارجية وبلد معزول دولياً الا ربما عن دول محور المقاومة المعزولة أصلا عن العالم. -
لم يلمس المواطن تحسناً في أي من الملفات المرتبطة بالأزمات المزمنة، فالشاب الجامعي يبحث لسنوات عن فرصة عمل مناسبة ولا يجدها، ومازالت الأحياء الشعبية منها والراقية تفيض عند اول “مزنة مطر”، والمنظومة الكهربائية تنهار في الصيف وساعات التجهيز تتراجع الى اربع ساعات أيام الصيف اللاهب، كما تحصد الطرقات المهملة الأرواح في كل ساعة.
السلطة والمعارضة وتشرين
على الرغم من الأزمات والتحديات التي لم تجد قوى وأحزاب المحاصصة السياسية الحاكمة، حلولا لها، فانها مازالت تعيد طرح ذات الوعود منذ 2005 دون أي تغيير حتى في العناوين. وكأنها ليست ذات القوى، الحاكمة اليوم والأمس، والتي رددت تلك الشعارات واستخدمتها لتجميل صورتها، كما تمترست خلف الصراعات الأمنية والحرب ضد داعش والارهاب، لتبرير فشلها الخدمي والاقتصادي.
حتى بعد احتجاجات تشرين 2019 بمطالبها المحددة التي رفعها ملايين العراقيين وغالبيتهم من الشباب الشيعة، لم تستطع القوى التقليدية، خاصة في الاطار التنسيقي الحاكم، الاستجابة للحد الأدنى من المطالب الشعبية بالاصلاح، بل اكتفت بتكرار وعودها مع تغيير بسيط في الشكل لا الجوهر، في وقت استمرت معاناة ابناء مدن الجنوب، من “فقر الخدمات” وسوء تنفيذ المشارع نتيجة الفساد، كما من معدلات الفقر التي تصل الى 18% والبطالة التي تقارب 17% وفقاً لإحصائيات حكومية.
فشل قوى وأحزاب السلطة في تنفيذ تعهداتها وبرامجها الانتخابية المعلنة، قابله في الجانب الآخر فشل الأحزاب الصغيرة التي نشأت بعد 2019 وأعلن مؤسسوها تمثيلها لمطالب ورؤى “احتجاجات تشرين”، والتي حصلت على العديد من المقاعد البرلمانية في انتخابات 2021.
تفككت تلك الأحزاب، وانسحب العديد من شخصياتها وممثليها عن المشهد السياسي، بعد ان أخفقوا في الثبات على مواقفهم والحفاظ على تعهداتهم وبرامجهم الانتخابية ورؤيتهم للاصلاح والتغيير.
في السنوات الأخيرة، عكست نشاطات العديد من هؤلاء، تنصلا عن مطالب تشرين ومبادئها، واقترابا من أحزاب السلطة، بينما استسلم البعض لواقع “العجز عن التغيير” وفضل الانزواء والاعتذار، وانضم آخرون رسميا الى قوائم القوى التقليدية الحاكمة كمرشحين في الانتخابات المقبلة.
مع دائرة الفشل التي أحاطت القوى التقليدية في تنفيذ تعهداتها وتحويل برامجها المعلنة الى مشاريع عمل نتيجة اصرارها على استمرار نظام “محاصصة المغانم” وطريقة العمل التي ثبت فشلها. ومع إخفاق قوى تشرين في الثبات على مواقفها وبرامجها المطالبة بالتغيير الشامل، برز رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ليقدم نفسه كصاحب خط جديد متعكزاً على البنى التحتية التي شهدت تحسناً طفيفاً في عهده ومشروع فك الاختناقات في بغداد دون منجز اخر يذكر بخصوص الواقع الصحي او التعليمي مع تغلغل السلاح المنفلت في مفاصل حكومته وواقع اقتصادي وبيئي هما الأكثر سوءاً منذ عقود.
وعلى هامش التحولات، ظهرت على الساحة الانتخابية قوى جديدة تطالب باصلاحات جذرية في النظام، لعل أبرزها تحالف “البديل”، الذي يخالف القوى التقليدية في رؤاها ويتبنى خطاب انتخابي مغاير يدعو لخلق مساحة حراك سياسي مختلف، لكنه يواجه تحديات بنيوية تحول دون تحويل برنامجه الى واقع عملي.
والتحالف الذي يضم شخصيات من الحزب الشيوعي العراقي، الى جانب شخصيات مدنية لها تجارب انتخابية سابقة، يطرح نفسه كبديل لأحزاب السلطة التي تمتلك اليوم المال والنفوذ والسلاح وتستغل امكانات الدولة لخدمتها.
وتطغى الراديكالية على برنامج تحالف “البديل”، لكن الفقر في التمويل ومحدودية الخبرة الإدارية، تقف عائقاً امام إمكانية تحقيقه لنتائج جيدة في الانتخابات تمكنه من فرض نفسه في معادلة السلطة وبالتالي اختبار امكانية تنفيذ برنامجه الانتخابي.
ولم يعرض تحالف “البديل”، كيفية تنفيذ برنامجه المعلن لتحقيق التغيير. هو أعلن برنامجاً انتخابياً مدنياً أقرب الى رموز خطابية منه الى أدوات قابلة للعمل. وفرص نجاحه الضئيلة، لا ترتبط فقط بإمكانية نجاحه في الحصول على مقاعد بل ايضا بقدرته على التحرك والتحشييد ميدانياً وتكثيف عمله التنظيمي وتشكيل تحالفات ضغط من اجل تحقيق المساءلة وفتح ملفات الفساد الكبيرة، وهذه كلها صعبة التحقق.
المرأة في البرامج الانتخابية
تشكل النساء في العراق ما يقارب نصف عدد السكان البالغ 46 مليون فردا، لكن غالباً ما تغيب عن البرامج الانتخابية، وان حضرت بنسبة ضئيلة في الخطابات الانتخابية فإنها تغيب عن البرامج الفعلية.
أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، تتطرق الى موضوعات المرأة كجزء من الأسرة ومن منظور اجتماعي وديني محافظ، أي كعنصر مساهم في التنمية لا صانع للقرار، ولا تتطرق هذه الأحزاب لتمكين المرأة اقتصادياً او سياسياً، ولا تعلن عن خطط محددة وحلول واضحة لمشاكلها.
وتكتفي بعض القوى الحاكمة بالاشارة الى رمزية المرأة الأخلاقية الاجتماعية، لكن جميعها تتفق على عدم اشراك المرأة في صنع القرار السياسي. يُستثنى من ذلك “تيار الحكمة” الذي يطرح تمكين المرأة وإشراكها في التنمية، لكن دون ان يقدم خطة وسياسة واضحة لذلك.
وتركز الأحزاب السنية في خطاباتها الانتخابية، على القضايا الأمنية، والخدمات والبنى التحتية، وضبط سلاح الفصائل الشيعية بيد الدولة، والحرص على عدم تهميش المكون في عملية صنع القرار، ولا نجد حضورا حقيقيا لها في كل ما هو يعلن. وكأن النساء لسنَّ جزءاً من كل هذا ولا يتأثرن بالوضع الأمني ولا يجب ان يشتركن بصنع القرار. كما غابت قضايا مناصرة المرأة في القوانين المرتبطة بالعائلة والأسرة.
اما الأحزاب المدنية، فتقدم برامج أكثر وضوحا في تمكين المرأة والنهوض بواقعها كرفع نسبة مشاركتها في صنع القرار، وتربط بين تحرر المرأة والإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية، وتطالب بإلغاء القوانين التمييزية والمقيدة للنساء، وتوسيع مشاركتهن بالاقتصاد والتعليم.
هذه الأحزاب هي الأكثر وضوحاً في نهجها تجاه حقوق النساء، كما ان قوائمها الانتخابية تحتوي على ناشطات مدنيات ونسويات معروفات، لكنها لا تقدم مؤشرات ومقاييس واضحة لأهدافها مثل نسبة المشاركة النسوية في صنع القرار التي يرومون تحقيقها او سقف زمني لها، وقد يرجع ذلك الى ان القوى المدنية مازالت حديثة في الانتظام ضمن تحالفات.
جيل Z في البرامج الانتخابية
وفقاً للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فإن 4 مليون ناخب سينتخبون لأول مرة جميعهم من مواليد ما بعد سقوط نظام حزب البعث في نسيان 2003، ويفترض أن يمثلهم نحو 40 نائبا وفقاً للدستور الذي يحدد نائباً واحداً عن كل 100 ألف مواطن ناخب.
ويتميز جيل Z الذي شمل مواليد نهاية التسعينات حتى 2010، بوعيهم بالقضايا الاجتماعية والحياة الصحية، ويركزون على قضايا مثل التنوع والمساواة. وهو جيل رأى نفسه محاطاً بالتطور الرقمي والتكنولوجيا ويمثل جزءا أساسيا من حياته.
وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية، طعمت قوائمها ببعض الوجوه الشابة، لكنها في الغالب وجوه اعلانية لا تنتمي فعليا الى واقع وهموم العالم الجديد. كما ان تلك القوى لم تغادر عقليتها التقليدية، فلم توجه خطاباً الى هذه الملايين الأربعة وان استخدمت ادواتهم في الترويج لنفسها مثل وسائل التواصل الاجتماعي.
ولم تلتفت الأحزاب التقليدية، الى ان الكثير من أبناء هذا الجيل شاركوا في احتجاجات تشرين 2019، وان هذا الجيل برز في عدة دول مثل المغرب والهند والبيرو وايران، كقوة احتجاجية مطالبة بالاصلاحات وترفض الفساد والبطالة وتقييد الحريات.
وفق ذلك فان تطلعات الجيل Z ليس ضمن حسابات القوى السياسية التقليدية، وليس في تصورها ان هذا الجيل قد يكرر حراك اقرانه في البلدان الأخرى لوقف الوعود الزائفة والاكاذيب وتحقيق اصلاحات حقيقية.
فاحزاب سلطة المحاصصة العراقية، تتمترس بالطرف الثالث وستفكر بالاستعانة بسلاحه ورصاصه الحي والمطاطي وقنابله المسيلة للدموع لقمع الشباب ان فكروا بحياة خارج قيود المحاصصة وصفقات الفساد، وهنا ما من ضرورة لتضمين الشباب في البرامج الانتخابية.
#حنان_سالم (هاشتاغ)
Hanan_Salim#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟