أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد عزت السعدي - تشظي الدولة العراقية بين دستور مُعطَّل ونخب بلا مشروع














المزيد.....

تشظي الدولة العراقية بين دستور مُعطَّل ونخب بلا مشروع


سعد عزت السعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 11:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يدخل العراق بعد عام 2003 مرحلة بناء الدولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل دخل طوراً أكثر تعقيداً وخطورة، هو طور إدارة الانقسام داخل دولة هشة. فالنظام النيابي الذي أُقرّ على أمل أن يؤسس لحكم تمثيلي مستقر، تحوّل إلى إطار شكلي تُدار داخله صراعات النخب، لا إلى آلية حقيقية لتجسيد إرادة المجتمع. أما الدستور، الذي صيغ بوصفه عقداً اجتماعياً جامعاً، فقد أصبح وثيقة انتقائية تُطبَّق حين تخدم مصالح القوى السياسية، وتُخرق أو تُعلَّق حين تعيق توازناتها.
هذا الانفصال بين النص الدستوري والممارسة السياسية أنتج ما يمكن وصفه بـ “الدولة المزدوجة”: دولة رسمية بنصوصها ومؤسساتها، ودولة فعلية تحكمها الصفقات، والتوافقات غير المعلنة، والولاءات ما دون الوطنية. في مثل هذا السياق، لا يعود الدستور مرجعية عليا، بل يتحول إلى مورد تفاوضي بيد القوى النافذة.
ولدور الطبقة السياسية من تمثيل المكونات إلى تفكيك الدولة فقد تولد الخطاب السياسي السائد في العراق يقوم على فكرة “تمثيل المكونات”، لكنه في الواقع قاد إلى نتيجة معاكسة تماماً: تفكيك المجال الوطني. فبدلاً من أن تكون التعددية رافعة للوحدة داخل إطار الدولة، تحولت إلى منظومة محاصصة أنتجت فساداً مؤسسياً، وغياباً شبه كامل لفكرة المصلحة الوطنية العليا.
الفساد الإداري والمالي لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح بنية حاكمة تنخر في أغلب مفاصل الدولة. ومعه تراجع الانتماء الوطني لصالح الولاءات الطائفية والقومية والعشائرية، وتنامت نزعات التبعية الخارجية، في وقت يفترض أن تكون فيه الدولة هي الإطار الجامع والضامن للسيادة.
هذا المسار يتطابق مع ما وصفه فوكوياما في تحليله لانهيار النظم السياسية عندما تفشل النخب في بناء مؤسسات محايدة وتحول الدولة إلى غنيمة
المجتمع بين صدمات الماضي وفوضى الحاضر, المجتمع العراقي لم يكن بمنأى عن هذه التحولات. فقد خرج من عقود من الحروب والحصار والعنف الداخلي دون فرصة حقيقية للتعافي. ومع ضعف الدولة وتآكل المؤسسات، انفجرت ظواهر اجتماعية خطيرة: التطرف الهوياتي، الانقسام الطائفي، العنف الرمزي، والانكفاء نحو الجماعات الفرعية باعتبارها بديلاً عن الدولة الغائبة.
فوسائل التواصل الاجتماعي، بدل أن تكون أداة وعي مدني، ساهمت في كثير من الأحيان في تعميق الاستقطاب، ونشر أنماط ثقافية استهلاكية وهويات متصارعة، داخل مجتمع يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية ومعرفية.
تقارير مجموعة الأزمات الدولية تشير بوضوح إلى أن ضعف الدولة في العراق سمح بظهور فاعلين غير رسميين ينازعونها سلطتها على المجتمع والقرار
ويمكن القول ان العراق اليوم إما يمون دولة أو لا شيء, حيث يقف اليوم عند مفترق تاريخي. المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة لا ترحم الدول الضعيفة أو المنقسمة. وفي ظل طبقة سياسية لم تنجح حتى الآن في إنتاج مشروع وطني جامع، يصبح خطر التفكك لا مجرد احتمال، بل مساراً قائماً بذاته.
الحل لا يبدأ من تعديل نصوص هنا أو هناك، بل من إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها: دولة القانون، دولة المؤسسات، دولة السيادة. فالدستور لا قيمة له بلا قوة سياسية تؤمن به، والمجتمع لا يمكن أن يستقر بلا دولة قادرة على فرض القانون وتوفير العدالة.
الدول لا تسقط حين تختلف، بل حين تفقد قدرتها على إدارة اختلافاتها داخل إطار وطني واحد. والعراق، إن لم يستعد هذا الإطار، فلن يكون ساحة صراع فقط، بل سيفقد تدريجياً معنى الدولة ذاته.
في المحصلة، ليست أزمة العراق أزمة موارد ولا جغرافيا ولا تاريخ، بل أزمة إرادة سياسية فشلت في التحول من منطق الغنيمة إلى منطق الدولة. فالدساتير، مهما بلغت دقتها، لا تصنع الدول ما لم تحمها مؤسسات مستقلة ونخب تؤمن بأن الوطن ليس صفقة مؤقتة بل مشروعاً دائماً. العراق اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يعيد بناء دولته على أساس المواطنة وسيادة القانون، أو أن يستمر في الدوران داخل حلقة التفكك المقنّع الذي تُدار فيه البلاد باسم التوافق بينما تُفرّغ من مضمونها.
التجارب الدولية تؤكد أن الدول الخارجة من الانقسام لا تنهض إلا عندما يُكسر احتكار النخب للقرار العام، وتُعاد الدولة إلى المجتمع بوصفها إطاراً جامعاً لا ملكية خاصة. هذا ما فعلته دول مثل إندونيسيا بعد الانقسام، وجنوب أفريقيا بعد الصراع، عندما قدّمت الدولة على الهويات الفرعية
العراق لا ينقصه الذكاء ولا الموارد ولا التاريخ، بل ينقصه مشروع وطني يعلو على الطائفة والحزب والعرق. وحين تُستعاد الدولة من أيدي من اختطفوها، عندها فقط يمكن لهذا البلد أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.



#سعد_عزت_السعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الامن القومي والتوازنات الاقليمية
- الضرورة العسكرية كذريعة لانتهاك القانون الدولي الإنساني
- تفعيل أدوات الاستجواب والسؤال البرلماني في مجلس النواب
- الأقاليم في العراق بين النص الدستوري والتطبيق العملي
- مسيرة بعثة الأمم المتحدة في العراق : دعم الدولة وبناء الاستق ...
- دور العراق في الاتفاقيات الدولية لمكافحة الإرهاب
- مجلس الاتحاد : التحديات الدستورية وأفاق التفعيل
- القانون الدولي البيئي والتحديات العالمية للتغير المناخي
- حيازة السلاح خارج القانون في العراق
- مبدأ الفصل بين السلطات في النظام الدستوري للعراق
- -إصلاح التشريعات العراقية: ضرورة ملحة لمواكبة التحول الديمقر ...
- المسؤولية التقصيرية عن الاضرار التي تلحق بالمباني
- دور العدالة التصالحية في بناء المجتمع
- اشكالية استخدام الفضاء الخارجي وسيادة الدولة
- العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة للموظف
- المركزية واللامركزية في إدارة الدولة
- تنظيم المؤسسات الادارية خطوة لمكافحة الفساد
- القانون والعرف العشائري لمن السطوة ..؟!
- مبدأ التعامل بالمثل في تطبيق القانون
- ماهي الشخصية المعنوية للشركات..؟


المزيد.....




- عشرات المفقودين في حريق مركز تجاري بباكستان
- من هو قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي؟
- أخبار اليوم: الاتحاد الأوروبي يجمد المصادقة على الاتفاق التج ...
- الهجرة: حين يتحول الحلم الأوروبي إلى كابوس
- لماذا صعد ترامب ضد فرنسا؟ وماذا يريد من -مجلس السلام-؟
- الحكومة البريطانية تمنح ترخيصا لإقامة سفارة صينية ضخمة في قل ...
- التوترات تعود إلى شمال شرق سوريا والقوات الكردية تنسحب من مخ ...
- المظاهرات في إيران: ما الذي نعرفه عن أعداد ضحايا قمع النظام؟ ...
- اتفاق جديد بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية -قسد-.. ما التفا ...
- استعدادا للحرب.. النرويج تلوح بإمكانية مصادرة ممتلكات المدني ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد عزت السعدي - تشظي الدولة العراقية بين دستور مُعطَّل ونخب بلا مشروع