مصطفى الخليل
الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 04:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ أن بدأ الإنسان التأمل في علاقته بنفسه وبالآخر وبالكون، برز سؤال العدل والظلم كأحد الأسئلة الجدلية التي تشكل الوعي الجمعي وتوجه السلوك. فهو ليس سؤالاً قانونياً أو أخلاقياً فحسب، بل هو سؤال وجودي-أنطولوجي يمس صميم شرعية الوجود الإنساني على الأرض. لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان، في حين أن قوانين الطبيعة، بكل قسوتها الظاهرية، تحفظ سلاماً غريزياً داخل الحيوانات من النوع الواحد فلا الذئاب تقتل الذئاب ولا الأفاعي تقتل الأفاعي..فقط الإنسان يقتل الإنسان؟ تكمن الإجابة في قلب واحدة من أعقد ثنائيات التجربة الإنسانية عبر التاريخ: ثنائية العدل والظلم.
تبدو هذه الثنائية بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تخفي تعقيداً هائلاً. فبينما تسير مملكة الحيوان على مسار غريزي ثابت يحفظ الحد الأدنى من السلام الداخلي، خرج الإنسان عن هذا المسار بفضل - أو بلاء - تطور قشرته المخية الأمامية، موطن العقل والإرادة الحرة ( دراسات طبية سريرية وتشريحية:جامعة هايدلبرغ الألمانية، جامعة طوكيو في اليابان،الأكاديمية الوطنية للطب في الولايات المتحدة).
وهكذا، تحول العدل من مجرد آلية بيولوجية لحفظ النوع، إلى قيمة مجردة، ومطلب أخلاقي متعالٍ، وساحة صراع أيديولوجي وسياسي. إن تاريخ الحروب والثورات، من حروب طروادة إلى الصراعات المعاصرة، هو إلى حد كبير تاريخ للمحاولات الدامية لتحقيق صورة من صور العدل، أو للانتقام من غيابه.
تهدف هذه الورقة البحثية إلى تتبع جذور هذا المفهوم عبر رؤى متعددة:
1-الوحي الإلهي في الديانات الإبراهيمية (الإسلام، اليهودية، المسيحية).
2-الفلسفة السياسية والشرعية كما تجلت في فكر ابن تيمية.
3-المقارنة الأنثروبولوجية مع السلوك الحيواني.
وستسعى هذه الورقة البحثية إلى تفكيك الإشكالية المركزية التالية: إذا كان العدل هو الشرط الأساسي لاستقرار المجتمعات واستمرار الحضارات، فلماذا يظل الإنسان الكائن الوحيد الذي يحول السعي نحو هذه الفضيلة إلى سبب رئيسي للصراع المنظم؟ من خلال هذا التحليل، نحاول استكشاف لماذا يبقى "العدل" أسمى أمانينا وأعظم أسباب نزاعنا.
الفصل الأول: العدل في الشرائع السماوية: الغاية الوجودية من الخلق والاستخلاف
تبدأ قصة العدل مع الإنسان قبل وجوده المادي، في لحظة تأسيسية مسجلة في النصوص المقدسة. فهي لا تُقدم العدل كتشريع لاحق، بل كـ المقصد الأصلي والغاية من استخلاف الإنسان في الأرض. هذا التقديم يجعل منه معياراً وجودياً، وليس مجرد قانون تعاقدي.
1- التأسيس الرمزي: حوار الملائكة والعبء المُسبق
يُسجل القرآن الكريم في سورة البقرة (الآية 30) حواراً كونياً عميق الدلالة. عند الإعلان عن خلق آدم، قالت الملائكة: "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ". هذا الاستفهام، كما يُجمع المفسرون، ليس اعتراضاً، بل هو تأسيس رمزي للمهمة الإنسانية.
يشير هذا الحوار إلى طبقتين من المعنى:
1-التعريف بالمهمة: طرح سؤال "الفساد" و"سفك الدماء" يجعل الغاية الضمنية واضحة: مهمة الإنسان هي تحقيق ضدهما، أي إقامة العدل والسلام. فهو المهمة التكليفية الوجودية.
2-التحذير المسبق: يصبح الحوار تحذيراً للمستخلفين من العواقب الوخيمة للانحراف عن الغاية. كل صراع ودم يُسفك هو تأكيد لذلك التخوف وخروج عن الغرض من الخلق.
2- الإسلام: العدل كمقصد تشريعي شامل
ينطلق الإسلام من تلك اللحظة التأسيسية ليبني منظومةً يجعل العدل عمودها الفقري. جاء الأمر الإلهي مطلقاً وشاملاً: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ" (النحل: 90). وتتجلى هذه الشمولية في مجالات مفصلة:
1-في القضاء والسياسة: "وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" (النساء: 58).
2-في الشهادة والقول: "كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ" (النساء: 135).
3-مع الخصوم والأعداء: "اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ" (المائدة: 8).
4-في المعاملات المالية: "وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ" (الأنعام: 152).
3- اليهودية: العدل كقاعدة العرش وعهد الجماعة
في الديانة اليهودية، يُصوَّر العدل (تسيدك) كصفة إلهية جوهرية وأساس للحكم: "الْعَدْلُ وَالْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّكَ" (المزامير 89: 14). هذا المبدأ ينتقل إلى الشعب كجزء من العهد (بريت)، فيصبح العدل الوصية المركزية الحافظة لتماسك الجماعة. ويتجلى في:
· وصايا عملية ضد المحاباة في القضاء: "لَا تُحَرِّفِ الْقَضَاءَ... الْعَدْلَ الْعَدْلَ تَتَّبِعُ" (التثنية 16: 19-20).
· نقد لاذع عندما تصبح الطقوس غطاءً للظلم الاجتماعي: "اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَةِ" (إشعياء 1: 17).
4- المسيحية: العدل في بوتقة الرحمة والمحبة
أدخلت المسيحية بعداً تحويلياً من خلال دمج العدل عضوياً مع المحبة (أغابي) والرحمة. في العظة على الجبل، يدعو المسيح لتجاوز عدالة القصاص: "لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا" (متى 5: 38-39). لا يعني هذا إلغاء العدل، بل تسويته في إطار أخلاقي أعلى. ذروة هذا التكامل تظهر في عقيدة الفداء، حيث يمثل الصليب ملتقى العدالة الإلهية والرحمة الغامرة. وبالتالي، يحث العهد الجديد على العدل "احْكُمُوا حُكْماً عَدْلاً" (يوحنا 7: 24) لكن كنابعة من المحبة.
الفصل الثاني: الرؤية الفلسفية الشرعية: ابن تيمية والعدل كسنة كونية
قدم ابن تيمية (ت. 728 هـ) تحليلاً ينقل العدل من دائرة الوحي إلى دائرة "سنن الله في الاجتماع البشري"، أي القوانين الطبيعية التي تحكم عمران الدول وسقوطها.
1- مقولة "الدولة العادلة الكافرة" وتفسيرها
تتلخص رؤيته في المقولة: "إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة" (مجموع الفتاوى). تفسير هذه المقولة يقوم على:
1-تمييز بين الإقامة والنصرة: "الإقامة" في الدنيا (التمكين والاستقرار) تخضع لسنن طبيعية، بينما "النصرة" الأخروية مرتبطة بالإيمان.
2-العدل كقانون طبيعي مستقل: استقرار الدول يقوم على ركيزة عملية هي "العدل" في توزيع الحقوق والثروات وإقامة القضاء النزيه.
3-الظلم كعلة الانهيار: الدولة التي تظلم رعاياها تهدم شرعيتها وتماسكها من الداخل، مما يجعلها عرضة للسقوط.
4-التحذير العملي: المقولة تحذير صارخ من أن الانتساب للإسلام لا يحمي من انهيار الحضارة إذا تُرك العدل.
2- جذور الرؤية
تستند رؤية ابن تيمية إلى:
1-فهم آيات القرآن عن هلاك الأمم الظالمة: "وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا" (الكهف: 59).
2-التراث السياسي الإسلامي (كمقولة عمر بن عبد العزيز).
3-الملاحظة التاريخية لصعود وسقوط الإمبراطوريات.
الفصل الثالث: المفارقة الكبرى: بين الغريزة والإرادة
إذا كان العدل بهذه الأهمية كضامن للسلام، فكيف نفسر أن التاريخ البشري هو تاريخ صراعات دموية كثيراً ما دارت حول العدل؟
1- "العدل الغريزي" في مملكة الحيوان: آلية حفظ النوع
تشير الدراسات في علم السلوك الحيواني إلى أن الحد من العنف المميت داخل النوع هو القاعدة. الصراعات تكون في الغالب طقسية وتنتهي بالهروب أو الخضوع. هذه "العدالة الغريزية" هي آلية تطورية لحفظ بقاء النوع، نظام توازن طبيعي لا واعٍ.
2- "العدل الإرادي" عند الإنسان: المثل الأعلى الذي يتحول إلى سلاح
قفز الإنسان بحرية إرادته فوق هذا الحاجز الغريزي، ليرفع العدل إلى مثل أعلى مجرد يمكن التضحية من أجله. وهذه الرفعة هي نفسها مصدر الصراع، للأسباب التالية:
1-تعدد وتعارض المفاهيم: بينما للحيوانات مفهوم غريزي واحد، للبشر آلاف التعريفات المتنافسة للعدل (المساواة المطلقة، الاستحقاق...).
2-تعقيد الدوافع واختلاطها: يختلط السعي للعدل بدوافع أخرى كالطمع، الحقد، الشعور بالحرمان النسبي، الهوى، والرغبة في الهيمنة، والتي تصبح المحرك الحقيقي للصراع.
3-القدرة على التنظيم والتسليح: مكّن العقل البشري من تحويل الصراع إلى حرب منهجية منظمة ذات دمار هائل.
وهكذا، فإن الصراع البشري من أجل "العدل" هو تعبير تراجيدي عن مفارقتنا الوجودية: حرية تجاوز الفطرة السلمية تُستخدم لخلق وتعقيد أشكال جديدة من الظلم، غالباً تحت الشعار النبيل ذاته.
نحو استعادة الفطرة بإرادة واعية
تخلص هذه الرحلة إلى نتيجة مفارقة: إن أعظم ما يميز الإنسان (العقل، الإرادة الحرة، التخيل) هو مصدر أعظم نزاعاته. التحدي الحضاري اليوم ليس اختراع مفاهيم جديدة، بل كيفية تطويع إرادتنا لتحقيق أبسط صور العدل. هذا يعني:
1-بناء أنظمة سياسية واقتصادية عادلة وشفافة.
2-تربية ضمير فردي وجماعي يرى في العدل فضيلة عملية يومية.
3-اعتماد الحوار والتسوية والتشريع كأدوات سلمية.
4-التواضع في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة حول العدل.
إنها دعوة للعودة إلى "الفطرة" الحافظة للحياة، ولكن بإرادة واعية واختيار أخلاقي. فقط عبر هذا الخيار يمكن تكسير الحلقة المفرغة التي جعلتنا نبحث عن السلام عبر حروب لا تنتهي.
#مصطفى_الخليل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟