أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - كيف تُعيد مناورات ترامب في السياسة الخارجية تشكيل العالم















المزيد.....


كيف تُعيد مناورات ترامب في السياسة الخارجية تشكيل العالم


كرار جمعة الامارة

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 00:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


TIME صحيفة
بقلم
برايان بينيت ونيك بوبلي
ماندل نغان — وكالة الصحافة الفرنسية/غيتي إيميجز
قبل أربعة أسابيع من بداية ولايته الثانية رئيسًا، طرح دونالد ترامب على نحوٍ مفاجئ فكرة استعادة قناة بنما. وكان قد مضى ربع قرن منذ أن تخلّت الولايات المتحدة رسميًا لبنما عن ملكية هذا الممر المائي الذي يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ. ومن خلال منشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي، أخلّ ترامب بتوازن علاقة كانت تبدو مستقرة، متهمًا بنما بفرض رسومٍ مبالغ فيها على السفن الأمريكية لقاء المرور، وبالسماح للصين—على نحوٍ متهوّر—بامتلاك نفوذٍ أكبر مما ينبغي في تشغيل القناة.
وبالنظر إلى الوراء، كانت تلك إشارة مبكرة إلى الكيفية التي كانت علاقة أمريكا ببقية العالم على وشك أن تتعرض بها لهزّة عميقة تصل إلى جذورها. فقد دفعت تهديدات ترامب القصوى مستشاريه في السياسة الخارجية إلى التحرك على عجل. ووفقًا لمسؤولٍ سابق في إدارة ترامب، بدأ المخططون العسكريون خلال أيام من حفل تنصيبه العمل على إعداد خيارات للسيطرة على القناة بالقوة. وحذّر ترامب قائلاً: «سنستعيدها، أو سيحدث أمرٌ بالغ القوة». وفي نهاية المطاف، لم تكن هناك حاجة لأي عملية عسكرية. إذ وافق رئيس بنما، خوسيه راؤول مولينو، بسرعة وبهدوء على سلسلة من التنازلات، شملت إعادة النظر في الاستثمارات الصينية داخل البلاد.
لكن على بُعد 800 ميل شرقًا، لم تكن تهديدات ترامب باستخدام القوة مجرد تكتيكٍ تفاوضي. فبعد نحو عامٍ كامل، وفي أعقاب أشهرٍ من تصاعد الضغوط على نظام نيكولاس مادورو، أجاز ترامب في أوائل يناير/كانون الثاني عمليةً عسكرية جريئة للقبض على الرجل القوي في فنزويلا—وهي خطوة قدّمها ترامب بوصفها، في آنٍ واحد، ضربةً لتجارة المخدرات ومحاولةً للسيطرة على احتياطات فنزويلا النفطية الهائلة. وقد مثّلت تلك العملية أكثر استخدامٍ للقدرة العسكرية الأمريكية تأثيرًا في نصف الكرة الغربي منذ عقود، كما كانت عرضًا صارخًا لاستعداد ترامب للتحرك بشكلٍ أحادي، من دون ذلك الجهد المضني لبناء التحالفات الذي كان، في الماضي، يميّز التدخلات الأمريكية في الخارج.
اتّسمت السياسة الخارجية لترامب في عامه الأول بعد عودته إلى البيت الأبيض بقدرٍ مذهل من الصراحة الفجّة. ففي تتابعٍ سريع، قصف مسلحين في اليمن ومنشآتٍ نووية إيرانية، ورعى وقفًا هشًا لإطلاق النار في غزة، وأجبر قادة أوروبا على زيادة إنفاقهم الدفاعي، وانتزع من الصين تعهّداتٍ تجارية واستراتيجية، وطالب الدنمارك بتسليم غرينلاند، وهدّد بفرض رسومٍ جمركية على ما يقارب كل شريكٍ تجاري رئيسي للولايات المتحدة.
كما خصّص مليارات الدولارات لإنقاذ رئيسٍ أرجنتيني، وأطلق سراح رئيسٍ هندوراسي سابق أُدين بالاتجار بالمخدرات، ووافق على ضرباتٍ أسفرت عن مقتل أكثر من 95 شخصًا على متن قوارب يُشتبه بأنها مرتبطة بتجارة المخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، ما أثار اتهامات بارتكاب جرائم حرب. وفي الأيام الأخيرة، ألمح ترامب إلى أن ضرباتٍ إضافية على إيران قد تكون وشيكة.

إن هذا الاتساع في نطاق النشاط—الذي لا يضاهيه أي رئيس أمريكي حديث—يمثل «عقيدة ترامب» وهي قيد التطبيق: القوة الأمريكية بوصفها أداة ضغط تُستخدم متى شاء، وقابلة للتبدّل وفق نزواته، ومركّزة لا في المؤسسات بل في شخص الرئيس نفسه.
لقد حوّلت دبلوماسية ترامب المحمومة—إن كان يصح أصلًا تسميتها دبلوماسية—السياسةَ الخارجية الأمريكية إلى أداءٍ منفرد، مطيحةً بالمؤسسة التقليدية للسياسة الخارجية التي وصفها أحد أسلافه بأنها «الكتلة المتحجرة» (the blob). غير أن أحد عناصر هذه المؤسسة هو الاستقرار. ويصف دبلوماسيون محترفون ومشرّعون أُجريت معهم مقابلات لهذه القصة تضاؤل دائرة النفوذ المحيطة بالمكتب البيضاوي، حيث يُختار المستشارون على أساس الولاء أكثر من الخبرة.
وقد أسفرت هذه النتائج عن زعزعة عالم الدبلوماسية العالمية الذي يتسم عادةً بالرصانة والهدوء، حيث إن حتى أصغر التغييرات غالبًا ما تتطلب تنسيقًا معقدًا يجري خلف الكواليس. ومع بزوغ عهد ترامب الثاني، شجّع مسؤولون أمريكيون كبار علنًا صعود الحركات اليمينية في أوروبا، ومرّروا تخفيضاتٍ مفاجئة ومُنهِكة في المساعدات الخارجية، ما أطلق تحذيراتٍ من دمارٍ واسع ووفياتٍ كان يمكن تجنّبها في العالم النامي.
ويقول السيناتور كريس فان هولِن، وهو ديمقراطي وعضو في لجنة العلاقات الخارجية: «نحتاج إلى دفاعٍ قوي، لكننا نحتاج أيضًا إلى الدبلوماسية، وإلى وزارة خارجية قوية ومنظمة، وإلى التنمية». ويضيف: «أما إدارة ترامب فقد شطبت عمليًا اثنين من هذه العناصر: الدبلوماسية والتنمية».
ويشير محللون إلى أن العملية الفوضوية التي ينتهجها ترامب تُنتج نتائج قد تكون مؤقتة وسريعة الزوال. ففي غزة، أوقف وقفُ إطلاق النار أسوأ موجات القتال، لكنه ترك مسألة نزع سلاح حماس دون حسم، وأبقى سؤال الانسحاب الإسرائيلي الكامل مفتوحًا على احتمالات متعددة. وفي أوكرانيا، تعرّض سعيُ ترامب إلى السلام لانتقاداتٍ واسعة باعتباره يعزّز موقف روسيا. كما أن بعض «اتفاقات السلام» الأقل شأنًا التي روّج لها ترامب قوبلت بالانتقاد بوصفها متعجّلة أو مبالغًا في الترويج لها.
لكن بينما قد تُعدّ عدم قابلية ترامب للتنبؤ مصدرَ عبءٍ، فهي أيضًا ورقةُ ضغطه. إذ يخشى قادة العالم غضبه، ويعدّلون سلوكهم لتجنّب استفزازه. وقد لا يكون هذا النهج مُسهمًا في بناء التحالفات الأكثر دوامًا، غير أن كثيرين يقرّون بأنه أفضى إلى تحقيق حراكٍ في ملفاتٍ واجهت فيها الإدارات السابقة جمودًا.
ويقول المؤرخ هال براندز، الذي يرى أن العام الأول للإدارة كان مزيجًا من إخفاقاتٍ ومكاسب في السياسة الخارجية: «الخيط الأكثر اتساقًا هو إيمان ترامب بأن الولايات المتحدة لم تُحسن استخدام قوتها عالميًا بالشكل الكافي». ويضيف: «المجالات التي نجح فيها ترامب وفق معاييره الخاصة كثيرةٌ إلى حدٍّ كبير. لكن السؤال هو: هل تلك النجاحات مفيدة فعلًا لموقع الولايات المتحدة على المدى الطويل؟».
عندما فازت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو بجائزة نوبل للسلام، واجهت مشكلة. فقد كان ترامب قد دأب على المطالبة بهذه الجائزة علنًا منذ عودته إلى المكتب البيضاوي. كما أصبحت إدارته داعمًا رئيسيًا لجهودها الرامية إلى إطاحة نظام نيكولاس مادورو واستعادة الديمقراطية في البلاد. وكان حلفاء ترامب قد بدأوا بالفعل بالتذمّر من أن لجنة نوبل تجاوزته. ويقول أحد المدافعين المخضرمين عن الديمقراطية في فنزويلا، والذي يتواصل معها باستمرار، إن ماتشادو كانت بحاجة إلى القيام بشيءٍ من «احتواء الأضرار».
اتصلت ماتشادو بترامب هاتفيًا في اليوم نفسه، وأبلغت الرئيس بأنها تُهدي الجائزة له. لكن هذه اللفتة لم تكن كافية. إذ شعر ترامب بأنه تعرّض للتجاهل من قِبل لجنة نوبل—وكذلك من قِبل ماتشادو لقبولها الجائزة. ويوم الخميس، وبينما تزور ماتشادو البيت الأبيض، سيراقب العالم ما إذا كان جزءٌ من حملتها لكسب وده—أو لاستمالته—سيتضمن تسليم جائزة نوبل الخاصة بها إلى ترامب.
وماتشادو ليست سوى أحدث شخصية بارزة تكافح للتعامل مع هوس ترامب بجائزة نوبل. فعلى مدى أشهر، كان قادة إسرائيل وباكستان وكمبوديا وأرمينيا وأذربيجان ومالطا وجمهورية الكونغو الديمقراطية قد أخبروا ترامب جميعًا بأنه يستحق نوبل، وقد تعمّد عددٌ منهم إظهار الأمر على نحوٍ استعراضي عبر “ترشيحه” رسميًا—وهو في الحقيقة تمرينٌ خطابي، إذ لا توجد عملية ترشيح رسمية.
وقد أكدت هذه الاستعراضات العلنية أحد التحوّلات الجوهرية في هذا العصر الجديد من السياسة الخارجية الأمريكية: إذ بات قادة العالم يتعاملون بصورة متزايدة مع إدارة مشاعر ترامب بوصفها أولويةً استراتيجية. فقادة أوروبا يبالغون في إطرائه علنًا؛ وبعضهم يتنافس سرًا على فعل ذلك. وقد أشار الأمين العام لحلف الناتو إلى ترامب بوصفه «الأب». وقدم وفدٌ سويسري لترامب سبيكةً ذهبية. كما أهدته قطر طائرةً بقيمة 400 مليون دولار، ما أثار إشارات تحذير أخلاقية جسيمة. وقد سافر عشرات الرؤساء ورؤساء الوزراء إلى واشنطن العام الماضي لإظهار مدى جدّيتهم في التعامل مع دعم ترامب.
ويقول مسؤول في البيت الأبيض إن ترامب استضاف أكثر من 40 رئيس حكومة أجنبي في البيت الأبيض خلال عام 2025، وهو ما يزيد على ضعفي العدد الذي استضافه جو بايدن في عامه الأول في المنصب.
فيما يرى مؤيدوه في ذلك دليلًا على توظيف ترامب لقوة الولايات المتحدة، بات قادة العالم يرون شيئًا آخر على نحوٍ متزايد: رئيسًا تتحول انفعالاته الشخصية—وخاصة نزقه واستياؤه—إلى عاملٍ جيوسياسي قائم بذاته.
ويقول خافيير كورّاليس، أستاذ العلوم السياسية في كلية أمهرست: «إنه يميل إلى التعامل مع الساحة الدولية بوصفه لاعبًا عقابيًا؛ سيعاملُك بقسوة إلى أن تحضر إليه بعرضٍ استثنائي».
الدليل الأبرز على هذا الطرح: استخدام ترامب الرسومَ الجمركية بوصفها أشبه بمطرقةٍ دبلوماسية. فبعد أن تعهّد برفع التعريفات على ما يقارب كل شريكٍ تجاري، أمضى جزءًا كبيرًا من العام وهو يُعيد هندسة الضرائب المفروضة على الواردات عبر طيفٍ واسع من السلع والبلدان. وقد وظّف ترامب التهديد بالرسوم الجمركية لتوجيه سلوك الهند وباكستان وكندا وأوروبا والمملكة المتحدة.
كما لوّح ترامب بتهديد التصعيد العسكري، وباحتمال حجب الدعم، لانتزاع زخمٍ في المفاوضات في المكسيك والشرق الأوسط وأماكن أخرى. وطالب البيت الأبيض في عهده بالحصول على حق الوصول إلى المعادن النادرة في أوكرانيا مقابل المساعدة الأمريكية. كذلك أبلغ ترامب مستشاريه أن دعم الدفاع الأوروبي سيغدو، على نحوٍ متزايد، مشروطًا بتعهداتٍ مادية لصالح مصنّعي السلاح الأمريكيين.
تعكس هذه التحركات رؤيةً للعالم تقوم على أن القوة الأمريكية تبادلية/صفقاتية بطبيعتها—ليست منفعةً عامة، بل أصلًا يمكن المتاجرة به. وتقول آنا كيلي، نائبة المتحدثة الصحفية باسم البيت الأبيض، إن قرارات السياسة الخارجية تُختزل في ضمان أن تكون الفائدة على الولايات المتحدة واضحة وملموسة. وتضيف: «تُتخذ جميع هذه القرارات من منظور “أمريكا أولًا”، ولها تأثيرات مباشرة في رفاه الشعب الأمريكي».
ومع ذلك، فإن مساعي ترامب في الشؤون الخارجية لا تلقى قبولًا واسعًا لدى قاعدته من أنصار حركة “ماغا”. فحتى مشرّعون كانوا شديدي الإخلاص له—مثل النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين—باتوا يشكون من أن ترامب يهتم أكثر بتلميع إرثه في الخارج من اهتمامه بخفض التكاليف في الداخل.
«أعتقد أن الرئيس عالق بين هذين الدافعين»، يقول جون هوفمان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط لدى معهد كاتو. «الأول هو عدم الانخراط في مستنقعاتٍ لا مخرج منها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الهيمنة الأمريكية. فإلى أيّهما يميل؟ إن إدارته تضم أشخاصًا يقفون على جانبي هذا الانقسام».
وقد تجلّى ذلك التوتر بوضوحٍ تام في استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الإدارة في ديسمبر/كانون الأول. فقد تضمّن هذا المستند، المؤلف من 33 صفحة، هجومًا مطولًا على أوروبا، واصفًا القارة بأنها مهددة بـ«المحو الحضاري»، وبأنها آيلة لأن تصبح «ذات أغلبية غير أوروبية». وبينما مضى الكونغرس قدمًا في مشروع قانون دفاعي يحظى بدعم الحزبين ويؤكد الالتزامات الراسخة تجاه حلف الناتو وغيره من الحلفاء، أعادت وثيقة الإدارة صياغة تلك الالتزامات نفسها بوصفها مشروطة: إذ لن تحصل أوروبا على استمرار الدعم الأمني الأمريكي إلا إذا رفعت إنفاقها الدفاعي، وسرّعت مساهماتها في برامج التسليح الأمريكية، ومواءمت سياستها التجارية مع الولايات المتحدة. وقد شعر حلفاءٌ أمضوا عقودًا يربطون أمنهم بالولايات المتحدة وكأنهم وُضعوا تحت المراقبة أو «فترة اختبار».
كان ردّ الفعل في أوروبا «قويًا للغاية وعاطفيًا للغاية»، تقول أماندا سلوت، التي شغلت منصب المديرة الأولى لشؤون أوروبا في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن. وتضيف: «سادت حالة حقيقية من الذهول إزاء الطريقة التي شنّ بها الرئيس الأمريكي—قائد بلدٍ ظلّ لعقودٍ الحليف الأقرب والأقوى لأوروبا—هذه الهجمات الواسعة عليهم».
ويقول النائب الجمهوري دون بيكون عن ولاية نبراسكا إن سياسة ترامب الخارجية تفتقر إلى «بوصلةٍ أخلاقية»، وإنها تعكس موقع الحزب الجمهوري قبل نحو قرن، حين جادل كثيرٌ من الجمهوريين ضد التورط في أوروبا حتى في الوقت الذي كانت القوى الفاشية تتمدّد. ويضيف بيكون: «إذا قرأتَ آراء كثير من الجمهوريين في ثلاثينيات القرن الماضي، فستشعر وكأنهم كانوا في آلة زمن وقفزوا إلى الأمام تسعين عامًا».
سيقضي ترامب عام 2026 وهو يواجه موعدًا نهائيًا ينذر بالخطر. إذ يعتقد محللو الاستخبارات الأمريكية أن زعيم الصين شي جينبينغ أصدر أوامر لجيش التحرير الشعبي ببناء القدرات العسكرية اللازمة لغزو تايوان بحلول عام 2027.
وكان جو بايدن قد تعهّد مرارًا، خلال رئاسته، بالدفاع عن تايوان في حال غزوٍ صيني. أما ترامب فكان أكثر تحفّظًا، غير أن إدارته قالت إنها تعمل على الحفاظ على «تفوقٍ كاسح» عسكريًا على الصين. لكن هناك أيضًا منافسة اقتصادية تجري في الخلفية. ففي خطابٍ ألقاه في سنغافورة خلال مايو/أيار، حذّر وزير الدفاع بيت هيغسيث الدول من توسيع روابطها الاقتصادية مع الصين، معتبرًا أن ذلك سيُعمّق «النفوذ الخبيث» لجمهورية الصين الشعبية ويجعل التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة أكثر صعوبة.
وقال هيغسيث: «هدفنا هو منع الحرب، وجعل كلفتها باهظةً للغاية، بحيث يصبح السلام الخيار الوحيد—وسنحقق ذلك عبر درعٍ قوي من الردع، نصوغه معًا وإياكم».
تعكس «استراتيجية الأمن القومي» التي أصدرتها الإدارة هذا التحوّل. فهي تتعامل مع الصين أساسًا بوصفها منافسًا اقتصاديًا أكثر منها خصمًا أيديولوجيًا، مُقدِّمةً اعتبارات التجارة وسلاسل الإمداد وإتاحة الوصول إلى الأسواق على القيم أو أنماط الحكم.
وتُفرد الوثيقة تايوان بالذكر—إذ تصفها بدرجةٍ أقل بوصفها شريكًا ديمقراطيًا، وبدرجةٍ أكبر بوصفها نقطة ارتكاز استراتيجية؛ فموقعها الجغرافي وممراتها البحرية وإنتاجها لأشباه الموصلات يملكون وزنًا اقتصاديًا وعسكريًا هائلًا.
يؤكد كثيرٌ من مسؤولي إدارة ترامب أن مناورة الصين والتفوّق عليها كانت، في نظرهم، الأولوية القصوى منذ البداية. فقد دفع التهديد باستعادة قناة بنما ذلك البلد إلى الاقتراب أكثر من دائرة النفوذ الأمريكي. كما أن حزمة الإنقاذ البالغة 20 مليار دولار التي قُدّمت للرئيس الأرجنتيني الليبرتاري خافيير ميلي حالت دون لجوء بوينس آيرس إلى الصين للحصول على رأس المال الذي كانت بحاجةٍ إليه. أما جهوده في فنزويلا فتهدف إلى إخراج الاستثمارات الصينية من قطاع النفط هناك.
لكن بعض الاستراتيجيين المؤيدين لترامب يطرحون تساؤلاتٍ حول تركيز الإدارة. فمع أن ترامب أبقى على اتفاق الغواصات الذي أبرمه بايدن مع أستراليا—بما يحافظ على ركيزةٍ أساسية للردع الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ—فإن مقاربته تجاه الصين، في جوانب أخرى، بدت أكثر صفقاتية وتبادلية.
«نحن منخرطون في منافسةٍ بين قوى كبرى مع الصين»، تقول كاثرين طومسون، التي شغلت منصب مستشارةٍ عليا مساعدة في البنتاغون في وقتٍ مبكر من الولاية الثانية لترامب. «لكن للأسف، بعد عشرة أشهر، أصبحنا مشتتين على نحوٍ كبير».
وفي يونيو/حزيران، وافق حلفاء الناتو على رفع هدفهم السنوي للإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مُذعنين في مسألة ظلّ ترامب يلحّ عليها لسنوات. وكان ذلك نجاحًا يراه ترامب دليلًا على أن أسلوبه القائم على عقد الصفقات يمكن أن يثمر. كما أنه قد يتيح للولايات المتحدة نقل مزيدٍ من الموارد إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
يقول تومبسون إن جرأة ترامب تؤتي ثمارها على أفضل وجه عندما يضع هدفًا واضحًا ويتابع تنفيذه حتى النهاية. وقد شبّهت تعامله مع بنما ومع مقاتلي الحوثي في اليمن—حيث أفضى هذا الوضوح إلى إنجازات ملموسة—بحالاتٍ مثل فنزويلا. وتضيف: «هنا يبدأ شعار “أمريكا أولًا” ومانترا ترامب في السياسة الخارجية بالتعثر». وتتابع: «حين لا تتوفر نيةٌ رئاسية واضحة، ولا تُرسَم حدودٌ دقيقة لما هو مسموح وما هو غير مسموح».
ويقول بيكون إن حلفاء الولايات المتحدة في المحيط الهادئ يراقبون قرارات ترامب في أماكن أخرى ويستخلصون استنتاجاتهم الخاصة. «إنهم يرون تصريحاته بشأن أوكرانيا وحلف الناتو، وربما يتساءلون: ماذا يعني ذلك بالنسبة لهم؟» يقول بيكون، ملمّحًا إلى أن بكين قد تطرح سؤالًا أكثر مباشرة: هل يشير الغموض الأمريكي في أوروبا إلى فرصةٍ سانحة في آسيا؟ ويضيف بيكون: «لو كنتُ رئيسًا، لكنتُ سأضمن الآن أن تمتلك تايوان الأسلحة التي تحتاجها للردع، لأن اليوم الأول من الحرب يكون قد فات الأوان عنده».
في الداخل، تراجعت نسبة التأييد لترامب في ديسمبر/كانون الأول إلى 36%. وتفرض شعبيته المتدنية سقفًا لما يمكنه إنفاقه من رصيدٍ سياسي على أهدافٍ دولية. لكن ترامب يصرّ على أن دبلوماسيته الممتدة عبر العالم ليست منفصلة عن السياسة الداخلية، بل هي جزءٌ منها.
فهو يرى نفسه ينتزع من دول الخليج تعهّداتٍ استثمارية لدعم التصنيع وتطوير التكنولوجيا داخل الولايات المتحدة. ويريد فتح احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة أمام إنتاج الطاقة الأمريكي. كما جعل زيادة الاستثمارات الأوروبية في الدفاع جزءًا من الثمن المطلوب مقابل دعم أوكرانيا
مع اقتراب نهاية عامه الأول بعد عودته إلى البيت الأبيض، يقول ترامب إنه يريد في عامه الثاني سلسلةً من الصفقات التاريخية: سلامًا دائمًا في غزة، وإنهاء الحرب في أوكرانيا، وانتزاع تنازلاتٍ من الصين بشأن التجارة والمعادن.
كما يتعهّد بإبقاء فنزويلا راسخةً داخل دائرة النفوذ الأمريكي—في تحديثٍ لـ«مبدأ مونرو» في القرن التاسع عشر، أطلق عليه اسم «عقيدة دونرو» (Donroe Doctrine). وإذا حقّق حتى جزءًا يسيرًا من ذلك، فسيبدو العالم مختلفًا. ومن المؤكد أن الأشهر الاثني عشر المقبلة ستختبر ما إذا كان نهجه الخشن في إدارة الشؤون الدولية سيُفضي إلى مكاسب قابلة للاستدامة—أم أنه لن يفعل سوى احتضان حالةٍ أعمق من عدم الاستقرار العالمي.

«إذا انتهى بنا الأمر إلى سيناريو تبقى فيه علاقات التحالف الأمريكية قائمة، لكن الجميع يدفع أكثر بكثير ويستثمر أكثر بكثير في الدفاع—فليست تلك أسوأ نتيجةٍ ممكنة في العالم»، يقول براندز. غير أن هذا التقييم يأتي مصحوبًا بتحذير: فاستعراض ترامب للثقة والقوة قد يهدد بتقويض الثقة في التحالفات ذاتها التي شكّلت ركيزة استمرار النفوذ الأمريكي.
فإذا بدأ الحلفاء يعتقدون أن «الولايات المتحدة، في جوهر الأمر، لن تكون موجودة عندما تندلع أزمة أمنية»، يقول براندز، «فحينها نكون أمام إعادة ترتيبٍ جيوسياسي أكبر بكثير وأكثر اضطرابًا».
https://url-shortener.me/8GCI



#كرار_جمعة_الامارة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف جعلت القوة العسكرية الإيرانية ترامب يعيد حساباته تبدّلت ...
- غلام حسين سعيدي: رمز المقاومة ضد الإمبريالية والرجعية الملكي ...
- ثورة النفط والغاز الصخري، الإمبريالية الطاقوية الأمريكية، وت ...
- قراءة وتحليل في الادب البلزاكي / رواية الجلد المسحور ( جلد ا ...
- قراءة في رواية الأوهام المفقودة لبلزاك: رصد تحوّلات المجتمع ...


المزيد.....




- لماذا أثار-مجلس السلام- بغزة انتقادات في إسرائيل؟
- كأس الأمم الإفريقية في المغرب: نجاح لم يكتمل؟
- اتفاق وقف إطلاق النار بين دمشق وقوات قسد: دمجٌ للأكراد أم فر ...
- العليمي يؤكد ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اليمنية
- إسرائيل تقرر عدم فتح معبر رفح في الوقت الراهن رغم مطالبة واش ...
- رجال دين أميركيون بارزون يدينون سياسة واشنطن الخارجية
- الدعم السريع يعلن توغل قواته في تشاد ويأسف للاشتباك -عن طريق ...
- إخراج منازل من تحت تراكمات ثلجية عميقة في كامتشاتكا الروسية ...
- منظومة دفاع جديدة في أوكرانيا.. وتحذير من ضربة روسية كبيرة
- اتهامات للجيش السوداني بارتكاب مجازر بحق المدنيين في كردفان ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - كيف تُعيد مناورات ترامب في السياسة الخارجية تشكيل العالم