أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة في ظل النفوذ الإيراني














المزيد.....

العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة في ظل النفوذ الإيراني


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 18:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يُظهر المسار السياسي والمؤسسي للدولة العراقية بعد عام 2003 أن الأزمة القائمة لا يمكن تفسيرها بوصفها إخفاقًا إداريًا أو تعثّرًا مرحليًا في الانتقال الديمقراطي، بل بوصفها نتيجة بنيوية لتفكك السيادة وتحوّل الدولة إلى كيان محدود الإرادة. في هذا السياق، شكّل النفوذ الإيراني أحد العوامل المركزية في إعادة إنتاج هذا الاختلال، لا من خلال احتلال مباشر، بل عبر نمط أكثر تعقيدًا يقوم على الهيمنة غير المباشرة بواسطة وكلاء محليين.
من منظور نظري، تقترب الحالة العراقية من نموذج “الدولة الفاشلة” بالمعنى الوظيفي لا الشكلي. فالدولة لا تزال قائمة من حيث المؤسسات والدستور، لكنها فقدت قدرتها الفعلية على احتكار العنف المشروع، وضبط المجال العام، وفرض القرار السياسي المستقل. إن وجود فاعلين مسلحين خارج السيطرة المركزية، يتمتعون بشرعية موازية ودعم خارجي، يفرغ مفهوم الدولة من مضمونه السيادي، ويحوّلها إلى إطار إداري هش يعمل ضمن حدود مرسومة سلفًا.
ضمن هذا الفراغ البنيوي، برزت الهيمنة الإيرانية بوصفها نموذجًا كلاسيكيًا لما تُسميه أدبيات العلاقات الدولية “الهيمنة بالوكالة”. فإيران لم تُدِر نفوذها في العراق عبر الإدارة المباشرة أو الضمّ السياسي، بل عبر شبكة من الأحزاب والميليشيات التي أدّت وظيفة الوكيل السياسي والأمني. وقد أتاح هذا النموذج لطهران التأثير العميق في القرار العراقي دون تحمّل كلفة السيادة أو المسؤولية القانونية، مع الحفاظ على هامش إنكار رسمي دائم.
تجلّى هذا النمط من الهيمنة في لحظات سياسية حاسمة، حين باتت تسوية النزاعات الكبرى داخل النظام السياسي العراقي تتم خارج الأطر الدستورية، وبحضور فاعلين أمنيين إقليميين، في مؤشر واضح على تآكل الاستقلالية الوطنية. كما أظهرت قوى سياسية عراقية نافذة استعدادًا بنيويًا للتكيّف مع المصالح الإيرانية، حتى عندما تعارضت بوضوح مع المصلحة العامة أو مع فكرة الدولة ذاتها. وقد أسهم هذا السلوك في ترسيخ اختلال ميزان القوة لصالح حلفاء طهران، وتحويلهم إلى مركز ثقل دائم داخل النظام السياسي.
على المستوى الأمني، شكّلت الميليشيات المدعومة من إيران العمود الفقري لهذا النموذج الهجين. فهي لا تمثّل جماعات خارجة عن النظام، ولا قوات نظامية خاضعة للمساءلة، بل كيانات تقع في المنطقة الرمادية بين الدولة واللا-دولة. ويُدرج هذا النمط ضمن ما يُعرف نظريًا بـ”العنف شبه الرسمي”، أي العنف الذي يُمارَس خارج الإطار القانوني، لكنه يجري بعلم الدولة أو بعجزها المتعمّد عن منعه.
لقد استُخدم هذا العنف شبه الرسمي بوصفه أداة ضبط اجتماعي وسياسي، سواء عبر قمع الاحتجاجات الشعبية، أو اغتيال الناشطين، أو ترهيب المجال العام، مع إتاحة إمكانية إنكار المسؤولية الرسمية. وبهذا، جرى تفريغ مبدأ سيادة القانون من محتواه، وتحويل العنف إلى وسيلة حكم غير مُعلنة، تُدار بالواسطة لا بالمؤسسات.
انعكس هذا الواقع البنيوي على وعي المواطن العراقي، الذي لم يعد ينظر إلى هذه التشكيلات المسلحة بوصفها قوى وطنية، بل باعتبارها أدوات قسر تحمي نظامًا سياسيًا فاقدًا للشرعية الشعبية. ومن هنا، لم يعد الغضب موجّهًا فقط ضد النخب الحاكمة، بل اتخذ طابعًا صريحًا مناهضًا للدور الإيراني بوصفه شريكًا مباشرًا في إنتاج هذا النموذج السلطوي التابع.
أما في البعد الاجتماعي–الثقافي، فقد أفضى غياب الدولة الضابطة إلى إعادة تشكيل المجال العام على أسس طقوسية. فبعد 2003، أُطلقت حرية ممارسة الشعائر الدينية دون إطار مؤسسي ينظم علاقتها بالحياة العامة. ومع الزمن، تحوّلت هذه الحرية إلى هيمنة رمزية شاملة، أعادت إنتاج المجتمع حول منطق التعبئة الدينية والحزن المستدام. تعطّلت الدورة التعليمية والاقتصادية في مدن كاملة، وتحولت المدارس ومرافق التدريب العسكري إلى فضاءات طقسية، في دلالة واضحة على انهيار الحدود بين الديني، والتعليمي، والعسكري.
ترافق ذلك مع تراجع منهجي لمكانة البرامج العلمية داخل المؤسسات التعليمية، مقابل تصاعد البرامج الدينية بوصفها أداة للضبط الاجتماعي لا للتنشئة النقدية. كما أسهم الحضور المكثف لرجال الدين داخل الجامعات والثكنات العسكرية في تكريس نموذج سلطة هجينة، تمزج بين الشرعية الدينية والقوة القسرية، وتُضعف الأسس المفهومية للدولة المدنية الحديثة.
في المحصلة، تكشف الحالة العراقية عن تداخل خطير بين دولة معطوبة بنيويًا، وهيمنة إقليمية تُدار بالوكالة، وعنف شبه رسمي يُستخدم كآلية حكم. وهي أزمة لا يمكن اختزالها في فشل داخلي أو تدخل خارجي منفرد، بل هي نتاج تفاعل بين الاثنين. إن استمرار هذا النموذج لا يعني فقط إدامة أزمة الحكم، بل يرسّخ مسار تفكيك الدولة وتحويلها إلى كيان وظيفي تابع، عاجز عن إنتاج سيادة فعلية أو مشروع وطني جامع.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة
- كاظم الحائري، نظرية الكفاح المسلح، والانتظار المهدوي – قراءة ...
- لا يهم أن كنت فقيرًا في الدنيا… كيف تُستخدم اللغة الدينية لإ ...
- الحرب على الفرح في العراق: حين يتحوّل التحريم إلى مشروع سلطة
- «المسلم في أوروبا: قراءة في التوترات العميقة للاندماج»
- خطاب أحمد البشير: كيف تتحوّل السخرية إلى أداة لقراءة الواقع ...
- ظاهرة احمد البشير: كيف تحوّل الإعلام الساخر إلى قوة نقدية في ...


المزيد.....




- ترامب: لست ملزماً بـ-التفكير في السلام فقط-.. وهذا ما قاله ب ...
- أوروبا لا تستبعد الرد بـ-البازوكا- على تعريفات ترامب.. ماذا ...
- معاذ حمدي: -طيار- ديليفري يحمل طفلا مصريا بدل طلبية
- إسبانيا.. 39 قتيلا في حادث تصادم قطارين فائقي السرعة ورئيس ا ...
- نهائي كأس أمم أفريقيا: انسحاب السنغال، تدخل ساديو ماني وضياع ...
- على وقع الاحتجاجات.. دبلوماسي إيراني رفيع يطلب اللجوء إلى س ...
- رد انتقامي صيني على رسوم ترامب الجمركية على شركاء إيران التج ...
- بين الحرب والتفاوض.. واشنطن تحشد وطهران تعزز تحالفاتها
- مكاسب تركيا من اتفاق سوريا مع -قسد-
- -سوريا رح تنور-.. تفاعل بالمنصات بعد اتفاق الدمج واستعادة ال ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة في ظل النفوذ الإيراني