أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميساء المصري - إيران على حافة العالم، حين تتحول التهديدات إلى اختبار لنظام الهيمنة














المزيد.....

إيران على حافة العالم، حين تتحول التهديدات إلى اختبار لنظام الهيمنة


ميساء المصري
(Mayssa Almasri)


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 18:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست إيران اليوم مجرد دولة موضوعة تحت المجهر، بل عقدة استراتيجية تختبر عبرها الولايات المتحدة وحلفاؤها حدود القوة، ومعنى الردع، وإمكانات فرض الإرادة في عالم لم يعد أحادي القطب. كل ما يجري من تهديدات أمريكية، وهوس إعلامي، وتسريبات عسكرية، لا يمكن قراءته بوصفه تمهيدًا تقليديًا لحرب، بل باعتباره جزءًا من لعبة أعصاب كبرى، عنوانها الصمود مقابل الاستنزاف، والزمن مقابل التفوق التكنولوجي.
اللافت في المشهد ليس ارتفاع نبرة التهديد، فهذا بات تقليدًا أمريكيًا مستهلكًا، بل حالة الترقب الإقليمي والدولي التي توحي وكأن الجميع يستعد لحدث جلل لا يقع. هنا تتبدى المفارقة، كلما ارتفع منسوب التهديد، تراجعت احتمالات الضربة الشاملة. و السبب بسيط في ظاهره، عميق في جوهره، إيران ليست هدفًا عسكريًا تقليديًا، بل نظامًا عقديًا سياسيًا متجذرًا، يمتلك قدرة عالية على امتصاص الصدمات وتحويل الخطر الخارجي إلى طاقة تعبئة داخلية.
الولايات المتحدة تدرك أن مشكلتها مع إيران ليست جغرافية ولا ديموغرافية، بل نموذجية. النظام الإيراني يمثل تحديًا مباشرًا لفكرة الهيمنة السلسة، ويقدّم مثالًا مقلقا لدول المنطقة مفاده أن الخروج عن الطاعة لا يعني بالضرورة الانهيار. من هنا، يصبح إسقاط النظام الهدف الحقيقي، لا تدمير الدولة. لكن هذا الهدف يصطدم بحقيقة تاريخية مختلفة ، الأنظمة التي تستند إلى عقيدة وهوية وصراع وجودي نادرًا ما تسقط بالقصف الجوي.
في هذا السياق، تتوزع الخيارات الأمريكية نظريًا بين ثلاثة مسارات، ضربة محدودة دقيقة، حرب شاملة، أو ضغط طويل النفس. الحرب الشاملة تكاد تكون مستحيلة سياسيًا واقتصاديًا، لأنها تعني اضطراب أسواق الطاقة، وإغلاق الممرات البحرية، واشتعال ساحات متعددة من لبنان إلى الخليج، وربما جرّ قوى كبرى إلى المواجهة. أما الضربات المحدودة، ورغم إغراءاتها التكتيكية، فهي سيف ذو حدين، إذ قد تؤدي إلى إعادة توحيد الداخل الإيراني، ومنح النظام شرعية صمود إضافية. يبقى الخيار الثالث، الاستنزاف البطيء، وهو الخيار المفضل للدولة العميقة الأمريكية، لأنه الأقل كلفة والأطول أثرًا.
تأجيل أي هجوم مباشر ليس علامة ضعف، بل اعتراف ضمني بحدود القوة. حتى داخل المؤسستين العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة وإسرائيل، هناك إدراك متزايد بأن القوة الجوية وحدها لا تُسقط أنظمة، وأن أي مغامرة غير محسوبة قد تنقلب إلى مستنقع سياسي داخلي، خصوصًا في ظل حسابات الانتخابات والانقسامات الحادة داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
اللاعب الإيراني، من جانبه، لا يتصرف بوصفه طرفًا محاصرًا ينتظر الضربة، بل كفاعل استراتيجي يستثمر الزمن. قدرته الصاروخية، وشبكة تحالفاته، وتماسكه الأمني الداخلي، كلها عناصر تشكل منظومة ردع مركبة. وحتى التسريبات عن اختبارات صاروخية بعيدة المدى، إن صحت، لا يمكن فصلها عن هذا الإطار، فهي رسائل محسوبة لا تهدف إلى الحرب، بل إلى منعها، عبر رفع كلفة التفكير فيها إلى مستوى غير مقبول.
الأخطر في المشهد ليس احتمال الضربة، بل البيئة النفسية والسياسية التي تُصنع حولها. المنطقة تُدار اليوم بمنطق الفوضى المضبوطة، حيث تُستخدم التهديدات لإعادة ترتيب الخرائط، واستنزاف المجتمعات، ودفع الشعوب نحو الهجرة، وتفريغ الجغرافيا من عناصر القوة البشرية، تمهيدًا لأشكال جديدة من السيطرة الاقتصادية والسياسية. في هذا الإطار، تصبح إيران عقدة مركزية، لأن كسرها يعني فتح الباب واسعًا أمام إعادة تشكيل الإقليم برمته.
لكن ما يغفله كثيرون أن العنف المفرط غالبًا ما ينتج أنظمة أكثر صلابة، لا أقل. أي محاولة لإعادة تشكيل إيران بالقوة قد تفضي إلى نسخة أكثر تشددًا، وأكثر نزوعًا للثأر، وأقل قابلية للاحتواء. لهذا، تبدو التهديدات الأمريكية أقرب إلى اختبار صبر، ومحاولة تطويع، لا إلى قرار حرب نهائي.
في المحصلة، نحن أمام صراع إرادات طويل الأمد، لا تحسمه الصواريخ وحدها، بل القدرة على إدارة الزمن، وقراءة التحولات، وتجنب الأخطاء القاتلة. إيران تدرك أن أخطر ما قد تواجهه ليس الضربة، بل سوء التقدير. وأمريكا تدرك أن أخطر ما قد ترتكبه ليس التراجع، بل الانزلاق. بين هذا وذاك، تستمر لعبة الصمود والتهديد، فيما العالم يراقب، ليس خوفًا من حرب قادمة، بل من نظام دولي يعاد تشكيله على إيقاع الأزمات...



#ميساء_المصري (هاشتاغ)       Mayssa_Almasri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تصنيفات الإرهاب المالية بالفروع أيضا، حين تتحول الخزانة الأم ...
- إيران على حافة الانفجار… عندما يلتقي خداع النفط مع جنون القو ...
- العالم على حافة المصادرة الكبرى، حين تتحوّل القوة إلى قانون ...
- سوريا في العقل الأمريكي، دولة تُدار كي لا تُحسم
- واشنطن تُعلن نهاية وادي عربة.. ونتنياهو يغيّر وجه القدس إلى ...
- اقتراب هدم الأقصى حين تتحرك صفقة القرن 2 ويغيب العرب
- كيف حوّلت حماس خطة ترامب إلى مأزق سياسي
- إحذروا ، شرارة الحرب ، من خطط مبرمجة إلى حريق إقليمي .
- طبول حرب في سيناء .. هل تندلع ؟
- عملية الكرامة اليوم تفجر المرحلة الثانية من مخطط (الحارس الج ...
- من قلب الدوحة… تُعلِنها إسرائيل : الشرق الأوسط ساحة نار وسيا ...
- إحذروا : داعش بثوب جديد لتنفيذ صفقة القرن 2
- الأردن .. يا أصحاب القرار لا مناطق رمادية بعد اليوم
- فخ الغاز والدم نحو فيتنام الشرق الأوسط وعزل مصر الكامل
- الأردن على خط النار بين الضم الزاحف وشرعنة الإقليم
- الأردن بين فخ إسرائيلي ناعم وحدود مفتوحة على الخطر
- ورقة الدُّرْز، الجبل الذي ستزرع فيه إسرائيل علمها.
- الفلسطيني في دول الشرق الأوسط… اللاجئ الذي خُطف مرتين
- العراق: من يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟
- التطبيع أولًا... والفاتورة إيرانية المصدر


المزيد.....




- ترامب: لست ملزماً بـ-التفكير في السلام فقط-.. وهذا ما قاله ب ...
- أوروبا لا تستبعد الرد بـ-البازوكا- على تعريفات ترامب.. ماذا ...
- معاذ حمدي: -طيار- ديليفري يحمل طفلا مصريا بدل طلبية
- إسبانيا.. 39 قتيلا في حادث تصادم قطارين فائقي السرعة ورئيس ا ...
- نهائي كأس أمم أفريقيا: انسحاب السنغال، تدخل ساديو ماني وضياع ...
- على وقع الاحتجاجات.. دبلوماسي إيراني رفيع يطلب اللجوء إلى س ...
- رد انتقامي صيني على رسوم ترامب الجمركية على شركاء إيران التج ...
- بين الحرب والتفاوض.. واشنطن تحشد وطهران تعزز تحالفاتها
- مكاسب تركيا من اتفاق سوريا مع -قسد-
- -سوريا رح تنور-.. تفاعل بالمنصات بعد اتفاق الدمج واستعادة ال ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميساء المصري - إيران على حافة العالم، حين تتحول التهديدات إلى اختبار لنظام الهيمنة