أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناظم زغير التورنجي - قراءة ماركسية في أطروحة صبحي الجميلي














المزيد.....

قراءة ماركسية في أطروحة صبحي الجميلي


ناظم زغير التورنجي

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 09:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التغيير المؤجَّل بوصفه أيديولوجيا
أبوحازم التورنجي
لا يمكن مقاربة نص صبحي الجميلي(التغيير أستحقاق تفرضه حاجة البلد المنشور يوم الأحد18 كانون 2 ) خارج موقعه الطبقي والأيديولوجي. فهو لا يمثّل مجرد اجتهاد سياسي معزول، بل يعبّر عن نمط تفكير متجذّر في وعي البرجوازية الصغيرة العراقية، تلك التي تدرك عمق الأزمة البنيوية للدولة، لكنها تعجز عن الذهاب إلى نهاياتها المنطقية خوفًا من القطيعة والصراع المفتوح. ومن هنا تتولّد المفارقة: تشخيص حاد للخراب، يقابله اقتراح تغيير منزوع السلاح الطبقي.
يعترف الجميلي، بوضوح نسبي، بأن السلطة محتكرة من قبل أقلية متنفذة، مسلحة، متحالفة مع الخارج، وتستند إلى ما يُسمّى بـ«الدولة العميقة». غير أن هذا الاعتراف لا يُترجَم إلى استنتاج ماركسي بديهي: نحن أمام تحالف طبقي ريعي–كومبرادوري تشكّل بعد 2003، أعاد إنتاج الدولة بوصفها جهازًا للنهب المنظم، لا إطارًا محايدًا للصراع السياسي. إن تجاهل هذه الحقيقة، أو تمييعها بلغة وطنية عامة، هو أول أشكال الانزلاق الأيديولوجي في النص.
ففي المنهج الماركسي، لا تُفهم الدولة كأداة توافق، بل كأداة هيمنة طبقية. والدعوة إلى «تغيير منظم وسلمي» في ظل دولة تحتكرها قوى السلاح والمال والريع، ليست سوى إنكار لطبيعة الدولة ذاتها. إن هذا الطرح لا يتجاوز حدود الإصلاحية الأخلاقية، ويعيد إنتاج الوهم الليبرالي القائل بإمكانية تحييد جهاز الدولة أو إعادة توجيهه من دون كسر علاقات القوة التي تحكمه.
ويبلغ الانحراف النظري ذروته في تشييء الوعي. فالوعي، في نص الجميلي، يتحول إلى قوة شبه مستقلة عن شروطها المادية، وكأنه كيان قائم بذاته، قادر على فرض التغيير عبر “الارتقاء” و”التراكم”. هذه مثالية فجّة تتناقض مع المادية التاريخية، التي ترى الوعي نتاجًا للبنية التحتية، وللصراع الاجتماعي، لا بديلًا عنه. فالوعي الذي لا يُترجم إلى تنظيم طبقي، وإلى أدوات صراع ملموسة، يظل وعيًا معلقًا في الفراغ، قابلًا للاستنزاف أو الاحتواء.
الأخطر من ذلك هو تغييب الصراع الطبقي لصالح ثنائية مضلِّلة: “أقلية حاكمة” مقابل “أغلبية شعبية”. فهذه الصيغة الشعبوية تمحو الفوارق داخل المجتمع، وتطمس حقيقة أن الصراع في العراق هو بين كتل طبقية محددة: من جهة، تحالف ريعي–ميليشياوي–كومبرادوري يحتكر الثروة والقوة؛ ومن جهة أخرى، طبقات عاملة ووسطى مسحوقة، مفككة، بلا تمثيل سياسي مستقل. إن الحديث عن “إرادة الأغلبية” من دون تحديد مضمونها الطبقي، ليس سوى خطاب تعبوي بلا برنامج.
كما أن الدعوة إلى “وحدة قوى التغيير” تكشف أزمة أخرى في النص: وحدة بلا خط فاصل مع البرجوازية الطفيلية، وبلا برنامج اقتصادي–اجتماعي يعيد توزيع الثروة والسلطة. في المنظور الماركسي، لا تُبنى الوحدة على النوايا، بل على المصالح الطبقية المشتركة. وكل وحدة تتجاهل هذه الحقيقة، تتحول إلى تحالف هش، قابل للاختراق والتفكك عند أول اختبار.
ومن منظور المادية التاريخية أيضًا، فإن الإصرار على توصيف التغيير بوصفه عملية بطيئة، تَراكُمية، طويلة النفس، في سياق أزمة دولة شاملة، ليس قراءة موضوعية للواقع، بل تعبير عن خوف البرجوازية الصغيرة من القطيعة الثورية. فهذه الطبقة، بحكم موقعها المتذبذب، تميل إلى تأجيل الحسم، وإلى تحويل التغيير إلى أفق أخلاقي مفتوح، بدل أن يكون صراعًا سياسيًا محدد الأهداف.
إن ما يغيب تمامًا عن نص الجميلي هو السؤال الجوهري: كيف تُنتزع السلطة؟ وكيف يُعاد بناء جهاز الدولة على أساس جديد؟ فبدون طرح مسألة السلطة، يظل كل حديث عن المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية خطابًا فوقيًا، منفصلًا عن الشروط المادية لتحقيقه.
في الخلاصة، تمثّل أطروحة صبحي الجميلي نموذجًا كلاسيكيًا لخطاب أيديولوجي إصلاحي في زمن أزمة ثورية غير ناضجة: خطاب يقرّ بانهيار القديم، لكنه يعجز عن تخيّل ولادة الجديد. إنها رؤية تعترف بالاستغلال، لكنها ترفض تسمية أدوات كسره. والتغيير، من منظور ماركسي، ليس مسألة وعي مجرد، ولا صبر تاريخي، بل فعل صراعي منظّم يستهدف البنية الطبقية للسلطة، ويعيد صياغة الدولة بوصفها تعبيرًا عن مصالح الأغلبية الكادحة. وما دون ذلك، ليس إلا إعادة إنتاج للوهم تحت مسمّيات جديدة.
يتبع الحلقة الثانية



#ناظم_زغير_التورنجي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الماركسية المعلَنة والممارسة الواقعية
- التناقض بوصفه عقيدة: حين يتحوّل النفاق إلى سياسة رسمية
- بين جرأة التشخيص وحدود المقاربة الرفيق رشيد غويلب
- الإمبريالية حين تبدل أقنعتها: من هتلر إلى ترامب
- الوطن والطاغية والأمبريالية
- الحزب الشيوعي العراقي والماركسية في المرحلة الراهنة
- بين غزو العراق 2003 والتدخل الأمريكي الحالي في فنزويلا
- «دور التكتيك الصائب في تحقيق النصر الاستراتيجي»
- تشي جيفارا بين الثورة المصدَّرة والنظرية الماركسية
- قراءة نقدية
- كيف ستبدو مهمة الكولوبيل ستيفاني الأمريكية في العراق
- من الصراع من أجل الفوز إلى الصراع من أجل البقاء
- المثقف العراقي الى أين ؟
- ليس فقط أنهيار الزراعة في العراق بل الموت عطشا !
- الأراضي العراقية الممنوحة او المسلوبة
- المشهد الثقافي العراقي بين تقديس الغيبيات والولائية السلطوية ...
- التغاضي الأمريكي عن أنتهاكات حقوق الأنسان في العراق
- ارصدة الدولة العراقية( من عائدات النفط )تحت سيطرة وتحكم الول ...
- النفط العراقي في منظار السياسة الأمريكية
- وضع المرأة العراقية في ظل قوانين الأحوال الشخصية


المزيد.....




- -كانت لا تتحرك-.. إنقاذ جِراء فقدت وعيها إثر -جرعة مخدر زائد ...
- الجيش السوري يُسيطر على مناطق واسعة كانت تحكمها -قسد-.. هذا ...
- -هروب عائلات داعش من مخيم الهول-.. ما حقيقة الفيديو المتداول ...
- أسبوع مضى على قرار إخلاء سبيلهما.. نطالب وزارة الداخلية بالإ ...
- ترامب يربط -أمن العالم- بالسيطرة على غرينلاند.. ورسالة غير م ...
- بالصور.. فاجعة قرب قرطبة: مشاهد مروّعة لأول حادث تصادم قطارا ...
- اجتماع إسرائيلي بعد اعتراض نتنياهو على تركيبة -مجلس السلام- ...
- إندونيسيا تعثر على حطام طائرة استطلاع مفقودة
- شخصيات دعاها ترمب للانضمام إلى مجلس سلام غزة
- -الجنوب اليمني- يحتمي بالرياض ويهتف بسلام دولته


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناظم زغير التورنجي - قراءة ماركسية في أطروحة صبحي الجميلي