أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - إيران بين غضب الخبز وضغوط الخارج: احتجاجات مفتوحة على كل الاحتمالات














المزيد.....

إيران بين غضب الخبز وضغوط الخارج: احتجاجات مفتوحة على كل الاحتمالات


قاسم محمد داود
كاتب

(Qasim Mohamed Dawod)


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 09:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


رغم تباين حدّة الاحتجاجات في بعض المدن خلال الأيام الأخيرة، فإن المشهد الإيراني لا يزال محكومًا بأزمة بنيوية عميقة تتجاوز الطابع الظرفي للحراك المعيشي. فالعوامل التي فجّرت احتجاجات «رغيف الخبز» لم تُعالج، بل ما زالت تتفاعل تحت السطح، فيما يزداد تعقيد المشهد مع تشابك الضغوط الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية دقيقة. في هذا السياق، تبدو إيران واقفة على صفيح ساخن، حيث لا يملك النظام ترف الحسم السريع، ولا يملك الشارع ما يخسره سوى مزيد من التدهور.
تشهد إيران منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 واحدة من أوسع موجات الاحتجاج الشعبي خلال العقدين الأخيرين، بدأت كحراك معيشي احتجاجًا على تدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتحول سريعًا إلى أزمة سياسية مفتوحة تمس جوهر النظام وشرعيته. ومع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، تتقاطع الأزمة الاقتصادية العميقة مع احتقان اجتماعي متراكم، لتضع البلاد أمام اختبار داخلي بالغ التعقيد.
اندلعت الشرارة الأولى في 28 ديسمبر، على خلفية الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني، وبلوغ معدلات التضخم مستويات قياسية تراوح بين 40 و50 في المئة، إضافة إلى أزمات متزامنة في الوقود والكهرباء وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الخبز. وسرعان ما امتد الحراك إلى أكثر من 35 مدينة، شملت طهران وقم وأصفهان ومشهد، بمشاركة فئات اجتماعية متعددة، من العمال والطلاب إلى موظفي القطاع العام، وصولًا إلى تجار «البازار» الذين يُنظر تاريخيًا إلى تحركاتهم باعتبارها مؤشرًا حساسًا على عمق الأزمات الاقتصادية والسياسية.
ومع اتساع رقعة الاحتجاج، لم تعد المطالب محصورة في تحسين الأوضاع المعيشية، بل ارتفع سقف الشعارات ليشمل هتافات سياسية مباشرة مثل «الموت للديكتاتور»، ودعوات لتغيير النظام. وظهرت في بعض المدن رموز وشعارات تعود إلى ما قبل عام 1979، في دلالة رمزية على أزمة شرعية تتجاوز الأداء الحكومي لتطال البنية السياسية ذاتها.
الرد الرسمي اتجه نحو التصعيد الأمني. ففي الفترة بين 7 و12 يناير 2026، شهدت البلاد موجة إضرابات جزئية وإغلاقات في الأسواق وقطاعات النقل، تزامنت مع تدخل مكثف لقوات الأمن، بما فيها الحرس الثوري وميليشيا «الباسيج». وتشير تقارير حقوقية إلى سقوط عشرات القتلى واعتقال مئات المحتجين، وسط استخدام واسع للغاز المسيل للدموع والرصاص الحي. الأخطر من ذلك هو تسرّب أنباء عن تباينات داخل بعض الوحدات الأمنية بشأن مستوى العنف المستخدم، وهي مؤشرات، وإن ظلت محدودة، تعكس حجم الضغط الذي تتعرض له مؤسسات القمع نفسها في ظل أزمة تطال القاعدة الاجتماعية التي تنتمي إليها.
غير أن ما يميز هذه الجولة من الاحتجاجات عن سابقاتها لا يقتصر على اتساعها الاجتماعي، بل يتصل أيضًا بالسياق الدولي المحيط بها. فقد أدخلت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مطلع عام 2026، عنصرًا جديدًا في المعادلة، حين لوّح بإمكانية توجيه ضربات عسكرية إذا لجأ النظام الإيراني إلى قمع دموي واسع. بهذا المعنى، خرجت الأزمة من إطار «الشأن الداخلي» لتلامس حدود المواجهة الإقليمية والدولية.
هذا التطور فرض على طهران معادلة أكثر تعقيدًا. فالقمع الشامل، الذي شكّل تقليديًا أداة النظام الأنجع، بات محفوفًا بمخاطر غير مسبوقة، في ظل ما يمكن تسميته بـ«الردع الأميركي المشروط». وقد يدفع ذلك السلطة إلى اعتماد أساليب قمع أقل ظهورًا، مثل قطع الإنترنت أو تنفيذ اعتقالات ليلية صامتة، غير أن هذا النمط المتردد قد يمنح الشارع فرصة لإعادة تنظيم نفسه وتوسيع رقعة الاحتجاج.
في المقابل، يبرز خيار الانفتاح الاضطراري أو التفاوض الخارجي كمسار محتمل، خصوصًا مع إشارات متكررة من واشنطن إلى أن طهران «تسعى للتفاوض». وقد يجد الجناح البراغماتي داخل النظام نفسه مضطرًا للدفع نحو صفقة كبرى، تشمل الملف النووي والسياسات الإقليمية، مقابل تخفيف فوري للعقوبات يهدف إلى تهدئة الشارع اقتصاديًا. غير أن هذا الخيار يحمل في طياته خطر انقسام داخلي حاد داخل النخبة الحاكمة بين من يراه مخرجًا مؤقتًا، ومن يعدّه استسلامًا يهدد تماسك النظام.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثل في احتمال الانهيار المتسارع إذا تضافر الضغط الشعبي الداخلي مع ضغوط أو ضربات خارجية محدودة تستهدف أدوات القمع. في مثل هذا السياق، قد تميل بعض القيادات الأمنية الوسطى إلى الحياد أو الانشقاق، إذا ما شعرت بأن كلفة الدفاع عن النظام باتت أعلى من قدرتها على الاحتمال، خصوصًا في ظل احتمال مواجهة مزدوجة مع الشارع ومع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو معاكس، يتمثل في محاولة النظام الالتفاف على الأزمة عبر خطاب «التهديد الخارجي»، وتصوير الاحتجاجات باعتبارها امتدادًا لمؤامرة أميركية – إسرائيلية. وقد يلقى هذا الخطاب صدى لدى فئات تخشى تكرار سيناريوهات الانهيار والفوضى في دول إقليمية أخرى، ما يمنح السلطة هامشًا زمنيًا إضافيًا للمناورة.
في الخلاصة، تختلف احتجاجات «رغيف الخبز» الراهنة عن موجات سابقة، لا سيما احتجاجات عام 2022، من حيث عمقها الاجتماعي واتساع قاعدتها، ودخول فئات محافظة تقليديًا، وعلى رأسها تجار البازار، إلى قلب المواجهة. ورغم أن سقوط النظام لا يبدو وشيكًا، إلا أن ما يجري يكشف بوضوح عن تآكل عميق في شرعيته السياسية والاجتماعية. لقد تحولت الأزمة من سباق استنزاف داخلي بين السلطة والشارع، إلى «لعبة حافة الهاوية» بين طهران وواشنطن، حيث لم يعد السؤال المركزي هو ما إذا كان المحتجون سيتعبون، بل ما إذا كان النظام قادرًا على تجنب كسر الخطوط الحمراء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.



#قاسم_محمد_داود (هاشتاغ)       Qasim_Mohamed_Dawod#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العائدات المليارية والفرص المهدورة: لماذا أخفق العراق في «تط ...
- رئيس وزراء العراق: بين -مطرقة- الولاء الداخلي و-سندان- الفيت ...
- العقل المأسور: كيف تحوّل المقدّس إلى أداة للسلطة؟
- هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟
- العزوف الانتخابي في العراق: الأسباب العميقة ل -مقاطعة الإحبا ...
- الولاءات المتعددة... دولة ممزقة بين الهويات
- بعد حرب غزة: من يرسم خريطة الشرق الأوسط… ونهاية الوهم وبداية ...
- الانتداب الناعم على غزة كيف تعيد خطة ترامب إنتاج الوصاية الد ...
- العراقي وصور المرشحين: قراءة اجتماعية–سياسية في مواسم الدعاي ...
- قمة قطر الطارئة: محاولة للتضامن العربي والإسلامي في مواجهة ا ...
- من يملك حق الخوف في الشرق الأوسط؟
- العشيرة والمال السياسي… حين تُختطف الديمقراطية في العراق كيف ...
- فشل التجربة الديمقراطية في العراق بعد 2003: تحليل العوامل ال ...
- -اتفاقيات أبراهيم- مع إسرائيل: تطبيع بلا مقابل
- هل يتكرر مصير مملكة القدس في دولة إسرائيل؟
- مشروعان متصادمان على حساب العرب: إيران وإسرائيل وصراع الهيمن ...
- لا منتصر ولا مهزوم: كيف تدير واشنطن الصراع بين إيران وإسرائي ...
- ازدواجية المعايير في النظر إلى البرامج النووية: إيران تُدان ...
- البرلمان العراقي ومصلحة المواطن: تشريعات غائبة وتغيير مؤجل
- انتخابات بلا ناخبين: أزمة ثقة في الديمقراطية العراقية


المزيد.....




- -كانت لا تتحرك-.. إنقاذ جِراء فقدت وعيها إثر -جرعة مخدر زائد ...
- الجيش السوري يُسيطر على مناطق واسعة كانت تحكمها -قسد-.. هذا ...
- -هروب عائلات داعش من مخيم الهول-.. ما حقيقة الفيديو المتداول ...
- أسبوع مضى على قرار إخلاء سبيلهما.. نطالب وزارة الداخلية بالإ ...
- ترامب يربط -أمن العالم- بالسيطرة على غرينلاند.. ورسالة غير م ...
- بالصور.. فاجعة قرب قرطبة: مشاهد مروّعة لأول حادث تصادم قطارا ...
- اجتماع إسرائيلي بعد اعتراض نتنياهو على تركيبة -مجلس السلام- ...
- إندونيسيا تعثر على حطام طائرة استطلاع مفقودة
- شخصيات دعاها ترمب للانضمام إلى مجلس سلام غزة
- -الجنوب اليمني- يحتمي بالرياض ويهتف بسلام دولته


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - إيران بين غضب الخبز وضغوط الخارج: احتجاجات مفتوحة على كل الاحتمالات