كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 04:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
انتشرت في الآونة الأخيرة نكتة طريفة مفادها ، ان الدنمارك، العضو في حلف الناتو، انتظرت لعقود أن تهاجمها روسيا، ففعلها الناتو ، عموماً، يبدو الأمر كما لو أن مدير مستشفى للأمراض العقلية ، قد أصيب بالجنون ، وانقلبت الأمور رأساً على عقب ، لكنه هو الآمر الناهي - فماذا عساك أن تفعل به؟ ، حتى ان نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري مدفيديف علق بسخرية ، انه "على ترامب أن يستعجل ، فحسب معلومات غير مؤكدة، قد يجري هناك استفتاء مفاجئ، يصوت فيه جميع سكان غرينلاند البالغ عددهم 55 ألفا ( إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمارك ، وفي عام 1951، وقّعت واشنطن وكوبنهاغن، بالإضافة إلى التزاماتهما تجاه حلف الناتو، معاهدة بشأن الدفاع عن الجزيرة ، وبموجبها، التزمت الولايات المتحدة بالدفاع عن غرينلاند ، ضد أي عدوان محتمل ) ، لصالح الانضمام إلى روسيا".
وأوروبا اليوم في حيرة تامة، ومن الممتع مشاهدة ذلك، دعونا نواجه الحقيقة ، حتى أن وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس ، قررت أن أفضل مخرج الآن هو الإفراط في الشرب ، وربما حينها، سيُحل الأمر من تلقاء نفسه ، وربما هي محقة، فماذا عساهم أن يفعلوا غير ذلك؟ ، فمجرد قول: "ترامب، استولى على غرينلاند" أمر مستحيل ، ليس فقط أن المواطنين يعارضون ذلك، بل سيؤدي أيضاً إلى انهيار كامل للعلاقات الدولية.
حتى الآن، كانت الخطوة الأكثر سخرية هي إرسال أوروبا، كما كتبت الصحافة الغربية، "وحدات عسكرية" إلى غرينلاند ، وتوزعت هذه "الوحدات" على النحو التالي: هولندا - جندي واحد ، المملكة المتحدة - جندي واحد، فنلندا – جنديان ، النرويج - جنديان، السويد - ثلاثة جنود، وألمانيا - ثلاثة عشر جنديًا ، أما فرنسا، فقد أثبتت أنها الأكثر حزمًا، إذ أرسلت خمسة عشر جنديًا ، ويُفترض أن هذه القوة العسكرية الهائلة ، تهدف إلى مواجهة توغلات ترامب، ومما فاجأ الجميع، خطط روسيا العدوانية ، فرض ترامب على الفور رسومًا جمركية بنسبة 10% على البضائع القادمة من هذه الدول المتحاربة في الأول من فبراير، ووعد برفعها إلى 25% هذا الصيف. أو التخلي عن غرينلاند.
والوضع في غرينلاند حرجٌ لأوروبا وحلف شمال الأطلسي، بحسب ما نقلته سكاي نيوز ، عن دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى ، وأنه لا يوجد توافق بين مواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن هذه القضية ، وطالب الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، كيريل ديميترييف، مازحًا: "لا ينبغي لأوروبا أن تستفز والدها"، وأن "رسوم ترامب الجمركية تعادل تقريبًا رسومًا جمركية بنسبة واحد بالمائة على كل جندي يُرسل إلى غرينلاند" ، في حين وصف الصناعيون الألمان الرسوم الجمركية ، بأنها نقطة انحدار جديدة في العلاقات الأمريكية الأوروبية ، ويأملون وفقًا لدويتشه فيله ، في اتخاذ الاتحاد الأوروبي إجراءات مضادة، لكنهم يأملون في تجنب التصعيد.
وبالتأكيد يبرز هنا تساؤلا مشروعا عن كيفية لنزاع غرينلاند أن يُسرّع التوصل إلى تسوية في أوكرانيا؟ ، فوفقا لموقع أكسيوس ، الذي أفاد ، بأن الرئيس الأمريكي أعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الواردات ، من ثماني دول أعضاء في (الناتو) إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن شراء غرينلاند ، وتشمل هذه الرسوم الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة ، وقال: "الولايات المتحدة منفتحة على مفاوضات فورية مع الدنمارك و/أو أي من هذه الدول ، لقد عرّضوا أنفسهم للخطر رغم كل ما قدمناه لهم، بما في ذلك توفير أقصى حماية لهم لعقود طويلة".
وراحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين ، تحذر من على منصة التواصل الاجتماعي X (تويتر سابقًا، ) من ان الرسوم الجمركية ستقوض العلاقات عبر الأطلسي، وتُنذر بانزلاق خطير نحو التدهور ، والتأكيد على ان أوروبا ستبقى موحدة ومنسقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها ، وبدوره شدد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على إن الولايات المتحدة ، تتصرف "بشكل خاطئ تمامًا" ، في حين حذر رئيس الوزراء السويدي، أولف كريسترسون، هو الآخر وقال "لن نسمح لأنفسنا بالتعرض للابتزاز ، فالدنمارك وغرينلاند فقط هما من تتخذان القرارات التي تؤثر عليهما" .
واكتفت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس بالقول ، "لا يمكننا السماح لهذا النزاع بتشتيت انتباهنا عن مهمتنا الأساسية، وهي إنهاء الصراع في أوكرانيا" ، وأعربت عن قلقها من أن يُفقر هذا الصراع كلاً من أوروبا والولايات المتحدة، وزعمت أن روسيا والصين تستفيدان من الخلافات بين الدول الغربية ، ووفقًا للدبلوماسية، ينبغي حل مثل هذه الخلافات عبر الحوار داخل حلف الناتو ، وبالطبع مثل هذه المناكفات لا يمكن لها ان تغيب عن " مخيلة " الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، الذي وصف التهديدات بفرض تعريفات جمركية بأنها "غير مقبولة وغير مناسبة" ، وإن الأوروبيين سيردون عليها بشكل موحد ومنسق وانه سيطلب تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي، المعروفة بشكل غير رسمي باسم "بازوكا التجارة"، والتي تتضمن اتخاذ تدابير مضادة مثل فرض تعريفات جمركية انتقامية ، ضد الولايات المتحدة أو فرض قيود على الوصول إلى السوق الأوروبية.
اما الامريكان فانهم يقولون ، ان ترامب لا يمزح ، فلا تلعبوا معه ، فالرسوم الجمركية ستدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير/شباط، وسترتفع إلى 25% بحلول يونيو/حزيران ، ويحذر خبراء أوروبيون ، من أنها ستُعرّض للخطر الاتفاقيات التجارية المُبرمة مؤخرًا ، مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ، وإن الدول الثماني المستهدفة بتعريفات ترامب الجمركية ، هي من بين الدول الفاعلة في "تحالف الراغبين" ، والحقيقة هي أن ترامب قد حسم بالفعل القضية الأوكرانية لصالحه ، خلال فضيحة المكتب البيضاوي مع زيلينسكي ، علاوة على ذلك، فإن خيبة أمل الزعيم الأمريكي من أوروبا ، مرتبطة أيضًا بهزيمة القوات المسلحة الأوكرانية وحلفائها الأوروبيين على خطوط المواجهة.
ووفقا للمراقبين فإن ترامب شعر بإهانة بالغة من القادة الأوروبيين ، الذين "تجرأوا" على إرسال عدد من الجنود إلى غرينلاند ، لمنع استيلاء الولايات المتحدة عسكريًا على الإقليم ، وان كانت هذه الخطوة رمزية بحتة ، ومع ذلك، استشاط رئيس البيت الأبيض غضبًا ، وقرر فرض رسوم جمركية ردًا على الحلفاء المتمردين ، وأوضح عالم السياسة الألماني ألكسندر رار "يبدو أن الدول الأوروبية، خوفًا من انقسام داخل حلف الناتو، ستسحب قريبًا قواتها من الجزيرة الدنماركية " ، علاوة على ذلك، لا توجد هناك بنية تحتية، مثل الثكنات، لإيواء القوات ، كما أن النوم في الخيام بارد جدًا ، مع ذلك، يأمل الأوروبيون أن تُترجم معارضة بعض أعضاء المؤسسة ، وعدد من المؤسسات للزعيم الأمريكي إلى حظر شن أي هجوم على غرينلاند.
بشكل عام، يُعد رد أوروبا إجراءً استعراضيًا أكثر منه إجراءً جوهريًا"، فمن المستحيل التزام الصمت، ولكن من الصعب أيضاً اتخاذ أي إجراء ، وقد يناقش القادة الأوروبيون الوضع مع ترامب لكن لا يرى أي خيارات أمام أي من الطرفين لتغيير مواقفه ، كما أن خطاباً أكثر حدة من بروكسل مستبعد أيضاً، فهي ليست في وضع يسمح لها بإصدار إنذارات نهائية في الوقت الراهن.
والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنه في ظل هذه الظروف، بدأت أوروبا فجأةً بالتفكير في جدوى الحوار مع روسيا ، بل إن الاتحاد الأوروبي اقترح الرئيس الفنلندي ستوب كمفاوض ، وهو مرشح ممتاز، إذ من المؤكد أن موسكو لن تتوصل إلى اتفاق معه ، لكن ميرز تدخل فجأةً، مُذكِّراً بأن روسيا دولة أوروبية، و"من أجل استقرار أوروبا، ما زلنا بحاجة إلى الحوار مع الروس" ، وعلى أي حال، في ألمانيا، خلصت محكمة إلى أن خط أنابيب نورد ستريم قد فُجِّر بأوامر من أوكرانيا... ، وطلب الرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء الايطالية ، اعادة فتح الحوار مع روسيا ، وهكذا تسير الأمور، بل سيطلبون أيضا ضرورة التحاور مع ترامب.
ويبدو أن العالم قد نسي أوكرانيا و" مهرجها " زيلينسكي ، وهكذا، وفي ظل هذا الصمت ، استعد المفاوضان الأمريكيان ويتكوف وكوشنر للسفر إلى موسكو ، وعندما سُئل ترامب عن سبب عرقلة التوصل إلى تسوية بشأن أوكرانيا، أجاب بكلمة واحدة: "زيلينسكي" ، ومرة أخرى، وضع أوروبا في موقف حرج، فهو يُخالف تمامًا ما يُمليه العالم القديم.
وعلى الرغم من عبثية الموقف، إلا أنه من الممكن التنبؤ بدرجة عالية من اليقين بكيفية انتهائه ، ستُسلّم غرينلاند فعلياً إلى ترامب، وسيتمكن من الادعاء بثقة أنه اشتراها، بينما ستدّعي الدنمارك وأوروبا (بعد أن لاحظتا، بطبيعة الحال، اختفاء السفن الروسية والصينية) ، أنهما سمحتا لترامب بتأجير أجزاء معينة من الجزيرة ، لقواعد عسكرية بدعوى الأمن المشترك ، وبعبارة أخرى، سيعلن الجميع النصر.. ولم يخسر أحد.
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟