أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفري ساكس والتداع















المزيد.....

طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفري ساكس والتداع


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 00:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بين نبوءة الانهيار ووهم الهيمنة

تتشابك خطوط الطول السياسية مع دوائر العرض الاقتصادية، وتتصادم الأطياف الإيديولوجية مع كتل المصالح الصلبة، هناك تطلُّ علينا أصواتٌ تنبئُ بما لا يُحبُّ الكثيرون سماعه. إنها أصوات تشقُّ جدار الصمت الإعلامي السميك، وتُجري تشريحاً بارعاً لجسد إمبراطورية تترنح بين أوهام عظمتها الماضية وحقائق تفككها الحالي. من بين هذه الأصوات، يعلو صوت الخبير الاقتصادي العالمي، البروفيسور جيفري ساكس، ليس بصفته نذير شؤم، بل كطبيب تشريح سياسي يقرأ في سجلات التاريخ الاقتصادي والسياسي ما ينذر بزلزال جيوستراتيجي.

في مقابلة له مع "تاكر كارلسون"، لم يقدم ساكس مجرد تحليلٍ عابر، بل قدم روايةً مروعةً عن واقع العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ووصفاً دقيقاً للعتبة الخطرة التي تقف عليها البشرية. حديثه لم يكن عن صراع إقليمي محدود، بل عن شرارة يمكن أن تشعل حرباً عالمية ثالثة، تكون نواتها حرباً مع إيران. والأكثر إثارة، أنه يضع المسؤولية عن هذا المسار الانتحاري على عاتق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصفه بأنه "الشخص الأكثر توهمًا وخطورة على وجه الكرة الأرضية"، والذي – حسب ساكس – "ورط الولايات المتحدة حتى الآن في ست حروب كارثية... لا علاقة لها بالأمن القومي الأمريكي".

هنا في السطور التالية نسعى لنغوص في أعماق هذه المقولة، لا بوصفها اتهاماً سياسياً فحسب، بل باعتبارها نموذجاً إطارياً لفهم أزمة هيكلية تمر بها القوة المهيمنة، تُحوِّلُ الحرب من أداة سياسية عقلانية لتحقيق المصالح إلى هروبٍ إلى الأمام، ومحاولة يائسة لإثبات الذات في لحظات الانحطاط الحضاري. وسنستعين، من بعيدٍ وبصورة مجردة، بإطار نظري يحلل علاقات المركز المهيمن بالأطراف التابعة وشبه التابعة، وديناميكيات التراكم على النطاق العالمي التي تدفع نحو النزاعات العسكرية كتعويض عن الأزمات الداخلية، وهو إطار يضيء دون أن يُسمَّى.

تشريح المقولة.. من "الوكالة" إلى "الورطة"

يقول ساكس: "نحن لا نقف دفاعاً عن إسرائيل، بل نخوض حروباً بالنيابة عنها... لا شيء مما حدث في الشرق الأوسط كان من أجل مصالح الأمن القومي الأمريكي، لا شيء على الإطلاق". هذه جملة مفصلية تحمل في طياتها ثورة على السردية التقليدية للتحالف "الاستثنائي". فهي تقلب المعادلة رأساً على عقب: فبدلاً من أن تكون الولايات المتحدة القائدة التي تحمي حليفتها الصغرى في إقليم مضطرب، نجد أن الحليفة الصغرى – أو على الأقل قيادتها الحالية – هي من تقود القوة العظمى إلى مستنقعات لا تنتهي.

الست حروب التي يشير إليها ساكس (ومن ضمنها على الأرجح العراق 2003، والحروب الليبية والسينارية السورية المُتعددة الأطراف، والدعم المطلق للحروب على غزة) تُصوَّر في الخطاب الرسمي الأمريكي كجزء من "الحرب على الإرهاب" أو نشر الديمقراطية أو مواجهة النفوذ الإيراني. لكن ساكس يجردها من كل هذا الزخرف، ويقدمها على حقيقتها: حروب بالوكالة لصالح مشروع سياسي آخر. الورطة هنا ليست تكتيكية عابرة، بل هي بنيوية. إنها تعني أن القرار الأمريكي في منطقة حيوية استراتيجياً لم يعد مستقلاً، بل مُقيداً بإملاءات خارجية تخدم رؤية تُعتبر، حتى من قبل خبراء أمريكيين بارزين، مُتوهمة وخطراً على السلام العالمي.

وصف نتنياهو بأنه "الأكثر توهمًا" يفتح باب التحليل النفسي-السياسي. الوهم هنا قد يكون الاعتقاد بأن القوة العسكرية المطلقة قادرة على فرض حلول دائمة، أو أن الولايات المتحدة أبدية القوة والتفويض، أو أن العالم سيقف متفرجاً على أي عدوان. وهذا الوهم، عندما يكون بحوزة صاحب قرار في دولة تمتلك أسلحة نووية وتؤثر مباشرة في أقوى دولة في العالم، يتحول إلى خطر وجودي.

العدوان كعرض مرضي.. والأزمة الهيكلية للإمبراطورية

لماذا توافق الولايات المتحدة، أو يبدو أنها توافق، على أن تُورَّط بهذا الشكل؟ الإجابة البسيطة (نفوذ اللوبي) لا تكفي، رغم أنها جزء من الآلية. الإجابة الأعمق تكمن في تشخيص الأزمة الهيكلية التي تمر بها الولايات المتحدة. هنا، يمكننا استعارة منظور نظري يرى أن مراكز النظام العالمي، عندما تصل إلى مرحلة النضج والانزياح التدريجي للقوة الاقتصادية منها، قد تلجأ إلى المبالغة في الاستخدام العسكري كتعويض عن النقص الهيكلي، وكوسيلة لمحاولة إعادة إنتاج الهيمنة عبر الخوف والقوة الخام.

الحروب الخارجية، خاصة تلك التي لا تخدم مصلحة وطنية واضحة، تُشبه "الهروب إلى الأمام". إنها محاولة لتأجيل مواجهة التناقضات الداخلية العميقة: الاستقطاب السياسي الحاد، تآكل الطبقة الوسطى، الديون الفلكية، البنية التحتية المتداعية، وتحدي القوى الصاعدة. في هذا السياق، تقدم "الحروب الصغيرة" أو المتوسطة إحساساً زائفاً بالسيطرة والقدرة على الفعل. تتحول الدولة إلى ما يشبه الفارس الذي يبحث عن معركة لإثبات فروسيته، حتى وإن كانت المعركة ضد طاحونة هواء، خشية أن يدرك هو والجميع أن الفروسية نفسها باتت طقوساً بالية.

ليس من المعقل، في المنطق السياسي الكلاسيكي، أن تخوض دولة حروباً بتكاليف باهظة من دم ومال وسمعة، من أجل شخص أجنبي. ولكن يصبح معقولاً إذا فهمنا أن هذه الحروب ليست "من أجله"، بل هي من أجل أوهام تنتاب الإمبراطورية في إحدى مراحل انحطاطها. أوهام القدرة على تشكيل العالم كله على صورتها، أوهام التفرد الأخلاقي الذي يبرر أي فعل، وأوهام أن الزمن لا يتحرك وأن عصر الهيمنة المطلقة لن ينتهي. نتنياهو هنا، في تحليل ساكس، ليس سوى المستفيد الذكي والجريء من هذه المرحلة الانتقالية الهشة للإمبراطورية، والذي يحوّل وهلها إلى وقود لمشروعه الخاص.

إيران: العتبة التي لا يُرجع بعدها

تحذير ساكس من أن حرباً مع إيران ستكون حرباً عالمية ثالثة، ويحمل إمكانية التصعيد النووي، هو تحذير جيوسياسي في غاية الدقة. إيران ليست العراق 2003 أو ليبيا 2011. إنها دولة-حضارة، ببنية مؤسسية صلبة، وتجذر إقليمي عميق، وامتدادات عبر "محور المقاومة" من اليمن إلى لبنان، وعلاقات استراتيجية مع قوتين عظميين: روسيا والصين.

الدخول في حرب شاملة مع إيران يعني:

1. فتح جبهات متعددة: ستشعل الحرب كل الجبهات الإقليمية التابعة لإيران، مما يعني شلّ الملاحة الدولية في مضيق هرمز والخليج العربي، وضرب البنى التحتية النفطية في الخليج، وإشعال جنوب لبنان وحتى احتمالات ضرب إسرائيل بزخّات هائلة من الصواريخ.
2. التورط الروسي والصيني: هذا هو لب التحذير. روسيا والصين لا تستطيعان، استراتيجياً، الوقوف مكتوفتي الأيدي أمام تدمير دولة محورية في معادلة مواجهتهما مع الغرب. الدعم سيكون عسكرياً، لوجستياً، اقتصادياً، وسياسياً على أعلى مستوى. قد لا تتدخل القوات الصينية أو الروسية مباشرة في البداية، لكن الحرب ستتحول فوراً إلى حرب بالوكالة على أعلى مستوى، حيث تدعم موسكو وبكين طهران بأسلحة متطورة ومعلومات استخباراتية، بينما تدعم واشنطن وحلفاؤها الهجوم. هذا هو بالضبط نموذج الحرب العالمية: تحالفات متشابكة، وصدام غير مباشر بين القوى العظمى على أرض طرف ثالث، مع خطر دائم للانزلاق إلى المواجهة المباشرة.
3. المسار النووي: في خضم مثل هذه الحرب الوجودية، ستتلاشى كل الاتفاقيات والضوابط. قد تدفع الحرب إيران لتسريع برنامجها النووي علناً بذرائع دفاعية، وقد تدفع إسرائيل، التي تمتلك السلاح النووي، لاستخدام التهديد به أو حتى استخدامه في سيناريو "الضربة الأولى" إذا شعرت بخطر وجودي. عندها، سينهار آخر حاجز، وتدخل البشرية عالماً مجهولاً.

ساكس يرى أن نتنياهو "يسعى إلى جر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة مع إيران". هذه الرغبة، من وجهة نظر نتنياهو، قد تكون لـ"حل" المشكلة الإيرانية مرة واحدة وإلى الأبد، مستغلاً التفوق العسكري الأمريكي المتبقي. ولكن من وجهة نظر المصالح الأمريكية العليا، فإنها مقامرة كبرى بمستقبل الدولة والإقليم والعالم لصالح رؤية أحادية ضيقة.

قراءة في المسارات المستقبلية.. هل الانهيار حتمية؟

السؤال المصيري: هل ستصل هذه العلاقة المختلة إلى نقطة التوريط في حرب عالمية ثالثة؟

المسار الأول (الكارثي): يستمر الانحدار في القرار الأمريكي، وتتفاقم الأزمة الداخلية، فيتم اللجوء إلى "الحرب الكبرى" مع إيران كمشروع وطني يُفترض أنه يوحد الصفوف ويُعيد أمجاد الإمبراطورية. هذا المسار، وإن بدا جنونياً، فهو غير مستبعد في سياق تاريخي شهد حروباً نشأت من حوادث صغيرة أو أوهام قادة. ستكون هذه هي الحرب العالمية الثالثة، لكنها ستكون مختلفة: لن تكون جيوشاً تتقدم في براور، بل ضربات صاروخية ومعارك إلكترونية وحرب اقتصادية شاملة وحروب بالوكالة في كل قارة. ستكون حرب الانهيار المتسارع للنظام العالمي الحالي.

المسار الثاني (التراجعي الصعب): تستعيد المؤسسة العميقة الأمريكية (الجيش، المخابرات، قطاعات من الكونغرس والدبلوماسية) وعيها بمخاطر هذا المسار. تبدأ في فرض حدود حمراء على الحليف، والانسحاب التدريجي من سياسة "الورطة"، والبحث عن مخرج دبلوماسي حتى من الأزمات القائمة. هذا قد يؤدي إلى أزمة علاقة حادة مع إسرائيل، لكنه سينقذ الولايات المتحدة من الانهيار في حرب غير محسوبة. هذا المسار يتطلب إصلاحاً داخلياً جذرياً وشجاعة لمواجهة دوائر الوهم الداخلية والخارجية.

المسار الثالث (التحول الجيوسياسي): تستمر عملية الانزياح العالمي للقوة. تدرك الولايات المتحدة أن حرباً مع إيران تعني فعلياً الحرب مع الكتلة الأوراسية (روسيا والصين وحلفاؤهما). هذا الوعي يفرض حالة من الردع المتبادل الجديد، أشبه بحرب باردة أكثر سخونة. تصبح المنطقة ساحة للمناورة والاحتواء، ولكن مع تجنب الاصطدام المباشر. تبقى الأزمة هيكلية، لكن الكارثة مؤجلة.

في جمرة الوهم وبرودة التاريخ

تحذير جيفري ساكس هو جرس إنذار يُدق في قاعة مليئة بأصوات الموسيقى الصاخبة. إنه يذكرنا بأن القوة العظمى ليست مناعة ضد الجنون السياسي، وأن التحالفات يمكن أن تتحول إلى علاقات استتباع مرَضي، وأن الانحدار الحضاري غالباً ما يُقَاسُ بمدى ابتعاد الفعل السياسي عن المنطق والمصلحة الوطنية الواضحة، ليصبح مجرد رد فعل على أوهام وخواء داخلي.

العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية في نسختها الحالية، كما يُصورها ساكس، هي مرآة مكبرة لأزمة الهيمنة الأمريكية. الحرب مع إيران ليست مجرد احتمال إقليمي، بل هي خط التماس حيث يمكن أن ينهار نظام عالمي ويولد آخر، في أحشاء صراع قد لا يبقى فيه منتصرون بالمعنى التقليدي.

السؤال الذي يتركنا إياه ساكس، وبقوة، هو: هل تمتلك النخبة الأمريكية، والشعب الأمريكي، والإنسانية جمعاء، القدرة على استعادة العقل من سجن الوهم قبل أن يُحرق الأخير الأخضر واليابس؟ الإجابة ليست في خطاب سياسي، بل في صراع إرادات داخل بطن الإمبراطورة العجوز، وفي قرارات قد تُتخذ في أروقة البنتاغون أو الكابيتول هيل أو حتى في الشارع الأمريكي الذي يملأ تكاليف الحروب التي لا يفهمها. التاريخ لا يرحم من يهرب إلى الأمام، لأنه في النهاية، لا يوجد أمام إلا الهاوية.


……..


افتتاحية العصر المهرجي: حين يصير العالم سيركاً وتكون دبابة المهرج هي القائدة

دعوة لمشاهدة مسرحية الهاوية

أيها السادة والسيدات، صفّوا كراسيكم وأخرجوا الفشار، فقد صار المشهد العالمي أشبه بمسرحية هزلية كتبها كافكا وأخرجها تشارلي تشابلن على أنغام نهاية العالم. في الزاوية اليمنى من حلبة السياسة، نرى البطل التراجيكوميدي بنيامين نتنياهو، ليس كرجل دولة بل كـ"ساحر صغير" يحوّل الحروب إلى خدع سحرية، والولايات المتحدة إلى أرنب يخرج من قبعته. وفي الزاوية اليسرى، الإمبراطورية الأمريكية التي تشبه لاعب جمباز سابق يحاول تأدية حركات شقلبة وهو يعاني من هشاشة عظام تاريخية.

سيدنا نتنياهو وفرقة الحروب الكوميدية

لنتخيل المشهد: رجل واحد، ببدلته المكوية جيداً ووجهه الجاد الذي يخفي رغبة عارمة في أن يكون بطلاً في فيلم أكشن من إنتاج هوليوود الثمانينات، يقف أمام خريطة العالم وكأنها لوحة تحكم في لعبة فيديو. زر أحمر هنا (العراق)، زر أخضر هناك (ليبيا)، زر أسود (سوريا)، وكلها تحمل علامة "صنع في أمريكا، فكرة إسرائيلية".

يقول البروفيسور ساكس إن هذا الرجل "ورط الولايات المتحدة في ست حروب". لكن دعونا نكون منصفين! هل هذه ورطة أم تطوع بطولي؟ إنها أشبه بحالة صديقك الثرثار الذي يقنعك بشراء سيارة رياضية وأنت عاطل عن العمل، أو بدخول ماراثون وأنت لا تستطيع صعود السلالم دون أن تلهث.

نتنياهو هنا لا يختلف عن ذلك الصديق الذي يقول: "اسمع، أمريكا العظيمة، ألا تريد أن تظهر قوتك؟ فقط قصف هذا المكان الصغير هنا... لا، لا تقرأ التفاصيل... نعم، اضغط على الزر الأحمر. ماذا يعني مصلحة وطنية ؟ الكبرياء أهم!".

أمريكا العجوز وحكايات الجدة المتوهمة

تخيلوا معي: جدة عظيمة كانت ذات يوم أقوى امرأة في الحارة، تملك أكبر بيت وأجمل حديقة. الآن، وهي في مرحلة الشيخوخة، بدأت تنسى أين وضعت نظارتها، تظن أن الجيران يتآمرون عليها، وبدلاً من أن ترتاح في كرسيها الهزاز، تقرر أن تهجم على كل بيت في الحارة لأن "هكذا كانت تفعل أيام مجدها".

هذه هي الولايات المتحدة في مرحلة انحطاط مسرحي. إنها تشبه ممثلة سينمائية عظيمة من الزمن الجميل، ترفض الاعتراف بمرور الزمن، فتنفق ثروتها على عمليات تجميل وتصر على أن تلعب دور البطولة في أفلام الأكشن، بينما الجمهور يتثاءب ويتساءل: "ألم تتقاعد هذه السيدة بعد؟".

العبقرية الساخرة تكمن هنا: الإمبراطورية التي تهرب من مشاكلها الداخلية (الديون التي تشبه جبلاً من البطاقات الائتمانية، الاستقطاب الذي يجعل حفل الشاي يتحول إلى مباراة مصارعة) بتصدير الحروب كما تصدر الأفلام الهوليودية. الفرق أن الأفلام تنتهي بعد ساعتين، أما هذه الحروب فتشبه مسلسلاً تلفزيونياً مملًا لا يعرف أحد كيف ينهيه.

الإيرانيون الذين يفسدون الفرحة

تدخل إيران إلى مسرحية الهاوية هذه كـضيف ثقيل لم يدعُه أحد لكنه يصر على المشاركة. نتنياهو، في نوبة من الحماس الشبيهة بحماس طفل يريد إشعال كل الشمعات على كعكة عيد ميلاده دفعة واحدة، يهمس لأمريكا: "هيا، لنحتفل مع إيران! سأجلب المفرقعات وأنت تجلب الدبابات".

لكن الكوميديا تتحول إلى كوميديا سوداء حين ندرك أن إيران ليست شمعة عيد ميلاد، بل بركان. وإذا قررت أمريكا - في لحظة غياب تام للوعي - أن "تحتفل" مع هذا البركان، فإن جيران البركان (روسيا والصين) لن يكونوا سعداء. تخيلوا أنكم تقيمون حفلة صاخبة في الشقة وتقرعون جدران الجيران... إلا أن الجيران هنا يملكون صواريخ نووية وليسوا من النوع الذي يشتكي لإدارة المبنى.

ساكس يحذر من أن هذه قد تكون الحرب العالمية الثالثة. تصوروا الأمر: حرب عالمية ثالثة تبدأ لأن رجلاً في تل أبيب قرر أن أمريكا "تستطيع تحمل حرب صغيرة أخرى". كأنما يقول: "مافيش مشكلة، عندهم بطاقة ائتمان بلا حدود!"

هل نحن أمام كارثة أم أمام سيت كوم تاريخي؟

المسارات المستقبلية كما يراها الساخر المتشائم:

المسار الكوميدي الكامل: تستمر الولايات المتحدة كالمسافر الثمل في المطار الذي يظن أنه يمكنه الصعود على أي طائرة إلى أي وجهة. نتنياهو يصبح وكيل سفر خاصاً يبيع لها تذاكر إلى حروب لا تريدها حقاً لكنها تشتريها لأن "العرض حلو". تنتهي الحكاية بأمريكا عالقة في مطار تاريخي، تحمل شنطة مليئة بديون وحروب قديمة، وتنتظر رحلة العودة التي قد لا تأتي أبداً.

المسار التراجيكوميدي: تستيقظ أمريكا فجأة من سكرتها التاريخية، تنظر في المرآة وتصدم: "أنا قضيت العقدين الماضيين أضرب جيران العالم وأنا أظن أنني أصلح الديمقراطية؟". تبدأ بعلاج إدمان الحروب، تنضم إلى "مجموعة دعم للقوى العظمى السابقة"، وتتعلم فنون اليوغا والدبلوماسية بدلاً من القصف.

المسار الأكثر واقعية (والأكثر حزناً): تستمر المسرحية، الجمهور يصفق أحياناً، يصفع وجهه أحياناً، والممثلون الرئيسيون ينسون أحياناً أنهم على المسرح فيتصرفون كما لو أن العالم حقاً مجرد لعبة فيديو.

دعوة للضحك كي لا نبكي

في نهاية هذا العرض المسرحي المسمى "السياسة العالمية"، نقف أمام خيارين: إما أن نضحك على المهرج الذي يظن أنه قائد الأوركسترا بينما الأوركسترا تعزف لحن النهاية، أو أن نبكي لأن الأوركسترا فعلاً تعزف لحن النهاية.

نتنياهو هنا هو مجرد عرض مرضي لنظام يعاني من أوهام العظمة. وأمريكا هي المريض الذي يدفع الثمن. والطريف أننا جميعاً - كجمهور عالمي - نجلس في الصالة، نشاهد المسرحية وندفع ثمن التذكرة من دماء وأمن وأحلام.

ربما تكون الكوميديا هي السلاح الأخير للعقلاء في زمن المجانين. فلنضحك على المهرج الذي يبيع الوهم، وعلى الإمبراطورية التي تشتريه، علّ الضحكة توقظ أحداً من غفلته قبل أن يبيع لنا المهرج تذكرة إلى الحرب العالمية الثالثة على أنها "رحلة سياحية ممتازة تشمل مشاهدة الصواريخ عن قرب".

تذكروا دائماً: حين يكون القائد مهرجاً، لا تذهبوا إلى السيرك - اهربوا في الاتجاه المعاكس. المشكلة أننا جميعاً داخل السيرك، والخروج صار يحتاج إلى تذكرة... والرجل الذي يبيع التذاكر هو نفسه المهرج الرئيسي.

النهاية (أو بداية كوميديا جديدة؟)

ملاحظة: هذه المادة الساخرة كُتبت بأقصى درجات التهكم الأدبي، وهي محاولة للنظر إلى الهاوية من خلال عدسة الضحك، لأن البكاء صار رفاهية لا نستطيع تحمل تكاليفها. جميع الأحداث والشخصيات حقيقية للأسف، وأي تشابه بينها وبين شخصيات كوميدية هو محض مصادفة... أو ربما ليس مصادفة إطلاقاً.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي ...
- -المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن ...
- هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية
- -من نهاية التاريخ - إلى -نزيف تحت الجلد-..دراسة مقارنة مع كت ...
- شمشون العصر: بين أسطورة السقوط وإستراتيجية الانهيار
- النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )
- صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصي ...
- أجنحة التنين وأنياب الأسد: في دهاليز حرب تستعد، وتوازن رعب ي ...
- سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث ...
- انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع ...
- الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا ...
- الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي ...
- التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا ...
- أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ ...
- إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف ...
- شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا ...
- أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
- تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
- البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
- اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى ...


المزيد.....




- نبض فرنسا: ندرة بيض في الأسواق وتوقعات باستمرارها لعدة أشهر ...
- قبل اجتماعه بالشرع اليوم.. عبدي: الحرب فُرضت علينا وقسد تكبد ...
- منتخب السنغال بطل أفريقيا، وتَبخُر حلم المغرب بالتتويج بعد 5 ...
- تصادم قطارين في إسبانيا يودي بحياة 21 شخصا على الأقل ويصيب ا ...
- القدس.. إخطار إسرائيلي بالاستيلاء على قطعة بحي البستان
- اتفاق دمشق و-قسد-.. صفحة جديدة بشروط الدولة السورية
- تقرير: إسرائيل في حالة تأهب تحسبا لضربة أميركية على إيران
- زيلينسكي يتحدث عن وثائق لإنهاء الحرب مع روسيا واتفاق ضمانات ...
- في نهائي مثير.. السنغال تخطف لقب أمم أفريقيا 2026 من المغرب ...
- الشرع يبحث مع قادة إقليميين ودوليين التطورات بعد اتفاق وقف إ ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفري ساكس والتداع