أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية














المزيد.....

7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 15:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن حرب أبريل 2023 حدثاً منفصلاً عن طبيعة الدولة السودانية، بل كانت النتيجة المنطقية المباشرة لعملها الداخلي لعقود. فالدولة التي رفضت بناء مؤسسات مدنية، واستثمرت في تعليم هش، وأدارت الاقتصاد كغنيمة، كانت تخلق ببطء الشروط الكاملة لانفجارها. الحرب لم تأتِ من الخارج، بل انبثقت من قلب التناقضات التي زرعتها الدولة نفسها، وكشفت أن ما سمي "دولة" كان في الواقع إدارة منظّمة للعنف والفوضى.

اتخذ الصدام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شكله الحاد لأن الدولة صمّمت هاتين القوتين لتكونا أداة السيطرة الأساسية. فالدولة التي اعتمدت على العنف كوسيلة وحيدة للحكم، خلقَت بداخلها مركزين للسلطة يتنافسان على نهب نفس الموارد. لم يكن الصراع بين خيارين سياسيين، بل بين نتاجين لنفس المنطق: منطق دولة تخلت عن الشرعية الشعبية واعتمدت على القوة العارية.

انكشفت هشاشة "الدولة المركزية" بشكل مأساوي لأنها كانت، منذ تأسيسها، مشروعاً لتركيز السلطة وليس لخدمة المواطنين. القدرات الإدارية التي انهارت سريعاً لم تكن أبداً قائمة على مؤسسات حقيقية، بل على شبكات ولاء شخصية وامتيازات. لذلك، حين توقفت الامتيازات، توقف العمل. الخرطوم لم تكن عاصمة دولة بقدر ما كانت مقراً لتوزيع الغنائم، وعندما تعطلت آلية التوزيع، انهار كل شيء.

كشفت الحرب اقتصاد النهب الموازي لأن الدولة نفسها هي التي سمحت ببنائه. مناجم الذهب التي تمول الميليشيات، وخطوط التهريب التي تغذيها، كلها نمت في ظل سياسة الدولة المتعمدة لخصخصة العنف وتفويضه. كانت الدولة تدير اقتصادين: واحد رسمي هش، وآخر موازي قوي، وعندما تصادم الاثنان، انكشف الأصل الحقيقي للسلطة والثروة.

تحول المجتمع إلى ساحة حرب لأن الدولة عملت بنشاط على تفكيكه. عقود من سياسات التمييز والتهميش لم تكن أخطاء إدارية، بل أدوات منهجية لإضعاف التضامن الاجتماعي ومنع تشكل قوى موحدة. الدولة التي تخشى مجتمعاً قوياً، خلقت مجتمعاً ضعيفاً قابلا للانقسام، وعندما جاءت الحرب، وجدت هذا المجتمع وقوداً جاهزاً.

أظهر التدخل الإقليمي عمق التبعية لأن الدولة السودانية صممت نفسها كوسيط بين الموارد الداخلية والمصالح الخارجية. كانت السيادة الوطنية مجرد خطاب تروج له دولة تعتمد في بقائها على علاقاتها مع قوى إقليمية. الحرب كشفت أن "الاستقلال" كان شكلياً، وأن القرار الحقيقي كان دوماً مرتبطاً بأجندات خارجية تلقت الدولة مقابل خدمتها.

فشل المشاريع الإصلاحية السابقة كان محتوماً لأنها حاولت إصلاح جهاز صُمم لكي لا يُصلح. الدولة التي بنيت على القمع والفساد لا يمكن إصلاحها بتغيير وجوه الحكام أو كتابة دساتير جديدة. النخبة المدنية التي حاولت الإصلاح اصطدمت بحقيقة أن الدولة ليست جهازاً محايداً، بل بنية طبقية تحمي مصالح فئة محددة.

انهيار مفهوم المواطنة كان النتيجة الطبيعية لدولة رفضت الاعتراف بالمواطن كفرد ذي حقوق. الدولة التي عاملت الناس كرعايا يجب السيطرة عليهم، لا كمواطنين يجب تمكينهم، وجدت نفسها في الحرب بلا شعب يدافع عنها. الانتماءات الأولية عادت بقوة لأن الدولة فشلت في تقديم انتماء بديل قائم على العدالة والمساواة.

تحول المدن إلى ساحات قتال كشف أن التخطيط الحضري نفسه كان أداة سيطرة. الخرطوم التي صممت كقلعة للسلطة، تحولت إلى فخ عندما تحولت القلعة ضد نفسها. الدولة التي بنت مدناً تعكس التراتبية الطبقية، وجدت هذه المدن تتحول إلى سجون كبيرة عندما انهار نظام السيطرة.

المبادرات الشعبية التي ظهرت في قلب الدمار لم تكن معجزة، بل كانت نتيجة طبيعية لمجتمع اضطر لتعلم العيش بلا دولة. لجان الأحياء وشبكات التكافل ولدت لأن الدولة تخلت عن وظائفها الأساسية. هذه الأشكال التنظيمية تشير إلى إمكانية بناء دولة مختلفة، لكنها أيضاً تدين الدولة القديمة التي أجبرت الناس على اختراع بدائل للبقاء.

تُظهر الحرب أن الدولة السودانية لم تكن ضحية للصراع، بل كانت مهندسته الرئيسية. كل مكون من مكونات الكارثة - من الاقتصاد الموازي إلى المجتمع المفكك إلى التبعية الخارجية - كان حصيلة خيارات متعمدة لدولة آثرت خدمة النخبة على تنمية الشعب. الانهيار الحالي ليس أزمة عابرة، بل هو النتيجة الحتمية لمسار بدأ مع الدولة الاستعمارية واستمر عبر كل الأنظمة اللاحقة.

التحدي الآن هو بناء دولة لم توجد من قبل: دولة تنبثق من حاجات الناس لا من عصا السلطة. هذا التحول يتطلب تفكيك البنية القديمة بالكامل، لأن كل محاولة لإصلاح نظام صُمم للفشل ستؤدي إلى إعادة إنتاج العنف بصور جديدة.

كما كتب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي: "الأزمة تكمن في حقيقة أن القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد". تمثل حرب السودان هذه اللحظة التاريخية حيث يموت النظام القديم ببطء، والمعاناة تكمن في صعوبة ولادة البديل. المهمة الحالية هي تسريع موت القديم وتسهيل ولادة الجديد، وهذا يتطلب شجاعة مواجهة الحقيقة: أن الدولة نفسها كانت المشكلة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...
- 4. فائض القيمة القذر – اقتصاد الجسد ومعسكرات العمل في منظومة ...
- 3. النسيان كإعادة إنتاج: الأسرة بوصفها موقع استغلال طبقي وال ...


المزيد.....




- -أغبى قرار-.. مشرع أمريكي يوجه انتقادات لاذعة لترامب لمحاولة ...
- سوريا: أحمد الشرع يعلن التوصل إلى اتفاق مع الأكراد.. ما بنود ...
- أخبار اليوم: دمشق تعلن التوصل لاتفاق مع -قسد- يتضمن وقفا لإط ...
- هل طلب ترامب مليار دولار مقابل تمديد العضوية في -مجلس سلام- ...
- سوريا: الشرع يوقع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع قوات سوريا الدي ...
- الاتحاد الأوروبي: هل يتم تفعيل آلية مكافحة الإكراه مقابل تهد ...
- ما الرد الأوروبي على تهديد ترامب بفرض رسوم جديدة؟
- اتفاق جديد لوقف إطلاق النار...هل انتهى تنظيم قوات سوريا الدي ...
- غزة: لماذا يعترض نتانياهوعلى تركيبة مجلس السلام ؟
- بعداعتراضه على تركيبة مجلس السلام لإدارة غزة... نتنياهو يعقد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية