أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد















المزيد.....

اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 12:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في كل مرة تعلن فيها الحكومة نيتها “تعزيز الإيرادات” يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري لا يبدو أن أحداً في دوائر القرار يريد الإجابة عنه بوضوح: أي إيرادات تقصدون؟ وهل الطريق إلى الخزينة العامة يمر حتماً عبر جيوب المواطنين، أم أن هناك أبواباً واسعة ظلت مغلقة عمداً أو عجزاً أو تواطؤاً؟
إن الاتجاه العام لتعزيز الإيرادات ليس موضع خلاف من حيث المبدأ، فالدولة التي تعتمد على مورد واحد، وتعيش على إيقاع تقلباته السياسية والاقتصادية، محكومة بالأزمات. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الهدف، بل في الوسيلة. فالحكومة، بدل أن تذهب إلى منابع الهدر والفساد والإيرادات المعطلة، اختارت الطريق الأسهل سياسياً والأقسى اجتماعياً: فرض ضرائب مباشرة وغير مباشرة، وإلغاء مخصصات، وتقليص امتيازات لم تعد أصلاً امتيازات بقدر ما هي تعويضات عن خلل بنيوي في الأجور ومستوى الخدمات.
هذه السياسة لا يمكن توصيفها إلا بوصفها إدارة فاشلة للأزمة، أو هروباً منظماً من مواجهة الملفات الثقيلة. فالدولة التي تمتلك عشرات المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية، وتتركها مرتعاً للفوضى والتسرب المالي، ثم تعود لتطرق أبواب الموظفين وأصحاب الدخل المحدود، لا يمكن أن تدّعي الجدية أو العدالة. الجدية تبدأ من الأعلى لا من الأسفل، ومن مراكز القوة لا من حلقات الضعف.
المنافذ الحدودية وحدها كفيلة، لو أُديرت بعقل الدولة لا بعقل الجماعات، بأن تضيف إلى الخزينة أرقاماً تفوق ما تحققه كل الضرائب الجديدة مجتمعة. لكن ما الذي يحدث فعلياً؟ يحدث أن الرسوم تُخفض، أو تُلغى، أو تُدوّر خارج السياق القانوني. يحدث أن السلع تدخل بأقل من قيمتها الحقيقية، أو بلا تسجيل دقيق، أو بتفاهمات معروفة لا تحتاج إلى لجان تحقيق كي تُكتشف. ومع ذلك، لا نرى إرادة سياسية حاسمة لإغلاق هذا النزيف، بل نرى تسويفاً دائماً، ووعوداً مؤجلة، وخطاباً فضفاضاً عن “إصلاحات قادمة”.
الأمر ذاته ينطبق على إيرادات المرور. ملايين المركبات تجوب الطرق، وغرامات تُفرض على الورق، لكن ما يدخل فعلياً إلى الخزينة لا يتناسب مطلقاً مع حجم النشاط. أين تذهب هذه الأموال؟ لماذا لا يُعاد تنظيم هذا القطاع إلكترونياً، وبشفافية، وبعزل كامل بين الجهة الجابية والجهة الرقابية؟ لماذا يبقى المرور ملفاً هامشياً في النقاش المالي، رغم أنه قطاع جاهز للإصلاح وسريع العائد؟ الإجابة واحدة في كل مرة: لأن الإصلاح هنا سيصطدم بشبكات مصالح قائمة، ولأن كلفة المواجهة السياسية أعلى من كلفة تحميل المواطن عبء الفشل.
أما إيرادات المشتقات النفطية والغازية، فهي القصة الأكثر فجاجة. دولة نفطية، تمتلك ثروة هائلة، لكنها تتعامل مع منتجاتها الثانوية بعقلية الفوضى. تهريب، فقدان للسيطرة على حلقات التوزيع . كل هذا يحدث في العلن، ومع ذلك لا نرى خطة وطنية صارمة لإغلاق منافذ الهدر. بدلاً من ذلك، يجري الحديث عن رفع الدعم، أو إعادة هيكلة الأسعار، وكأن المشكلة في الدعم ذاته، لا في من يسرقه قبل أن يصل إلى مستحقيه.
البلديات بدورها تمثل خزينة معطلة. رسوم خدمات، إيجارات، استثمارات، غرامات تجاوز، وكلها إيرادات محتملة لو أُديرت بكفاءة. لكن البلديات في كثير من الأحيان تحولت إلى عبء مالي لا إلى رافد، بسبب سوء الإدارة، والترهل الوظيفي، وغياب الرؤية الاستثمارية. ومع ذلك، لا نسمع عن إصلاح جذري لهذا القطاع، بل نسمع عن تقليص تخصيصاته، وكأن العقاب يقع دائماً على المؤسسة الأضعف، لا على المنظومة التي شلت قدرتها على الإنتاج.
المشكلة الأعمق أن الحكومة تتعامل مع الإيرادات بعقلية محاسبية ضيقة، لا بعقلية اقتصادية شاملة. فرض الضرائب وإلغاء المخصصات قد يحقق وفراً آنياً على الورق، لكنه يضرب الاستهلاك، ويقلص القدرة الشرائية، ويعمق الركود، ما يعني أن الدولة ستخسر لاحقاً أكثر مما ربحت مؤقتاً. هذه معادلة يعرفها أي طالب اقتصاد، لكنها تغيب حين تتحول السياسة المالية إلى أداة ترقيع لا أداة إصلاح.
ثم إن العدالة الضريبية، التي تُستخدم كشعار لتبرير القرارات، لا تتحقق بفرض أعباء متساوية على غير المتساوين. الموظف، والمتقاعد، وصاحب الدخل الثابت، هم الحلقة الأسهل في الاستهداف، لأن دخلهم مكشوف، ويمكن اقتطاعه بقرار إداري. أما أصحاب الدخول الكبيرة، والأنشطة غير المعلنة، والاقتصاد الموازي، فيبقون خارج دائرة المساءلة. هكذا تُشوَّه فكرة العدالة، وتتحول الضريبة من أداة إعادة توزيع إلى أداة تعميق للفوارق.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج يرسل رسالة سلبية إلى المجتمع: الدولة غير قادرة على إدارة مواردها، لكنها قادرة على معاقبة مواطنيها. وهذه رسالة تقوض الثقة، وتدفع الناس إلى التهرب، وإلى البحث عن طرق التفاف، لأن العلاقة بين الدولة والمواطن لم تعد قائمة على الشراكة، بل على الجباية القسرية.
لو كانت الحكومة جادة، وتمتلك قوة القرار، لبدأت بملف المنافذ، لأنه الملف الأكثر وضوحاً والأعلى عائداً. لذهبت إلى إعادة هيكلة قطاعات المرور، والمشتقات النفطية، والبلديات، وربطها جميعاً بأنظمة إلكترونية شفافة، مع رقابة مستقلة وقضاء مالي فاعل. لفتحت ملفات العقود الكبرى، والاستثناءات، والإعفاءات غير المبررة، التي تحرم الخزينة من مليارات سنوياً. لكنها لم تفعل، لأنها تعرف أن هذه الملفات ليست تقنية، بل سياسية بامتياز.
إن ما يجري اليوم ليس إصلاحاً مالياً، بل نقل للأزمة من دفاتر الدولة إلى موائد الناس. وهو نقل مؤقت، لأنه لا يعالج أصل الخلل، بل يؤجله، وربما يفجره لاحقاً بشكل أكثر عنفاً. الدولة التي تريد إنقاذ ماليتها لا تبدأ بالضعفاء، ولا تكتفي بالحلول السهلة، ولا تخلط بين الجرأة والشعبوية.
الجرأة الحقيقية هي أن تقول الحكومة بوضوح: لدينا موارد مهدورة، ولدينا فساد، ولدينا شبكات نفوذ تعطل الإيرادات، وسنواجهها مهما كانت الكلفة. دون ذلك، ستبقى كل قرارات الضرائب وإلغاء المخصصات مجرد عناوين مثيرة، تخفي وراءها عجزاً سياسياً عن اتخاذ القرار في المكان الصحيح.
إن تعزيز الإيرادات ليس امتحاناً حسابياً، بل امتحان إرادة. وحتى الآن، يبدو أن الحكومة اختارت أن تنجح في الدفاتر، وتفشل في الدولة.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان


المزيد.....




- -أغبى قرار-.. مشرع أمريكي يوجه انتقادات لاذعة لترامب لمحاولة ...
- سوريا: أحمد الشرع يعلن التوصل إلى اتفاق مع الأكراد.. ما بنود ...
- أخبار اليوم: دمشق تعلن التوصل لاتفاق مع -قسد- يتضمن وقفا لإط ...
- هل طلب ترامب مليار دولار مقابل تمديد العضوية في -مجلس سلام- ...
- سوريا: الشرع يوقع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع قوات سوريا الدي ...
- الاتحاد الأوروبي: هل يتم تفعيل آلية مكافحة الإكراه مقابل تهد ...
- ما الرد الأوروبي على تهديد ترامب بفرض رسوم جديدة؟
- اتفاق جديد لوقف إطلاق النار...هل انتهى تنظيم قوات سوريا الدي ...
- غزة: لماذا يعترض نتانياهوعلى تركيبة مجلس السلام ؟
- بعداعتراضه على تركيبة مجلس السلام لإدارة غزة... نتنياهو يعقد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد