أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية















المزيد.....

الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 00:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


رأس المال، في سعيه إلى نمذجة الإنسان ومضاعفة الاستهلاك لتعظيم الرّبح ومزيد من الرّبح، اخترع الإشهار بوصفه حلاً لمشكلة التّرويج. ولم يكتفِ بذلك، بل عمد إلى تصنيع الرّغبات والحاجات، وتهيئة أذهان الناس ووجدانهم، والإلحاح عليهم بها على مدار الساعة، إلى أن يتوهموا أنهم في حاجة حقيقية وملحّة إلى ذلك المنتوج، وأن حياتهم لا تستقيم بدونه.
ومن بين الوسائل التي تعتمدها الدعاية الإشهارية، تقديم رجل يرتدي الأبيض، يتحدث بلهجة علمية عن "الفوائد" المزعومة لمرهم معيّن أو لصبغة شعر بعينها، وما إلى ذلك من أساليب الإيهام. فالعملية، من بدايتها إلى نهايتها، ليست سوى تنويم وتخدير للمستهلك. ولإضفاء "المصداقية" على عملية التضليل، يُستدعى الطبيب أو رجل العلم لاستثمار صورته الرمزية وثقة الناس فيه من أجل تحقيق الإقناع.

في هذا الصدد، يعلّق المفكر الفرنسي الماركسي "غي ديبور" قائلاً: "في الإشهار، تحضر الحقيقة بوصفها لحظة من لحظات الخطأ".

وهنا نصل إلى بيت القصيد. فمضمون خطاب بعض الشخصيات في تونس مُزيّفًا إلى درجة أننا نستغرب إقدامهم على مجانبة الحقيقة، وتشبثهم بخطاب ملتبس في ذاته وفي منابته، وفي غاياته. وفي الخِلال، تجده "يڨشڨش"، فيستدعي بعض الآيات القرآنية. أو يستشهد بمقولات مأثورة لشخصيات ذات مكانة في ضمير التوانسة يُنظر إليها بوصفها محلّ ثقة، كأن ينتحل نبرات من فرحات حشاد، أو بورقيبة. وأحيانًا أخرى يستنجد بقيم ومبادئ مُلهِمة... وفي كل ذلك، لا يفعل سوى استحضار الحقيقة بوصفها لحظة من لحظات الخطأ، تمامًا كما وصفها ديبور.

هذا المنطق ينطبق على تكرار المغالطات في الشأن السياسي، بهدف فرض نوع من العبودية المنهجية على النّاس على نحو يُصبح أيّ رأي مختلف عن آرائهم يُصنّف فورا في خانة العداء للحرية. وهي عبودية يرفع رايتها اليساري ذو النشأة الراديكالية، واليميني الليبرالي (لا سيما ذاك الذي يعتقد أن فرنسا هي مركز النظام الشمسي)، وكذلك السّلفي الظلامي الذي لا يؤمن بالنظام الجمهوري، ويدّعي الدفاع عن الديمقراطية من باب التقية. وجميع هؤلاء يشتركون في العمل على ترويج بضاعة واحدة باستخدام كل أنواع التخابث والتحايل على الناس وتزوير وعيهم بتشويه كلّ الأفكار وكلّ المقترحات، وتبخيس كلّ النّقاشات التي لا تخدم عملية البيع.

بقطع النظر عن الأسباب الموضوعية التي تُبرّر خيار المطالبة بتغيير سياسات الدولة، فالبضاعة الوحيدة المطروحة للبيع اليوم هي إسقاط قيس سعيّد. وفي الطريق إلى هذا الهدف كلّ شيء مُباح.

على سبيل المثال، أنت مُخيّر بين أن تكون عدوّ للحرية ويوضع إسمك على قائمة "أعوان الانقلاب" لِتُحاكم بعد سقوط قيس سعيّد، وبين أن تُعلن أن الحل الوحيد هو عودة ديمقراطيّة النهضة.

أن تسمي ديمقراطية سيطرة حزب ديني على كلّ أجهزة الدولة، وتحويل جميع مراكز القرار الإداري إلى خلايا تابعة له.

أن تعلن أن من حق راشد الغنوشي وعصابته أن يكون لديهم جهاز إرهاب ومخابرات موازي لوزارة الداخلية.

أن لا تتطرّق أبدا لقتل شكري، قتل البراهمي، قتل سقراط الشارني ومئات من العسكريين والأمنيين.

أن لا تتحدث عن إفراغ الإدارة من الكفاءات، وملأها بالموالين والمرتزقة.

أن لا تُدين حزبا جعل من الفساد ثقافة الدولة وسياستها. فخرّب الاقتصاد. وانتدب آلاف من أبناء الفقراء وباعهم في سوق الحروب السوداء. وأعاد من بقي منهم على قيد الحياة، وأدمجهم في الأجهزة الأمنية.

أن لا تُدين حركة النهضة التي بنت للإرهاب بنية تنظيمية متينة في البلاد وزودته بكل ما يحتاج، بما في ذلك وضع مصالح الاستعلامات على ذمته حتى تحميه وتضمن تحركاته.

أن تعرّف الديمقراطية على أنها مساومة وزير العدل الأسبق نورالدين البحيري للفاسدين والمجرمين والهاربين بأموال الدولة، وتخييرهم بين الرشوة والموت في السجن.

أن تُقرّ دون تردّد بأن الديمقراطية هي وقوع الدولة في قبضة عصابة إرهابية تكفيرية، أعلنت دعمها للجهاد في سوريا وفي ليبيا، وانخرطت للعنق في أخطر محور راعي للإرهاب في المنطقة.

أن تسمي نظام ديمقراطي، تنمية الفساد وتطويره في المجال الاقتصادي، وفي باقي مجالات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة.

أن تدافع عن الديمقراطية التي يشتري فيها الفساد قرار مؤسسة البرلمان، وقرار مؤسسة العدالة، ويتحكم بجميع الهيئات التي قُدّت على نحو يستحيل عليها محاصرته والإطاحة به.

أن تعتبر المجلس الأعلى للقضا ركيزة الديمقراطية الاولى في البلاد، وهو الذي تولّى حماية اللصوص والمجرمين والمهربين والإرهابيين، وأوصل الدولة إلى حالة التفكك والعجز، وأوصلت الشعب إلى حالة الجوع والتسوّل (بشهادة عضوين من عذا المجلس بعد ان انفجر الصراع بينهما).

أن لا تتحدث بكلمة واحدة عن الفساد الذي اندمج بالإرهاب وسيطر على مقدرات البلاد واستخدم "الديمقراطية" سلاحا حتى بات الفساد، في وقت ما، هو الدولة وهو الديمقراطية وهو السياسة وهو الانتخابات وهو المؤسسات وهو التجارة والصناعة والفلاحة والتعليم والصحة والمجتمع المدني وسبر الآراء.

هذه هي "الديمقراطية" وهذه هي "مؤسسات الثورة" التي تُعبّأ باسمها الجماهير في الشوارع للمطالبة بإسقاط قيس سعيد وعودتها.

كلّ هذه الأمور ممنوع الحديث فيها، ويجب نسيانها، لأنّها أمور تُعطّل بيع البضاعة. وهذه هي العبودية المنهجية المفروضة على الناس اليوم، على أمل أن تصبح وعيًا جماعيا، على أساسه يتمّ تجييش الشارع.

صحيح الرئيس قاد مسار 25 جويلية منفردا بالقرار. وصحيح أن هنالك مئة سبب لمعارضته. وصحيح أنّ انعزاليته وتفرده بالحكم أضرّ بالبلاد حين عقّد عملية الإصلاح وجعلها شبه مستحيلة. ولكن من الافتراء القول بأنه انقلب على الديمقراطية، والحال أن الأغلبية الساحقة من الطبقة السياسية باركت الحدث، وحتى راشد الغنوشي اعتبره (فرصة للمراجعة والإصلاح)

باختصار، الحقيقة الاولى التي يجب أن تُقال بشجاعة دون تفكير في ترويج البضاعة، هي أنه لم تكن هنالك ديمقراطية، وتمّ الانقلاب عليها، بل كان هنالك جحيم. كان هنالك فساد يحكم باستخدام مظاهر الديمقراطية.
الحقيقة الثانية، فهي فشل منظومة حكم الرئيس قيس سعيد في تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. فشل في إصلاح القضاء والدليل هو تمييع الجريمة الإرهابية من خلال سجن محامين وإعلاميين ونشطاء مناهضين للعنف بكل أشكاله وعدائهم الصريح للإرهاب. فشل في تغيير التشريعات وإصلاح الإدارة وضرب معاقل اقتصاد الرّيع والفساد الحقيقي. فشل في إصلاح التعليم والصحة والنقل والسكن ومحاربة الفقر ...

أما الحقيقة الثالثة، والأهم، هي أن التغيير لا يمكن إنجازه إلا بالشعب. وهذا الشعب لا يمكن أن تقوده الأكاذيب والدعايات وتزييف الحقائق.

(*) يڨشڨش = بالمصطلح العامي يعني جمع ما وقعت عليه اليد من الحطب الخفيف.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حول مطالبة الحزب الشيوعي الإيراني بإسقاط نظام الملالي.
- أوهام الخلاص الخارجي ومآلات الخراب الداخلي
- التغيير المؤجَّل: بين دعاية -السقوط الوشيك- والأسئلة التي تخ ...
- شرعية بلا مشروع: كيف أُفرغت الدّولة من السياسة في تونس
- هل سيستولي ترامب على جزيرة غرينلاند كما توعّد؟
- من نفط فنزويلا إلى غرينلاند، أطماع ترامب العالمية، وصراع الأ ...
- المعارضة التونسية والغارة الأمريكية على فينيزويلا
- إنها تيتانيك، وليست سفينة نوح. فيا بُنيّ لا تركب معنا.
- راشد الغنوشي هو الحليف الوحيد لنظام قيس سعيّد
- كيف نفهم عملية اختطاف -مادورو- ؟ وما هي رسالتنا للمعارضة الت ...
- -ديمقراطية الأقليات- في معنى -جودة السياسة- و-الشعب المستنير ...
- حتى لا يحتقركم شعبكم !
- رسالة إلى العقلاء في السلطة وفي الاتّحاد الاتحاد العام التون ...
- الاختلاف، التسامح، وحدود المشترك في الدولة الحديثة
- قراءة نقدية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي (2025–2030): ...
- وثيقة -الوصاية الجزائرية المزعومة- كيف نفهمها؟
- مأزق الرّمز في ذاكرة الشعوب، إضاءة على رسالة السيد منذ الزنا ...
- الانقسام داخل الفضاء العام في تونس: هل هو انعكاس لاختلاف سيا ...
- التوانسة فرّوا من حركة النهضة، وليس من الديمقراطية
- ملاحظات حول مسيرة 17 ديسمبر 2025


المزيد.....




- -وداعا يا أم الدنيا-.. السفيرة الأمريكية بمصر تعلن انتهاء عم ...
- آخر تطورات الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات -قسد- في حلب وا ...
- فاروق حسني والخليفي وأصالة.. المكرموّن في حفل Joy Awards 202 ...
- -لا نريد أن نكون أمريكيين-.. تظاهرات ضد ترامب في الدنمارك تض ...
- الفائزون بـJoy Awards 2026 في موسم الرياض.. القائمة الكاملة ...
- 4 مطالب تريدها أميركا من إيران لوقف الضربة
- ترامب يبحث عن قيادة جديدة لإيران وطهران تتوعد بالحزم مع ملف ...
- واشنطن بوست: تفاصيل اللحظة الحاسمة في قرار ترامب بشأن إيران ...
- وزيرة خارجية ناميبيا تناقش في روسيا توسيع آفاق التعاون النوو ...
- قسد: نخوض اشتباكات مع -مسلحي دمشق- في المنصورة


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية