أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل















المزيد.....



أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 02:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نحن نعيش زمنا انكسرت فيه الأزمنة نفسها. لم يعد التاريخ يسير على خطّ مستقيم، ولا الصراع الطبقي يتخذ شكله الكلاسيكي الواضح، ولا العدوّ يرفع وجهه عاريا. نحن في عصر الرقمنة المعمّمة والعولمة المتوحّشة، حيث لم تعد السلطة متمركزة فقط في القصر أو الثكنة أو الوزارة، بل موزّعة في الخوارزميات، في منصّات المال، في شبكات البيانات، في أسواق لا ترى، وفي قرارات تتّخذ خارج الجغرافيا وتفرض داخل الأجساد.
في هذا العصر، لا يمكن لليسار التونسي ، ولا لليسار في العالم ، أن يواصل النضال بأدوات القرن العشرين ضدّ رأسمالية القرن الحادي والعشرين. فالخصم لم يعد فقط ربّ العمل المحلي أو الدولة الوطنية، بل منظومة كونية تعيد إنتاج الاستغلال بوسائل ناعمة: العمل الهشّ، الاقتصاد الرقمي، تحويل الإنسان إلى “مستخدم”، إلى رقم، إلى ملفّ بيانات قابل للبيع والشراء. العامل لم يعد يقف فقط خلف آلة، بل خلف شاشة، بلا عقد، بلا حماية، بلا نقابة، وبلا أفق.
العالمية اليوم ليست شعارا أمميا رومانسيا، بل واقعا قاسيا: رأس المال عابر للحدود، بينما الفقراء محاصرون داخلها. القرارات الاقتصادية تكتب بلغة إنجليزية باردة، وتترجم محليا إلى بطالة، تقشّف، خصخصة، وتهشيم للخدمات العمومية. في هذا السياق، يصبح الخطاب اليساري الذي لا يفهم العولمة الجديدة، ولا يفكّك آلياتها الرقمية والمالية، خطابا خارج الزمن، مهما كانت صدقيته الأخلاقية.
الرقمنة لم تكن محايدة. لقد استخدمت لإعادة هندسة الوعي، لتفكيك الجماعات، لتحويل الغضب إلى تعليقات، والاحتجاج إلى “ترند” عابر، والسياسة إلى فرجة. من لا يحتل الفضاء الرقمي اليوم، لا وجود له في وعي الأجيال الجديدة. لكن اليسار، في كثير من الأحيان، تعامل مع هذا الفضاء إمّا بخوف أخلاقي، أو باحتقار نخبوي، فتركه لقوى الرجعية، ولليبرالية الجديدة، ولخطابات الكراهية والشعبوية.
اليسار الثوري اليوم مطالب بأن يعيد تعريف نفسه لا كحارس لذاكرة نضالية فقط، بل كقوة قادرة على قراءة العالم كما هو، لا كما كان. أن يفهم أنّ الصراع لم يعد فقط حول الأجور، بل حول المعنى، والوقت، والكرامة، والسيادة الرقمية، والحق في المدينة، والحق في المعرفة، والحق في المستقبل. أن يدرك أنّ الوطنية نفسها لم تعد تختزل في الشعارات، بل في مقاومة تحويل البلاد إلى سوق مفتوحة بلا قرار وبلا سيادة.
إنّ تجديد الخطاب ليس خيانة للتاريخ، بل وفاء له. وتجديد الأدوات ليس تراجعا عن الجذرية، بل نقلها إلى مستوى أعلى. اليسار الذي لا يرى أنّ الرأسمالية غيّرت جلدها، سيفشل في نزع هذا الجلد. واليسار الذي لا يربط بين المحلي والعالمي، بين الرقمي والاجتماعي، بين اليومي والبنيوي، سيظلّ يدور في حلقة احتجاج بلا أفق.
نحن بحاجة إلى يسار يجيد لغة هذا العصر دون أن يفقد روحه، يسار يفهم الخوارزمية كما يفهم المصنع، السوق المالية كما يفهم الحقل، المنصّة الرقمية كما يفهم الشارع. يسار لا يخاطب الناس من فوق، بل ينخرط في تفاصيل حياتهم المكسورة، ويحوّل الغضب المشتّت إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى أفق تحرّر.
في زمن العالمية المتوحّشة، لا خلاص فرديا. وفي زمن الرقمنة الشاملة، لا نضال أعمى. إمّا يسار يعيد اختراع نفسه داخل هذا العصر، أو عصر يبتلعه بلا أثر.
إذا كانت المقدّمة قد وضعتنا داخل زمن التحوّل الرقمي والعالمي بوصفه إطارا عاما، فإنّ الخطوة التالية تقتضي النزول إلى أرض الواقع التونسي، لا بوصفه استثناء، بل كحلقة هشّة داخل هذا النظام الكوني. تونس اليوم ليست فقط بلدا مأزوما اقتصاديا أو مختنقا سياسيا، بل فضاء تتقاطع فيه أشكال جديدة من السيطرة مع أشكال قديمة من الاستبداد، ما يجعل الأزمة مركّبة، لا تختزل في السلطة القائمة ولا في خصومها الظاهرين.
اليسار التونسي يجد نفسه أمام واقع اجتماعي لم يعد يشبه ذلك الذي تشكّلت فيه هويته التنظيمية. الفئات الشعبية لم تختف، لكنها تفكّكت: عامل بلا مصنع، عاطل بلا أفق، شاب بلا انتماء طبقي واضح، امرأة تتحمّل عبء الاقتصاد المنزلي والعمل الهشّ معا، وريف مفرّغ من شبابه. هذه الفئات لا تنتظر برنامجا نظريا متماسكا بقدر ما تنتظر تمثيلا سياسيا لمعاناتها، لغة تعترف بها، وتنظيما يشعرها بأنّها ليست وحدها في مواجهة آلة ساحقة.
غير أنّ اليسار، في جزء كبير منه، ظلّ يتعامل مع هذه التحوّلات بمنطق الإنكار أو التبسيط. إمّا يسقط عليها قوالب قديمة، أو يفسّرها بوصفها “وعيا زائفا” دون أن يسأل عن أسباب هذا الزيف وشروط إنتاجه. وهنا مكمن الخلل: حين يتحوّل التحليل إلى محاكمة أخلاقية للجماهير، يفقد اليسار موقعه الطبيعي كأداة تحرّر، ويصبح مجرّد مراقب غاضب.
في تونس، لم تعد الدولة هي المشغّل المركزي، ولا النقابة الإطار الجامع، ولا الحزب القناة الوحيدة للفعل السياسي. هذا لا يعني نهاية الصراع، بل تغيّر ساحاته. الصراع اليوم يجري في سوق العمل الهشّ، في أسعار المواد الأساسية، في الحق في التنقّل والعلاج والتعليم، في الزمن المسروق من حياة الناس. من لا يشتبك مع هذه الساحات، يبقى خارج التاريخ الفعلي، مهما كانت صلابة شعاراته.
ثمّة مأزق آخر لا يقلّ خطورة: مأزق القطيعة الجيلية. أجيال جديدة تشكّلت خارج سرديات اليسار الكلاسيكية، لا تعاديه بالضرورة، لكنها لا تراه معنيا بها. هذه الأجيال لا تقرأ البيانات، ولا تحضر الاجتماعات، لكنها تعيش السياسة يوميا في شكل قلق وجودي، في هجرة حلمية، في رفض صامت، أو في انفجارات فردية معزولة. تجاهل هذا الواقع، أو التعامل معه بتعال، يعني تركه لقوى أكثر تطرّفا وأقلّ التزاما بالتحرّر.
إنّ المراجعة تبدأ من هنا: من الاعتراف بأنّ الأزمة ليست فقط أزمة ميزان قوى، بل أزمة تموضع. اليسار مطالب بأن يسأل نفسه: أين نقف اليوم؟ مع من؟ وبأي أدوات؟ لا لكي يبرّر تراجعه، بل لكي يستعيد قدرته على الفعل داخل واقع متحوّل، لا ينتظر أحدا.
هذه ليست دعوة إلى القطيعة مع الماضي، بل إلى فكّ الارتباط مع أوهام الماضي. فالتاريخ لا يستعاد كما هو، بل يستأنف من النقطة التي وصل إليها الصراع. واليسار الذي لا يملك شجاعة هذا التشخيص، لن يمتلك جرأة ما سيأتي بعده.
المعضلة التنظيمية لليسار التونسي لم تعد مسألة تقنية أو إجرائية، بل أصبحت مسألة سياسية بامتياز. فالأشكال التنظيمية التي صمدت تاريخيا بوصفها أدوات للنضال تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى هياكل ثقيلة، بطيئة، منغلقة، غير قادرة على التقاط إيقاع المجتمع المتسارع. التنظيم الذي لا يتغيّر يتحوّل من أداة تحرّر إلى جهاز حفظ ذات، ومن وسيلة للتدخّل إلى غاية في حدّ ذاته.
في زمن السيولة الاجتماعية والعمل الهشّ، لم يعد ممكنا افتراض التزام طويل المدى، أو انضباط حديدي، أو مسار نضالي متدرّج كما في السابق. الناس اليوم يدخلون السياسة من شقوق حياتهم اليومية، من معركة جزئية، من ظلم مباشر، من حادثة تبدو صغيرة لكنها كثيفة الدلالة. التنظيم الذي لا يسمح بهذا الدخول المتعدّد، ولا يفتح مسالك مرنة للانخراط، يعزل نفسه تلقائيا عن القاعدة الاجتماعية التي يدّعي تمثيلها.
اليسار التونسي، في جزء منه، ما يزال يتعامل مع التنظيم بوصفه فضاء تطهير إيديولوجي، لا فضاء تجميع قوى. تقاس القيمة السياسية بالصفاء النظري لا بالقدرة على التأثير، وبسلامة الموقف لا بمدى انتشاره. هذا المنطق، وإن بدا أخلاقيا، أدّى عمليا إلى التفكك، وإلى تحويل الاختلافات الثانوية إلى انشقاقات، والاختلافات التكتيكية إلى خصومات وجودية.
ثمّة مسألة أخرى أكثر عمقا: العلاقة بين المركز والقاعدة. التنظيمات اليسارية كثيرا ما أعادت إنتاج منطق الوصاية، حتى وهي ترفع شعارات التحرّر والديمقراطية. القرار يصاغ في دوائر ضيّقة، والخط ينزّل من فوق، والقاعدة تستدعى للتنفيذ لا للمبادرة. في زمن الشبكات الأفقية، هذا النمط لم يعد فقط غير جذّاب، بل غير قابل للحياة.
التنظيم الثوري اليوم مطالب بأن يكون مختبرا لا معبدا، شبكة لا هرما صلبا، أداة تعلّم جماعي لا جهاز تلقين. تنظيم يسمح بالخطأ، بالتجريب، بالانسحاب والعودة، ويراكم الخبرة بدل أن يعاقب الفشل. هذا لا يعني الفوضى، بل يعني إعادة تعريف الانضباط بوصفه التزاما واعيا لا طاعة عمياء.
كما أنّ العلاقة بين التنظيم والسياسة الجماهيرية تحتاج إلى إعادة بناء. ليس كلّ فعل جماهيري يحتاج إلى ختم حزبي، ولا كلّ مبادرة اجتماعية يجب أن تحتوى تنظيميا. أحيانا يكون دور اليسار أن يرافق لا أن يقود، أن ينير لا أن يسيطر، أن يفتح أفقا لا أن يحتكر المسار.
إنّ أزمة التنظيم ليست سببا في ضعف اليسار فقط، بل هي أيضا نتيجة له. لكنها، في الآن نفسه، بوّابة استعادته لدوره التاريخي. من دون أشكال تنظيمية قادرة على التنفّس داخل هذا العصر، سيبقى اليسار فكرة جميلة بلا جسد، أو جسدا بلا نبض.
و نضع السؤال في قالبه الحقيقي: كيف ننظّم أنفسنا كما نحن اليوم، لا كما كنّا بالأمس، ولا كما نتمنّى أن نكون؟.
حين نطرح مسألة التنظيم اليوم، فنحن لا نناقش مجرد شكل إداري أو هيكلة داخلية، بل نضع اليد على أحد أعطب اليسار التاريخية في علاقته بالعصر. فالتنظيم، كما تشكّل في المنطق القديم، كان ابن زمن مختلف: زمن الاستقطاب الحاد، الصراع الثنائي الواضح، الدولة المركزية، المصنع بوصفه قلب المجتمع، والحزب بوصفه عقل الطبقة. في ذلك السياق، كان التنظيم الهرمي، المنضبط، المغلق نسبيا، قادرا على الفعل والتأثير.
لكن هذا المنطق نفسه، حين نقل آليا إلى عصر الرقمنة والسيولة والعولمة، تحوّل من أداة قوة إلى عائق بنيوي. فالعالم لم يعد يدار من مركز واحد، ولا تصاغ فيه الصراعات على خطّ واحد، ولا تتحرّك فيه الجماهير وفق إيقاع ثابت. المجتمع اليوم شبكة من التناقضات المتداخلة، والفاعلون فيه متعدّدون، متغيّرون، عابرون أحيانا، ومؤقّتون في كثير من الأحيان.
المنطق القديم للتنظيم كان يفترض الاستقرار: استقرار الانتماء، استقرار الهوية السياسية، واستقرار الزمن النضالي. أمّا منطق العصر، فيقوم على الحركية: الناس تدخل السياسة وتخرج منها، تشتبك ثم تنسحب، تعود من زاوية أخرى، وبأدوات أخرى. التنظيم الذي يطلب من الجميع أن يكونوا “مناضلين كاملين” طوال الوقت، لا يستوعب إلا أقلية، ويقصي الأغلبية دون أن يقصد.
ثمّة فرق جوهري بين التنظيم والتنظّم. التنظيم هو الشكل، أما التنظّم فهو العملية. التنظيم قد ينشأ بقرار، لكن التنظّم يولد من الحاجة. في العصر الجديد، التنظّم غالبا ما يسبق التنظيم: مبادرات محلية، تنسيقيات ظرفية، حملات رقمية، حركات مطلبية بلا هوية حزبية واضحة. اليسار، بدل أن يرى في هذا خطرا أو فوضى، مطالب بأن يراه مادة خام سياسية، وأن يتعلّم كيف يتفاعل معه دون أن يخنقه.
أحد أخطر أمراض المنطق القديم هو هوس السيطرة: تحويل التنظيم إلى جهاز ضبط، مراقبة، وفرز إيديولوجي. هذا المنطق قد ينتج صفاء داخليا، لكنه ينتج عزلة خارجية. في زمن الشبكات المفتوحة، من لا يقبل بالاختلاف، ومن لا يحتمل الغموض، ومن لا يسمح بتعدّد السرعات داخل الفعل السياسي، سيبقى تنظيما نقيا… وصغيرا.
منطق العصر يفرض تنظيما مرنا، متعدد المستويات، يسمح بتعايش أشكال مختلفة من الانخراط: مناضل دائم، ناشط ظرفي، متعاطف رقمي، فاعل محلي، مبادر مستقل. ليس المطلوب إذابة التنظيم، بل إعادة تعريفه: من مركز قيادة إلى منصّة تنسيق، من سلطة تقرير مطلقة إلى فضاء اقتراح وتراكم، من هرم صلب إلى شبكة ذات نواة سياسية واضحة وهوامش مفتوحة.
كما أنّ العلاقة بين القيادة والقاعدة يجب أن تعاد صياغتها جذريا. لم يعد ممكنا الحديث عن قيادة “تعرف” وقاعدة “تنفّذ”. المعرفة اليوم موزّعة، والخبرة تتشكّل في الميدان كما في التحليل. التنظيم الذي لا يستمع، لا يتعلّم. والتنظيم الذي لا يتعلّم، يتكلّس.
التنظّم في عصر الرقمنة لا يعني غياب الانضباط، بل تحوّل معناه: من انضباط مفروض إلى التزام نابع من القناعة، من مركزية القرار إلى مركزية الرؤية، من وحدة الشكل إلى وحدة الهدف. التنظيم الثوري ليس نسخة عن الدولة التي نعارضها، ولا عن الشركة التي نقاومها، بل نقيضهما الأخلاقي والسياسي.
فاليسار لا يهزم فقط لأن خصومه أقوى،
بل لأن أشكاله التنظيمية أقدم من الواقع الذي تواجهه.
إمّا تنظيم يتصالح مع منطق العصر دون أن يفقد بوصلته،
أو تنظيم يحرس ماضيه… بينما يتجاوزه التاريخ.
و فيما يخص أزمة الخطاب اليساري اليوم، فهي ليست في مواقفه المعلنة، بل في المسافة الفاصلة بين لغته وحياة الناس. فالخطاب، حين ينفصل عن التجربة الملموسة، يتحوّل إلى تمرين بلاغي مغلق، يقنع أصحابه ولا يصل إلى من يفترض أن يخاطبهم. في زمن تتكثّف فيه المعاناة وتتسارع الوقائع، لم يعد للناس صبر على لغة تدور حول نفسها، ولا على مفاهيم لا تترجم إلى معنى يومي قابل للفهم والتمثّل.
اليسار كثيرا ما تحدّث عن الشعب بوصفه كيانا مجرّدا، بينما الشعب يعيش بوصفه أفرادا منهكين، لكلّ منهم جرحه الخاص. الخطاب الثوري اليوم مطالب بأن يعيد بناء الجسر بين التحليل البنيوي والألم الفردي، بين الاقتصاد السياسي والخبز، بين الاستبداد والكرامة في التفاصيل الصغيرة. لا معنى لخطاب لا يسمّي ما يعيشه الناس بأسمائه، ولا يربط بين السبب العميق والنتيجة اليومية.
أمّا الشعارات، فقد أصابها ما أصاب الخطاب: تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ذاكرة صوتية أكثر منها أداة تعبئة. الشعار الذي لا يشرح، لا يحرّض، ولا يفتح أفقا، يفقد وظيفته الثورية. الشعارات ليست نصوصا محفوظة من تاريخ النضال، بل أدوات اشتباك مع لحظة محدّدة. لحظة يتغيّر فيها شكل العدوّ، تتغيّر بالضرورة طريقة تسميته. العدوّ اليوم قد يكون قرارا ماليا غير مرئي، أو سياسة تقشّف تفرض باسم “الإصلاح”، أو منصّة تراكم الأرباح على حساب هشاشة البشر. من لا يسمّي هذا العدوّ بوضوح، يترك الناس فريسة للتأويلات السطحية أو الخطابات الشعبوية.
الشعار الثوري ليس صراخا فقط، بل تكثيف وعي. هو جملة قصيرة، لكنها مشبعة بالمعنى، قادرة على أن تقال في الشارع، وتتداول رقميا، وتفهم دون شرح طويل. شعار يربط بين المحلية والعالمية، بين تونس والمنظومة التي تخضعها، بين الغلاء والسياسات التي تنتجه، بين القمع ومصالح من يحتمون به.
أمّا التحركات الميدانية، فهي المرآة التي تعكس صدقية الخطاب وجدوى الشعارات. التحرك الذي يعاد إنتاجه بالشكل نفسه، في التوقيت نفسه، وبالمنطق نفسه، يفقد قدرته على المفاجأة والضغط. السلطة، أيّ سلطة، تتعلّم بسرعة. من يواجهها بالأدوات نفسها، يقدّم لها خدمة مجانية. التحركات الثورية اليوم مطالبة بأن تكون ذكية، مرنة، ومتعدّدة الأشكال: تحركات صغيرة لكنها متواصلة، معارك موضعية تراكم وعيا وقوة، أشكال ضغط تربك ولا تستنزف.
كما أنّ الفصل بين الشارع والفضاء الرقمي لم يعد ممكنا. التحرك الذي لا صدى له رقميا يبقى محدود الأثر، والخطاب الرقمي الذي لا سند له ميدانيا يبقى بلا جذور. المعركة اليوم تخاض على أكثر من جبهة في آن واحد، ومن لا يفهم هذا التشابك يخسر دون أن يشعر.
ثمّة خطأ قاتل وقع فيه اليسار مرارا: التعامل مع التحرك بوصفه غاية في حدّ ذاته. التحرك ليس إثبات وجود، بل أداة تغيير. إن لم يكن جزء من مسار واضح، ومن تراكم محسوب، يتحوّل إلى استنزاف للمناضلين وإحباط للأنصار. الناس لا تبحث عن بطولات رمزية، بل عن أفق يشعرها بأنّ التضحيات ليست عبثا.
الخطاب يجب أن ينزل من برجه،
والشعار يجب أن يستعيد حدّته،
والتحرّك يجب أن يستعيد معناه.
من دون ذلك، سيبقى اليسار حاضرا في اللغة، غائبا في التأثير.
و لننتقل الان الى مسالة التحالفات ، فهي ليست مسألة تقنية في توزيع المواقع ولا حيلة انتخابية ظرفية، بل هي في جوهرها سؤال عن موقع اليسار داخل الصراع الاجتماعي. فاليسار الذي لا يحسن بناء التحالفات إمّا يتحوّل إلى طائفة سياسية معزولة، أو يستدرج إلى تحالفات تذيب هويته وتفرغه من مضمونه. وبين العزلة والذوبان، ضاعت في تجارب كثيرة إمكانية بناء جبهة اجتماعية حقيقية.
المنطق القديم للتحالفات كان يقوم على التجانس الإيديولوجي أو على التقارب التنظيمي الصارم. إمّا حلف بين “متشابهين”، أو جبهة تبنى من فوق عبر قيادات، وتعلن ببيانات، دون أن يكون لها امتداد فعلي في المجتمع. هذا المنطق أثبت محدوديته، لأنّ المجتمع نفسه لم يعد متجانسا، ولا الصراع يدور بين معسكرين صافيين.
في منطق العصر، التحالف لا يبنى حول الهويّات، بل حول المهام. لا يبنى حول الاتفاق الكامل، بل حول نقاط اشتباك ملموسة: معركة ضدّ التقشّف، ضدّ الخصخصة، ضدّ تهشيم الخدمات العمومية، ضدّ القمع، من أجل الشغل، من أجل الكرامة، من أجل السيادة على الثروات. الجبهة الاجتماعية ليست حزبا كبيرا، بل ساحة صراع مشتركة تتقاطع فيها قوى مختلفة، دون أن تلغى تناقضاتها.
الخطأ القاتل الذي وقع فيه اليسار مرارا هو التعامل مع التحالف إمّا بمنطق الوصاية أو بمنطق الريبة الدائمة. الوصاية تنفر، والريبة تشلّ. لا يمكن بناء جبهة اجتماعية مع قوى نقابية، شبابية، نسوية، بيئية، مهنية، أو جهوية، إذا كان اليسار يدخل العلاقة بوصفه “الأكثر وعيا” أو “الأكثر نقاء”. الجبهة لا تدار من مركز، بل تدار من التقاء مصالح وصراعات.
الجبهة الاجتماعية ليست رديفا للجبهة السياسية، وإن تقاطعت معها. هي أوسع منها، وأكثر سيولة، وأقلّ انضباطا. فيها من لا يعرّف نفسه يساريا، بل يعرّف نفسه من موقع المعاناة أو المطلب. تجاهل هذه الفضاءات، أو محاولة تسييسها قسرا، يؤدّي إمّا إلى تفجيرها من الداخل أو إلى انسحاب الناس منها. دور اليسار هنا ليس الهيمنة، بل التأطير الواعي دون خنق، والربط بين المعركة الجزئية والسؤال العام.
في تونس، تتكوّن اليوم، رغم التشتّت، ملامح جبهة اجتماعية كامنة: في الاحتجاجات المطلبية، في صراعات الجهات المهمّشة، في مقاومات العمّال الهشّين، في غضب الشباب العاطل، في نضالات النساء ضدّ الفقر الممزوج بالتمييز. هذه الطاقات إمّا أن تترك معزولة فتهزم واحدة واحدة، أو تربط بخيط سياسي جامع دون أن تسلب استقلاليتها.
التحالف، في هذا المعنى، ليس تنازلا عن الجذرية، بل توسيعا لها. الجذرية التي لا تخرج من دائرتها الإيديولوجية تتحوّل إلى شعار، لا إلى قوة. أمّا الجذرية التي تتجسّد في جبهة اجتماعية واسعة، فتتحوّل إلى تهديد فعلي لمنظومة الهيمنة.
لكن لا جبهة اجتماعية بلا وضوح. التحالفات التي تبنى على الغموض المتعمّد، أو على تأجيل الأسئلة الكبرى بلا أفق، تتحوّل إلى ألغام مؤجّلة. المطلوب ليس اتفاقا على كلّ شيء، بل وضوح في خطوط الاشتباك: من مع من، وضدّ من، ولماذا. الجبهة التي لا تسمّي خصمها، تفقد بوصلتها سريعا.
فلا يسار بلا تحالفات،
ولا تحالفات بلا جبهة اجتماعية،
ولا جبهة اجتماعية بلا ثقة تبنى في الميدان، لا في البيانات.
إمّا يسار يتعلّم فنّ العمل المشترك داخل التناقض،
أو يسار يتقن النقد… ويعجز عن التغيير.
اما فيما يخص الدولة ، لم يعد ممكنا لليسار أن يتعامل مع الدولة كما لو أنّها الكيان نفسه الذي عرفه في القرن العشرين: دولة شبه وطنية ذات سيادة منقوصة ، تملك بعض قرارها الاقتصادي، وتحتكر أدوات العنف المشروع، وتدير التوازنات الاجتماعية من داخل حدودها. في زمن العولمة والرقمنة، الدولة تغيّر موقعها ووظيفتها، لا بالضرورة حجم حضورها. قد تبدو قويّة في القمع، ضعيفة في القرار؛ حاضرة في ضبط الأجساد، غائبة في حماية المجتمع.
السلطة اليوم لم تعد متمركزة بالكامل داخل أجهزة الدولة، بل موزّعة بين مؤسسات مالية دولية، أسواق، تصنيفات ائتمانية، شركات عابرة للقوميات، ومنصّات رقمية تتحكّم في المعطيات والوعي والاتصال. الدولة في بلدان مثل تونس لم تختف، بل أُعيد توظيفها: من دولة راعية ، ولو نسبيا ، إلى دولة وسيطة، مهمّتها تمرير الإملاءات، إدارة التقشّف، وضبط الغضب الاجتماعي.
هنا يكمن أحد أخطر الأوهام: وهم استعادة السيادة عبر تغيير الأشخاص أو الخطابات، دون مسّ البنية التي نزعت السيادة أصلا. السيادة اليوم ليست شعارا سياديا مجرّدا، بل معركة مادية حول من يقرّر في الاقتصاد، في الثروات، في الميزانية، في شروط العيش. دولة بلا سيادة اقتصادية هي دولة بلا سياسة اجتماعية حقيقية، مهما رفعت من شعارات.
اليسار، في تعاطيه مع الدولة، تذبذب تاريخيا بين منطقين كلاسيكيين: منطق يرى الدولة مجرّد أداة قمع يجب تحطيمها، ومنطق آخر يراها أداة يمكن الاستيلاء عليها وتوظيفها. كلا المنطقين أصبحا قاصرين إذا لم يعاد طرح السؤال: أي دولة؟ ولصالح من؟ وتحت أي موازين قوى؟
في زمن العولمة، الصراع لم يعد فقط على “السلطة السياسية”، بل على قدرة القرار. قد تصل إلى الحكم، لكنك لا تحكم. قد تمسك الجهاز، لكن لا تتحكّم في اتجاهه. هنا يصبح الحديث عن السلطة منفصلا عن السيادة حديثا مضلّلا. السلطة بلا سيادة تتحوّل إلى إدارة أزمة دائمة، أو إلى قناع لاستبداد بلا أفق.
كما أنّ الرقمنة أضافت بعدا جديدا للهيمنة: سيادة رقمية منزوعة. المعطيات تستخرج، تخزّن، وتحلّل خارج الحدود. السياسات تصاغ بناء على أرقام لا نملكها. حتى الأمن لم يعد فقط أمنيا، بل معلوماتيا. دولة لا تملك سيادتها الرقمية هي دولة مكشوفة، مهما بلغ حجم أجهزتها.
اليسار الثوري مطالب هنا بأن يخرج من الخطاب العام حول “الدولة القوية” أو “الدولة العادلة”، إلى تفكيك ملموس لوظائف الدولة في هذا السياق: كيف تستخدم؟ من يضغط عليها؟ أين تملك هامشا وأين لا؟ وكيف يمكن انتزاع هذا الهامش وتوسيعه لصالح القوى الشعبية؟ الصراع مع الدولة ليس دائما صراع إسقاط مباشر، بل قد يكون صراع إعادة تعريف دورها عبر ميزان قوى اجتماعي ضاغط.
السيادة، بهذا المعنى، ليست قرارا سياديا يتّخذ من فوق، بل نتيجة صراع من تحت. لا سيادة بلا جبهة اجتماعية، ولا سياسة بلا اقتصاد، ولا استقلال بلا كسر التبعية. من يتجاهل هذا الترابط، إمّا يقع في وهم وطني أجوف، أو في عدميّة سياسية لا ترى في الدولة سوى خصم مطلق.
الدولة اليوم ساحة صراع، لا أداة جاهزة.
والسلطة دون سيادة وهم.
والسيادة دون صراع اجتماعي شعار فارغ.
في زمن العولمة، إمّا يسار يفهم الدولة كما هي،
أو يسار يخاطب شبحها… بينما تدار البلاد من مكان آخر.
و بالتطرق الى مسالة الأفق الثوري ، نصل إلى سؤال ، نصل في الحقيقة إلى امتحان الصدق التاريخي لليسار: هل الثورة وعد مؤجّل بلا ملامح، أم مسار يبنى داخل الشروط القائمة دون الخضوع لها؟ في زمن العولمة والرقمنة، لم يعد الأفق الثوري صورة جاهزة عن “اليوم التالي”، ولا لحظة انفجار نهائي تسقط كلّ شيء دفعة واحدة. الأفق الثوري اليوم هو قدرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى مسار تغيير تراكمي، واع، ومفتوح.
المنطق القديم كان يرى الثورة كقطيعة فجئية مع النظام القائم، وكأنّ التاريخ ينتظر إشارة البدء. هذا المنطق، وإن كان مفهوما في سياقات معيّنة، تحوّل اليوم إلى عائق حين انفصل عن الواقع. فالمنظومة التي نواجهها ليست قلعة واحدة تقتحم، بل شبكة معقّدة من المصالح، والهيمنة، والاعتماديات المتبادلة. إسقاط واجهة لا يعني إسقاط البنية، وتغيير سلطة لا يعني تغيير منطق السلطة.
الأفق الثوري في هذا العصر يبدأ من إعادة تعريف معنى التغيير الجذري. الجذرية لا تعني القفز فوق المجتمع، بل الغوص في تناقضاته. لا تعني انتظار “الشروط المثالية”، بل العمل على خلق شروط أفضل للصراع. لا تعني استبدال نخبة بأخرى، بل تفكيك آليات السيطرة التي تعيد إنتاج النخب نفسها.
الثورة اليوم ليست حدثا منفصلا عن الزمن، بل زمن داخل الزمن. تتقدّم أحيانا، تتراجع أحيانا، لكنها لا تتوقّف إن كانت متجذّرة اجتماعيا. معركة الخبز، معركة الشغل، معركة الخدمات العمومية، معركة الكرامة، معركة السيادة الرقمية والاقتصادية… هذه ليست إصلاحات صغرى، بل ساحات اشتباك ثورية حين تربط ببعضها وتخاض بوعي استراتيجي.
الأفق الثوري يقتضي أيضا شجاعة الاعتراف بأنّ اليسار ليس وحده صانع التاريخ. هو جزء من حركة أوسع، غير متجانسة، مليئة بالتناقضات. دوره ليس احتكار الأفق، بل حمايته من التشويه والاختزال: من الشعبوية التي تختزل الغضب في عدوّ وهمي، ومن الليبرالية التي تفرغه من مضمونه، ومن الاستبداد الذي يوظّفه لإعادة إنتاج السيطرة.
في زمن الرقمنة، يصبح الأفق الثوري أيضا معركة وعي طويلة النفس. من يسيطر على السردية يسيطر على الممكن. لذلك، لا ثورة بلا خيال سياسي جديد: خيال يقنع الناس بأنّ عالما آخر ليس فقط ممكنا، بل ضروريا وقابلا للبناء. خيال لا يعد بالجنة، بل يعد بالكرامة، وبحقّ الخطأ، وبإمكانية المشاركة في تقرير المصير.
ثمّة عنصر حاسم: الزمن. الثورة التي تستعجل نفسها تحترق، والتي تؤجّل نفسها تموت. الأفق الثوري هو القدرة على إدارة الزمن الثوري: معرفة متى نضغط، متى نراكم، متى نتحالف، ومتى نتصادم. هذا ليس تراجعا عن المبدأ، بل ذكاء في خدمته.
الثورة ليست ذكرى نحييها،
ولا شعارا نرفعه،
ولا وعدا نؤجّله،
بل مسار نعيشه ونخطئ فيه ونتعلّم.
في عالم يدار بالخوارزميات والأسواق،
يظلّ الأفق الثوري هو استعادة الإنسان لحقّه
في القرار، وفي المعنى، وفي المستقبل.
فبعد بعض تشخيص سريع لمحاور الأزمة ، من الرقمنة والعولمة، إلى التنظيم، والخطاب، والجبهة الاجتماعية، والدولة والسيادة، وصولا إلى الأفق الثوري ، تأتي اللحظة لتقديم خطوط حلّية قابلة للنقاش العمومي، لا وصفة جاهزة، بل إطار للحوار داخل كل القوى اليسارية المنتظمة والمستقلة. هذه الحلول تقوم على ثلاثة محاور أساسية: إعادة صياغة أدوات العمل، بناء تواصل فعّال مع الناس، وخلق شبكة تحالفات مرنة ومستدامة.
أولا: إعادة صياغة أدوات العمل والتنظيم:
تحويل التنظيم من هرم صلب إلى شبكة ديناميكية تسمح بانخراط أشكال مختلفة من الفاعلين: مناضلين دائمين، ناشطين ظرفيين، مبادرين مستقلين، ومتعاطفين رقميين.
اعتماد منطق التنظّم بدل التنظيم الجامد: أي خلق آليات مرنة تسمح بتجربة جديدة، بالخطأ والتعلم، دون استبعاد أو تهميش.
مراجعة قواعد الانضباط بحيث تصبح التزاما ووعيا مشتركا لا طاعة مفروضة، مع ترك مساحة للاختلاف الداخلي لضمان تنوع الخبرات والأفكار.
ثانيا: تطوير الخطاب والشعارات والتحرّكات:
صياغة خطاب قابل للفهم والمعيشة اليومية، يربط بين المعضلات اليومية مثل البطالة والغلاء والخدمات العمومية، وبين تحليل أوسع للسلطة والرأسمالية.
خلق شعارات مركّزة، واضحة، قابلة للنقل رقميا وميدانيا، تحدد العدو، وتوضح الهدف، وتربط المحلي بالعالمي.
تحركات اجتماعية وسياسية مرنة ومتعددة الأشكال، تجمع بين الشارع، الفضاء الرقمي، والمبادرات المحلية، بحيث تتحوّل الاحتجاجات إلى قوة ضغط استراتيجية وليس مجرد مظاهرات رمزية.
ثالثا: بناء تحالفات وجبهة اجتماعية فعّالة:
التأسيس لجبهة اجتماعية تجمع القوى الشعبية المختلفة: نقابات، شباب، نساء، مكونات مهنية وبيئية، دون محاولة احتكار القيادة.
التركيز على أرضيات اشتباك واضحة ومشتركة: مقاومة التقشّف، حماية الخدمات العامة، الحق في الشغل، الكرامة، السيادة الاقتصادية، والحق في الرقمنة الحرة.
اعتبار التحالفات مساحة للتعلم والتراكم، لا مجالا لتصفية الحسابات الإيديولوجية أو الهيمنة التنظيمية.
رابعا: الدولة، السلطة، والسيادة:
العمل على استعادة هامش القرار المحلي والاجتماعي عبر الضغط التراكمي، تنظيم الاحتجاجات الموجهة، واستثمار الجبهة الاجتماعية في مفاوضات ملموسة.
إدراك أن السيادة ليست شعارا، بل نتيجة صراع يومي وعملي مع التبعية الاقتصادية والسياسية الرقمية.
تطوير استراتيجيات لمواجهة النفوذ الرقمي والمالي الخارجي، وتحويل الدولة إلى أداة للدفاع عن مصالح الجماهير لا أدوات للهيمنة عليهم.
خامسا: خلق ثقافة النقاش العام والمساءلة الداخلية:
فتح حوار مستمر بين القوى اليسارية المنتظمة والمستقلة حول الأولويات، الأخطاء، النجاحات، والفرص.
تبني آليات شفافية ومساءلة: حيث يسمع صوت الجميع، ويناقش الاختلاف، وتبنى القرارات على أساس التراكم والواقعية.
العمل على ربط النقاش الداخلي بالنقاش العام: إشراك الناس في مناقشة برامج النضال، في تقييم السياسات، وفي صياغة مطالب قابلة للتحقيق.
الحلول المقترحة ليست وصفة نهائية، بل دعوة لفتح نقاش شامل بين كل مكوّنات اليسار التونسي: المنتظم والمستقل، التقليدي والجديد. النقاش هو نفسه شكل من أشكال النضال، لأنّه يربط بين الوعي والتحرك، بين الفكرة والفعل، وبين الأفق الثوري والواقع الملموس. كل خطوة نحو التنظيم الذكي، الخطاب الواقعي، التحالف الاستراتيجي، أو استعادة السيادة، تصبح فعلا ثوريا إذا ترافقت مع النقاش والمساءلة والمشاركة الواسعة.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار ...
- دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...
- الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
- الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط ...
- بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي ...
- الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات ...
- الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك ...
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ...
- الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث ...
- الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة ...
- القطاع والضفة بين معماريّة الخراب ومخطّطات الاقتلاع: جغرافيا ...
- الحرية والحريات في صراع الهيمنة: الشيوعية والنضال من أجل الإ ...
- تونس الآن الآن ..
- فنزويلا في قلب الصراع العالمي
- الحرية والمواطنة في مواجهة آلة القمع وبناء جدار الخوف... قرا ...
- قراءة في أحزاب اليسار الكلاسيكية، واليسار الثوري الحديث، وال ...
- أمريكا اللاتينية: المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والبرازيل بين ا ...
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ...
- بعد غزة… الضفة الغربية على صفيح النار: التهجير القسري والاست ...


المزيد.....




- ترامب يدرس فرض تعريفات جمركية جديدة على الدول التي تعارض ضم ...
- مشتبه بهم اعتدوا على ضباط أمريكيين.. وقوات الأمن تقتحم بقنبل ...
- مجلس القيادة الرئاسي اليمني يعين شائع الزنداني رئيساً للوزرا ...
- معركة النفوذ.. ترامب يهز العالم والصين تكسبه
- بين الدين والتسليح.. تحقيق حول النفوذ التركي في القارة الأفر ...
- كأس أمم أفريقيا: نهائي تكتيكي بين مدربين متمرسين المغربي الر ...
- مقتل سبعة جنود تشاديين في اشتباك على الحدود مع السودان ومصدر ...
- دراسة بريطانية تكشف الثمن الخفي لاستخدام الشاشات في سنوات ال ...
- نحو نصف مليون مجند انضموا للجيش الروسي في 2025
- لبنان يعتقل سوريًّا بتهمة تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل