سماك العبوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 02:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا أدري حقيقة، فكلما راقبت الأداء السياسي للرئيس الأمريكي ترامب، فإنني سرعان ما تحضرني العبارة الشهيرة "عجيب أمور، غريب قضية!!" التي كانت قد وردت على لسان الفنان العراقي الكبير الراحل جعفر السعدي (1921 – 2005) في المسلسل العراقي الشهير "الذئب وعيون المدينة" الذي عرض في ثمانينات القرن المنصرم، والتي قالها الممثل الراحل في سياق السيناريو المكتوب في المسلسل تعبيرا منه عن حالة من الاستغراب والدهشة من تصرفات غريبة ومواقف مستهجنة غير مفهومة كتبت في سياق العمل الفني لذلك المسلسل العراقي الشهير والخالد، فصارت بعد ذلك عبارة شهيرة اعتاد العراقيون على استخدامها وترديدها حتى يومنا هذا تعبيرا منهم عن حالات الاستغراب والامتعاض والاستهجان والاستنكار لأحداث غريبة عجيبة!!
ما سبق لعمري كان استهلالا وتوطئة مني أردت من خلالها أن ألج بيقين وثبات لصُلب مقالي هذا، والذي له مساس مباشر في الأحداث الساخنة والخطيرة التي جرت وتجري في منطقتنا العربية، فما دفعني في حقيقة الأمر لكتابة مقالي هذا ما رأيته وعشته من تناقض صارخ وفاضح في مواقف الرئيس ترامب وكيله الدائب والمتواصل بمكيالين مختلفين إزاء مشهدين اثنين عشناهما ومازلنا نعيشهما حتى ساعة كتابة مقالي المتواضع هذا، أولهما ما جرى ويجري لغزة العزة رغم إقرار وتطبيق مبادرة ترامب ذاته، وثانيهما يتمثل بالأحداث الساخنة التي تجري هذه الأيام في مدن إيران الملتهبة بالتظاهرات وأعمال الشغب هناك، وكيف استثمرها ترامب وإدارته وشيطنها وأججها لاستثمارها لإظهار ردة فعل إزاءها خدمة لأهدافه الخبيثة، وإليكم سادتي الكرام تفاصيل المشهدين كما يلي:
المشهد الأول (أحداث غزة):
طيلة عامين من الإبادة الجماعية التي اقترفها الكيان الإسرائيلي في غزة، وما رافقها من تدمير ممنهج للبنى التحتية لقطاع غزة لجعلها غير قابلة للسكن، وما سبقها من حصار مدمر طيلة عشرين عاما متواصلة فرضه الكيان الإسرائيلي على قطاع غزة (بمعاونة من بعض الأنظمة العربية المتواطئة!!)، منع عنه خلالها الماء والدواء والغذاء، ورغم ذلك كله لم يتحرك وجدان وضمير الإدارة الامريكية ولو بالحد الأدنى المتمثل بالشجب أو الاستنكار لما جرى ويجري على أرض الرباط غزة، بل والأنكى من ذلك كله والأدهى، وبرغم مبادرة ترامب والتي أعلنها بتاريخ 29 سبتمبر / أيلول 2025 لإحلال السلام المزعوم وإيقاف القتال في غزة وعلى شكل خطة مفصلة تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة، متبوعة ببرنامج شامل لإعادة الإعمار وإعادة تنظيم الوضع السياسي والأمني في القطاع، فقد التزم ترامب وإدارته - المرتهنة كليا لإرادته وتحت طوعه - بالفلسفة الهندية الشهيرة القائلة "لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم" إزاء ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي من خرق وانتهاك مفضوح لبنود المبادرة (الترامبية) من خلال ممارستها لعمليات قتل بدم بارد لأبناء غزة من المدنيين (النساء والأطفال وكبار السن)، ومنع دخول ما اتفق عليه من مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، رغم قسوة الأجواء الشتوية التي يعيشها أبناء غزة!!
المشهد الثاني (أحداث إيران):
وفجأة... وعلى حين غِّرة، انتفضت الإدارة الأمريكية واستفاقت من غفوتها تلك وسباتها التي أظهرتها طيلة فترة محنة غزة، وإذا بغيرة رئيسها ترامب ترتفع، وظهرت إنسانيته، إثر أنباء طرقت أسماعه عن قيام احتجاجات وانطلاق تظاهرات عَمّت المدن الإيرانية ضد الحكومة الايرانية، فأطل وإدارته برؤوسهم وحشروا أنوفهم في الشأن الإيراني – كما هي عادتهم دوما إذا ما اقتضت مصالحهم!!- وأطلقوا التهديدات، بذريعة انتهاك السلطات الإيرانية لحقوق الانسان!!
وبالمناسبة ، فإنني لم أكتب هذا المقال دفاعا عن نظام ايران أو حكومته، فلنظام إيران – كما نعلم جميعا - مشروعها القومي المتدثر بغطاء مذهبي معروف للقاصي والداني، ولا يُعاب على النظام الإيراني امتلاكه مشروعه القومي في المنطقة، لاسيما في ظل غياب مشروع عربي خاص بنا، غير أن رئيس الدولة الإيرانية قد اعترف صراحة بوجود مطالب مشروعة لأبناء إيران الذين خرجوا للمطالبة بها، ومؤكدا في الوقت ذاته بأن الحكومة الإيرانية ستسعى لمعالجتها وإنهاء أسباب هذه الانتفاضة الشعبية، أقول بأنني لست بمعرض الدفاع عن الحكومة الإيرانية، كما وأنني لست معنيا بها، بقدر إبراز وتسليط الأضواء على النفاق والتدليس الأمريكي وكيلها المستمر بمكيالين إزاء قضايانا العربية والإسلامية، كما نوهت آنفا بموقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه غزة مقارنة بموقف الولايات المتحدة الأمريكية إزاء ما يجري في ايران!!
حقا ويقينا، فقد صدق الفنان العراقي المبدع الراحل جعفر السعدي حين أطلق عبارته الشهيرة "عجيب أمور، غريب قضية"، فهي تنطبق تمام الانطباق مع نفاق وتدليس الإدارة الامريكية، والتي لم يتحرك وجدانها أو يهتز ضميرها طيلة سنتين من المذبحة المروعة التي جرت في غزة ولم تسع للحد من تغول وشيطنة حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وتسببت في استشهاد أكثر من 70000 مواطن مدني (طفل، امرأة، شابا ومسنا)، يضاف لذلك 171324 مصابا، في الوقت الذي رأينا الإدارة الأمريكية تسارع للتشمير عن ساعديها وتظهر أنيابها متوعدة النظام الإيراني بالويل والثبور وعظائم الأمور تجاه ما يجري من في طهران وباقي مدن ايران ووصفها لها بأنها انتهاكات صارخة لحقوق الانسان في ظل وقوع قتلى وجرحى بالمئات جراء تلك الأحداث!!،
إن النفاق الأمريكي والكيل بمكيالين بين مشهديّ أحداث غزة وأحداث إيران يتجلى بالنقاط التالية:
أولا ... غزة :
1-غض طرف أمريكا والتزامها الصمت المطبق تجاه الجرائم الوحشية والابادة الجماعية والحصار القاتل على قطاع غزة طيلة سنتين من الإبادة الجماعية!!
2- دعم عسكري ومخابراتي واقتصادي أمريكي متواصل للكيان الصهيوني طيلة فترة العدوان الإسرائيلي !!
3- استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لحق النقض (الفيتو) ضد مشروعات قرارات مجلس الأمن تدعو لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة لـ (6) مرات، منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، 7 أكتوبر 2023، بواقع 4 مرات في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، ومرتين في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب في سنته الاولى، وكان آخرها بتاريخ 18 سبتمبر 2025، حيث تضمن قرار وقف فوري للعدوان الإسرائيلي على غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، حيث أيد المشروع 14 عضوا من أعضاء المجلس الخمسة عشر!!.
4- قيام الرئيس الأمريكي ترامب بتوقيع مرسوم يقضي بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية لاتهامها بـمباشرة إجراءات قضائية لا أساس لها ضد الولايات المتحدة وحليفتها المقرب إسرائيل، وحظر المرسوم دخول مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها وعناصرها إلى الولايات المتحدة، وكذلك أقرب أفراد عائلاتهم وكل من قدم مساعدة في تحقيقات المحكمة، علاوة على تجميد أصول جميع هؤلاء الأشخاص في الولايات المتحد، اعقبه صدور قرار أمريكي آخر بفرض عقوبات على قاضيين في المحكمة الجنائية الدولية التي تتخذ مقرا لها في لاهاي بسبب قرار الإدانة الصادر بحق النتن ياهو على ضوء جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة في قطاع غزة!!.
5- عدم تنفيذ التزامات الولايات المتحدة ببنود المبادرة التي أطلقها وتبناها ترامب شخصيا والانتقال الى المرحلة الثانية برغم قيام حركة حماس بتنفيذ ما عليها من التزامات من خلال إطلاق سراح جميع الاسرى وتسليم جثث قتلى جنود الاحتلال، بل وصمتها المطبق إزاء انتهاكات الكيان الإسرائيلي المستمرة لبنود وقف اطلاق النار والسماح بمرور المساعدات الإنسانية التي يحتاجها أبناء غزة!!
ثانيا ... ايران :
1-توعد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وتلويحه باتخاذ إجراءات قاسية ضد حكومة طهران إذا ما تم الرد بقسوة على المتظاهرين، كما حرّض المتظاهرين المحتجين في المدن الإيرانية مطالبا إياهم بالاستيلاء على المؤسسات الرسمية في البلاد، مؤكّدا أن “المساعدة قادمة” من واشنطن على حد تعبيره، كما وراحت وسائل إعلامه تذكر علانية باحتمال قيام قوات الدلتا في إيران بذات الدور الذي فعلته في فنزويلا قبل أيام!!
2- قيام وسائل الاعلام الامريكية بنشر أنباء متسارعة عن التقاء الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بكبار المسؤولين لمناقشة خيارات الرد على الاحتجاجات الإيرانية، بما في ذلك العقوبات والأسلحة السيبرانية والضربات العسكرية!!.
3- اعلان الإدارة الامريكية بأن أحد الخيارات قيد المناقشة هو إمكانية إرسال محطات ستارلينك، وهي خدمة إنترنت عبر الأقمار الصناعية مملوكة لإيلون ماسك، إلى إيران لأول مرة خلال إدارة ترامب، بغية مساعدة المتظاهرين على تجاوز انقطاع الإنترنت الأخير في البلاد، في وقت قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بإن قرار قطع الانترنت كان قد اتخذ بعد بدء "العمليات الإرهابية، وليس خلال مرحلة الاحتجاجات السلمية"، ولفت في مقابلة له مع قناة الجزيرة إلى أن السلطات الإيرانية قد رصدت اتصالات وأوامر تصدر من خارج البلاد، موجَّهة لعناصر داخل إيران، وأن قطع شبكة الانترنت كان يهدف إلى تعطيل التنسيق بين هذه الخلايا، وفقا لكلامه!!.
4- إعلان ترامب هذا اليوم (14 يناير / كانون الثاني 2026) فرض تعرفة جمركية على كل الشركاء التجاريين لإيران، وقال في منشور على منصته (تروث سوشيال) إن "أي دولة تتعامل تجاريا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستدفع، بأثر فوري، تعرفة جمركية بنسبة 25% على كل تعاملاتها التجارية مع الولايات المتحدة. هذا الأمر نهائي وحاسم"!!.
أعود مجددا فأكرر ثانية، بأنني لم أكتب مقالي هذا دفاعا عن النظام الإيراني، فهو نظام له مشروعه القومي الخاص المتدثر بغطاء مذهبي معروف، والذي استثمر غياب مشروع عربي ناهض فاقتنص الفرصة فظهر بمظهر المدافع عن قضية فلسطين والمسجد الأقصى المبارك، لكنني بكتابتي لهذا المقال هدفت الى:
أولا... تعرية وفضح السياسة الأمريكية وكيلها بمكيالين تجاه مشهديّ أحداث غزة وأحداث إيران، والحذر كل الحذر من الانسياق خلف تلك السياسة وتعرية أهدافها!!
ثانيا ... وتعزيزا لفكرة عدم لجوء أنظمتنا العربية للحماية الأمريكية، فلقد ثبت فعلا مصداقية وصواب المقولة التي قالها الرئيس المصري المخلوع حسني اللامبارك القائل "المتغطي بالأمريكان عريان"، بما نقرأه ونسمعه عن عدم احترام واكتراث ترامب لحلفائه في حلف الناتو، حيث أعلن عن نيته الاستحواذ على جزيرة غرينلاند سواء بشرائها من الدانمارك أو أخذها منها عنوة، هذا علاوة على تلويحه المستمر بضم دولة كندا لتكون الولاية 51 ضمن الولايات المتحدة الأمريكية !!
ثالثا ... التحذير من الانسياق خلف أي عمل عسكري قد يطال إيران بين لحظة وأخرى، والذي لن يكون في صالح استقرار منطقتنا العربية، فالفوضى التي ستعم إيران، فإنها ستعم أيضا بلداننا العربية المجاورة لها، حيث ستنعكس تلك العملية العسكرية على مجمل دول جوار إيران سلبا ابتداء من العراق نزولا لدويلات الخليج العربي، والتي لن تصب إلا في صالح الكيان الإسرائيلي إلى حد كبير وينعش آمالها وطموحاتها لتمرير مخططاتها ومشاريعها في إنشاء شرق أوسط جديد، تماما كما نوه عن ذلك وحذر منه السيد حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني – رئيس وزراء ووزير خارجية قطر السابق – في تغريدة له نشرت بتاريخ 13 يناير / كانون الثاني 2026 الذي دعا لحوار فوري شامل لتهدئة الأوضاع وعدم انجرار المنطقة لما لا يحمد عقباه!!
رابعا... وفي المقابل، وكمبادرة حسن نوايا من الطرف الإيراني، فإنني أرى ضرورة قيام النظام الايراني بإرسال مبعوثين كبار إيرانيين لتطمين قادة الأنظمة العربية والتأكيد لهم عن تخليها لفكرة تصديره للثورة، ومن ثم الحاقها بممارسات إيرانية جدية تؤكد النهج الجديد لإيران بعدم التدخل بالشؤون الداخلية العربية، وبالتالي إرساء علاقات جوار طيبة، وبذلك تسقط تلقائيا ذرائع المرتبطين بالمشروع الصهيوني الذين ما انفكوا يرددون ويزعمون بأن العدو الأول للعرب هي إيران وليست إسرائيل!!
خامسا ... دعوة صادقة موضوعية لقادة أنظمتنا العربية للبدء بالشروع بتوحيد الصف العربي الممزق والبدء بأولى خطوات بناء مشروع نهضوي وحدوي خاص بأمتنا العربية، للانعتاق من حالة الوهن والضعف التي تلبستنا طيلة الأعوام السابقة، حيث أضعنا خلالها بوصلتنا، وارتبط بعضنا بمشاريع خارجية لا نفع منها أبدا!!
ختاما ...
قال تعالى في سورة هود، الآية 88:
"قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ".
15 يناير / كانون الثاني 2026
#سماك_العبوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟