أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يريدها ولا يخطط لها؟














المزيد.....

ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يريدها ولا يخطط لها؟


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 23:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا شك أن ما أقدم عليه الرئيس ترامب من خلال فلسفة صنع السلام عبر القوة في عدد من مناطق العالم، وما قام به في فنزويلا ويهدد بتكراره في كولومبيا وكوبا وغرينلاند وبنما، يفرض علينا قراءة سياساته في مطلع عام 2026 بتجاوز النقاش السائد حول نوايا المواجهة العسكرية والانخراط في تحليل أعمق للمنهج الذي يحكم هذه السياسات، ولا سيما علاقتها بهياكل النظام الدولي القائمة. فالسؤال المطروح لم يعد ما إذا كان الرئيس الأمريكي يتهيأ لحرب كبرى، بل ما إذا كان يعمل، بصورة منهجية، على إضعاف أو تعطيل كل الأدوات التي يمكن أن تُستخدم لاحقاً للاعتراض على سياساته أو كبح اندفاعه.
في هذا السياق، تكتسب قراراته الأخيرة، وعلى رأسها وقف تمويل نحو ستين منظمة ومؤسسة دولية، دلالة تتجاوز بعدها المالي أو الإداري لتكشف عن استراتيجية متكاملة لتفريغ النظام الدولي من وظيفته الردعية والاعتراضية. فهذا القرار لا يُفهم باعتباره خطوة تقشفية أو إعادة ترتيب للأولويات، بل بوصفه حلقة متقدمة في مسار تحويل المؤسسات الدولية من فضاءات للفعل والاعتراض إلى هياكل شكلية بلا قدرة تنفيذية أو تأثير سياسي. فحين تُحرم هذه المؤسسات من التمويل الأمريكي، وهي التي يقوم جزء كبير من فاعليتها على هذا التمويل، فإنها لا تُشلّ مالياً فحسب، بل تُجرّد أيضًا من القدرة على المبادرة، إنتاج التقارير، فرض الأجندات، وحتى تأخير القرارات الأمريكية أو إحراجها.
بهذا المعنى، لا تسعى إدارة ترامب إلى مواجهة هذه المؤسسات أو الانسحاب منها بالكامل، بل إلى إبقائها قائمة شكلياً، فارغة المضمون، وغير قادرة على لعب دور الوسيط أو الرقيب. وهذا السلوك ينسجم مع نمط أوسع يسعى إلى تفكيك البيئة المؤسسية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لضبط استخدام القوة، وخاصة الأمريكية قبل غيرها. فبدلاً من الدخول في صدام قانوني أو سياسي مع الأمم المتحدة أو وكالاتها، يتم تعطيل قدرتها على العمل وتحويلها إلى كيانات بطيئة، عاجزة، فاقدة لمواكبة الزمن السياسي، حتى يصير الاعتراض الدولي متأخراً أو عاجزًا عن التأثير.
ما يضاعف هذا الفراغ هو برودة ردود الفعل الروسية والصينية وتريث أوروبا، ما يعكس أن القوى التقليدية التي كانت تضبط التوازن الدولي عاجزة عن مجاراة سرعة القرار الأمريكي أو تحمل تكلفة الاعتراض عليه، تاركة ترامب منفردًا في فرض خياراته على المسرح الدولي. وفي هذا الإطار، تتكامل قرارات وقف التمويل مع منطق فرض الأمر الواقع عبر الصدمة الذي يميز الفعل السياسي لترامب، إذ يخلق الفراغ في المرجعيات قبل أن يُسمح للاعتراض بالتشكل، فلا يكون ثمة جهاز مؤسسي قادر على تحويل الأسئلة حول الشرعية أو القانون الدولي أو التبعات الإنسانية إلى ضغط فعلي.
هذا التفكيك المنهجي ينعكس مباشرة على طبيعة الردع الدولي. فالنظام الذي يفقد مؤسساته الرقابية والوسيطية يصبح نظامًا قائماً على القوة العارية، لا على التوازن، وفي مثل هذا النظام، لا تكون الحرب نتيجة قرار مدروس بقدر ما تكون احتمالاً بنيوياً ناتجاً عن غياب آليات الاحتواء. فحين تُلغى القواعد دون أن تُستبدل بقواعد أخرى، وحين يُفرغ القانون الدولي من أدواته التنفيذية، تصبح الأزمات أكثر عرضة للتحول السريع إلى صدامات مفتوحة، لأن لا أحد يملك القدرة أو الشرعية للتدخل في الوقت المناسب.
وهنا يظهر الصمت الدولي إزاء هذه السياسات، فالدول، حتى تلك المتضررة من السلوك الأمريكي، تدرك أن المؤسسات التي كانت تُستخدم تاريخياً لفرملة الاندفاع الأمريكي لم تعد صالحة لهذا الدور. ومع وقف تمويل عشرات المنظمات الدولية، تتأكد هذه الدول أن الرهان على “المجتمع الدولي” بات خاسراً، وأن الاعتراض العلني قد يترتب عليه ثمن اقتصادي أو أمني أكبر من مردوده السياسي، فيتحول الصمت من خيار تكتيكي إلى ضرورة وجودية.
وفي الشرق الأوسط تحديدًا، تتضاعف خطورة مخرجات مثل هذا المسار. فغياب المؤسسات الدولية الفاعلة، بالتوازي مع الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري، يترك المنطقة مكشوفة أمام إدارة أزمات قسرية بلا أي أفق تسوية مستدامة. وعندما تُدار النزاعات خارج أي إطار دولي ضابط، يصبح التصعيد خيارًا سهلاً، بل شبه تلقائي، لأن كلفة كبحه لم تعد موزعة، بل تقع على عاتق أطراف منهكة وغير قادرة على تحمّلها.
وعليه، فإن إدراج قرار وقف تمويل عشرات المنظمات والمؤسسات الدولية في تحليل سياسات ترامب يغيّر طبيعة الإجابة عن سؤال المواجهة العسكرية. فنحن لا نواجه رئيسًا يسعى مباشرة إلى الحرب، بل رئيسًا يعمل على تفكيك كل البنى التي كانت تجعل الحرب خيارًا مكلفًا أو قابلاً للتفادي. فالخطر لا يكمن في إعلان نوايا عدوانية، بل في هندسة عالم بلا مؤسسات قادرة على قول “لا”، وبلا آليات قادرة على احتواء الخطأ أو سوء التقدير. ففي مثل هذا العالم، تصبح المواجهة المدمّرة احتمالًا بنيويًا، لا سيناريو افتراضي، ليس لأن ترامب يريدها، بل لأن النظام الذي يعيده تشكيله يجعل منعها أكثر صعوبة من وقوعها.

هاني الروسان/ استاذ الاعلام والجيوبوليتيك في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...
- استمرار الانكشاف الأمني ل -حزب الله ودلالاته على جاهزيته الق ...
- قمة بن سلمان ترامب الاحتمالات الاكثر ترجيحا
- عندما تتغيّر سوريا... هل يتغيّر الشرق الأوسط
- الدور التركي في الترتيبات الامريكية لما بعد الحرب على غزة
- السلام الامريكي للشرق الاوسط في معادلة الصراع على الهيمنة
- بعد مرور عامين على حرب الابادة في غزة: ماذا بقي من النظام ال ...
- اذا رغبت السعودية استطاعت
- الفيتو الامريكي السادس: واقعية القوة واعادة انتاج الهيمنة
- بيان قمة الدوحة: الادانة الشديدة وانعدام الاليات
- قطر بين صدمة الواقع والرهان على الوهم
- صدقية الاعتراف بالدولة الفلسطينية رهين بحماية السلطة ووقف حر ...
- نفس الاهداف ونفس النتائج: منع تأشيرة الرئيس ابو مازن يعيد لل ...
- اسرائيل ابنة الكذبة لا تستمر في البقاء الا بقتل الحقيقة
- هل يكفي التسويق الكلامي التركي للعب دور اقليمي؟؟


المزيد.....




- زهرة توليب سوداء.. تيانا تايلور تخطف الأنظار بتصميم -سعودي- ...
- نجما -Wicked- أريانا غراندي وجوناثان بيلي يتعاونان مجددًا في ...
- -يبحث عن مخرج-.. جون بولتون يعلق على تصريحات ترامب و-تراجع م ...
- رافعة تسقط على قطار في تايلاند: مقتل 30 على الأقل وإصابة عشر ...
- انهيار جديد لرافعة قرب بانكوك يثير مخاوف السلامة في تايلاند ...
- ترامب يعلن -توقّف الإعدامات في إيران-، والحكومة الإيرانية تؤ ...
- شلال العوجا.. تهجير قسري لأكبر التجمعات البدوية بالضفة الغرب ...
- من تبادل الشتائم لتبادل الرسائل.. -صداقة- مفاجئة بين ترامب و ...
- لماذا لا تزال شركات النفط الأمريكية حذرة بشأن العمل في فنزوي ...
- طاقم CNN يتعرض لقنابل صوتية وغاز مسيل للدموع وسط احتجاجات ضد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يريدها ولا يخطط لها؟