أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - عزيز بلال: الاقتصادي الذي رأى المستقبل قبل أن يقع














المزيد.....

عزيز بلال: الاقتصادي الذي رأى المستقبل قبل أن يقع


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 21:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في تاريخ الفكر الاقتصادي والسياسي المغربي، يظلّ اسم عزيز بلال علامة على جيل حاول أن يصوغ مشروعًا تحرريًا يربط بين النضال الاجتماعي والرؤية التنموية، بين التحليل الطبقي والممارسة السياسية، بين الاقتصاد السياسي في صيغه الماركسية وبين الأسئلة الوطنية الخاصة ببناء دولة مستقلة فعليًا لا شكليًا.
لم يكن بلال مجرّد أكاديمي، ولا مجرّد قيادي حزبي؛ كان قبل أي شيء مثقفًا عضوياً يرى أن المعرفة لا قيمة لها ما لم تُترجم إلى أدوات للفعل. هذه الثنائية الصلبة—المعرفة والممارسة—هي ما جعلته حاضرًا في لحظات مفصلية من التفكير الاقتصادي المغربي: في نقد الاختيارات الليبرالية، في مساءلة مفهوم التنمية، وفي طرح السؤال الجوهري الذي بقي معلّقًا إلى اليوم:
من يملك القرار الاقتصادي في المغرب؟
أولًا: من الجامعة إلى السياسة – تشكّل الوعي
ولد عزيز بلال في زمن كانت فيه الدولة الوطنية الناشئة تبحث عن موقعها. درس الاقتصاد في سياق عربي وإفريقي وعالمي يعيش انفجار النقاشات حول التخلف، التنمية، التبعية، والتحرّر الوطني. لم يكن تكوينه تقنيًا محضًا؛ بل كان مؤطّرًا بخلفية ماركسية نقدية منحته أدوات تحليلية لفهم العلاقة البنيوية بين الاقتصاد والسياسة.
في الجامعة، ركّز بلال على اقتصاديات التنمية، وعلى نقد النظريات السائدة التي كانت ترى في المغرب بلدًا "متخلّفًا" يحتاج فقط إلى استثمار أجنبي وسياسة انفتاح. كان يعتبر أن التخلف ليس حالة طبيعية، بل بنية متكاملة تُنتجها طبقات حاكمة وتحالفات دولية، وأن التنمية ليست عملية تقنية بل مشروع سياسي.
ثانيًا: الاقتصاد باعتباره صراعًا – أطروحته الجوهرية
من أهم إضافات عزيز بلال أنه لم يتعامل مع الاقتصاد كحقل منفصل، بل كمساحة للصراع الاجتماعي.
كان يرى أنّ:
التنمية لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح زراعي جذري يسمح بتحرير ملايين الفلاحين من علاقات إنتاج ما قبل رأسمالية.
التصنيع يجب أن يكون موجّهًا نحو الداخل، لا تابعًا للشركات المتعددة الجنسيات.
التعليم ليس مجرد قطاع اجتماعي، بل جهاز إستراتيجي لصنع المواطن المنتج والفاعل سياسيًا.
الديمقراطية السياسية شرط للتنمية، وليست نتيجة لها.
هذه الأفكار تبدو اليوم بديهية، لكنها في السبعينيات والثمانينيات كانت تمثّل قفزة نقدية جريئة في مواجهة الاختيارات الرسمية.
ثالثًا: نقد التبعية – الدولة بين الرأسمال المحلي والعالمي
لم يتردد عزيز بلال في وصف الاقتصاد المغربي بأنه اقتصاد تابع، لا يمتلك سيادته، مرتبك في موقع وسيط بين الرأسمال الأوروبي وبين برجوازية محلية كومبرادورية.
حسب تحليله، كانت الدولة المغربية تسعى إلى "التنمية" عبر آليات خارجة عن سيطرتها: قروض، شركات أجنبية، أسواق عالمية، وتوازنات جيوسياسية. ولهذا كان يفصل بين الاستقلال السياسي (المتحقق شكليًا) والاستقلال الاقتصادي (المفقود بنيويًا).
هذا النقد لا يزال حاضرًا بقوة اليوم، وربما يتعزز أكثر في ظل التحولات النيوليبرالية المتسارعة.
رابعًا: داخل اليسار – بناء مشروع لا يساوم
داخل الحركة اليسارية المغربية، كان عزيز بلال من الأصوات التي دفعت نحو صياغة برنامج اشتراكي ديمقراطي، يربط بين المطالب اليومية للطبقات الشعبية وبين الرؤية الإستراتيجية للتغيير. كان مؤمنًا أنّ العمل الحزبي يجب أن يظل متصلاً بالبحث العلمي، وأن الحزب بدون نظرية يتحوّل إلى جهاز انتخابي بلا روح.
ورغم الخلافات الداخلية، ظلّ بلال من أبرز من حاولوا الحفاظ على خط يساري نقدي، يرى في الدولة جهازًا للصراع وليس كيانًا محايدًا.
خامسًا: إرثه – لماذا يعود الحديث عنه اليوم؟
بعد عقود من وفاته، يعود اسم عزيز بلال إلى الواجهة بقوة، ليس فقط كتاريخ، بل كمشروع نظري وسياسي لم يُستكمل بعد.
تنبؤاته حول:
اختناق النموذج التنموي،
توسّع الفوارق الاجتماعية،
ضعف التصنيع المحلي،
انكشاف الاقتصاد أمام الخارج،
الحاجة لإصلاح زراعي وديمقراطية فعلية…
كلها تبدو اليوم أشبه بمرآة تعكس الواقع المغربي الراهن.
إن استعادة مشروع عزيز بلال ليس تمرينًا في النوستالجيا؛ بل محاولة لاسترجاع أدوات تحليل قادرة على فهم الحاضر. فقد قدّم قراءةً بنيوية لا تزال تمتلك راهنيتها، خصوصًا في زمن يزداد فيه ثقل الرأسمال المالي والشركات متعددة الجنسيات.
خاتمة
عزيز بلال لم يكن فقط قائداً يسارياً أو باحثاً اقتصادياً. كان مناضلاً فكرياً حاول أن يربط بين تحليل الواقع والعمل على تغييره.
فهم أن التنمية ليست فيضًا من المستثمرين الأجانب، ولا في ارتفاع الناتج الداخلي الخام، بل في بناء مجتمع حرّ، عادل، قادر على التحكم في موارده ومصيره.
ربما كان هذا هو حلمه الحقيقي… وهو الحلم الذي لم يتحقق بعد، لكنه لا يزال قابلاً لأن يُعاد طرحه بقوة في زمن يبحث فيه المغرب عن نموذج جديد للعدالة والكرامة.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تيودور ادورنو: المثقف الذي رأى القفص ورفض رؤية المفتاح
- فريدا كالو: أيقونة الألم والهوية
- تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة
- رايا دوناييفسكايا: نقد الدولة، حدود الثورة، وقيمة الماركسية ...
- عزيز لمنبهي … الغائب الحاضر
- ويلهام رايش: سؤال الاستبداد من مدخل الجسد
- فلسطين: جوهر الصراع العالمي ضد الرأسمالية الإمبريالية
- نُدبةُ الوقتِ... وماءُ الأمل
- سعد الله ونوس: الكاتب الذي حوّل الخشبة إلى مرآة للجرح العربي
- حركة 20 فبراير: حين يتحوّل نقد الأوهام إلى أفق مسدود


المزيد.....




- زهرة توليب سوداء.. تيانا تايلور تخطف الأنظار بتصميم -سعودي- ...
- نجما -Wicked- أريانا غراندي وجوناثان بيلي يتعاونان مجددًا في ...
- -يبحث عن مخرج-.. جون بولتون يعلق على تصريحات ترامب و-تراجع م ...
- رافعة تسقط على قطار في تايلاند: مقتل 30 على الأقل وإصابة عشر ...
- انهيار جديد لرافعة قرب بانكوك يثير مخاوف السلامة في تايلاند ...
- ترامب يعلن -توقّف الإعدامات في إيران-، والحكومة الإيرانية تؤ ...
- شلال العوجا.. تهجير قسري لأكبر التجمعات البدوية بالضفة الغرب ...
- من تبادل الشتائم لتبادل الرسائل.. -صداقة- مفاجئة بين ترامب و ...
- لماذا لا تزال شركات النفط الأمريكية حذرة بشأن العمل في فنزوي ...
- طاقم CNN يتعرض لقنابل صوتية وغاز مسيل للدموع وسط احتجاجات ضد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - عزيز بلال: الاقتصادي الذي رأى المستقبل قبل أن يقع