أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أنس قاسم المرفوع - لحظة الحسم الوجودي للأمة العربية















المزيد.....

لحظة الحسم الوجودي للأمة العربية


أنس قاسم المرفوع
أكاديمي وكاتب وسياسي سوري باحث في مركز دراسات الشرق للسلام

(Anas Qasem Al-marfua)


الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 21:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


. الوهم النفطي وسقوط سيد القرية

تخيل أنك تعيش في قريةٍ كبيرة، يسكنها مئات الآلاف، لكن لا أحد يثق بالآخر. كل بيتٍ مغلقٌ على نفسه، وكل عائلةٍ تخشى أن تُسرق لو فتحت بابها. في وسط القرية، هناك بئر ماءٍ عميق، يملأه المطر مرةً كل عام. من يملك دلوًا كبيرًا أو مضخةً قوية، يتحكم في من يشرب ومن يعطش. طوال عقود، ظنّ سكان القرية أن هذا البئر هو مصدر قوتهم، فراحوا يبيعون منه قطرةً قطرة، ويستخدمون ثمنها لشراء أقفالٍ أثقل، وأسوارٍ أعلى، وحراسٍ أكثر. لم يبنوا مدرسةً، ولا مستشفىً، ولا حتى طريقًا مشتركًا. كل ما فعلوه: حرسوا البئر، وقاتلوا بعضهم على من يقترب منه أكثر.
الآن، جاء من خارج القرية رجلٌ قويّ، يملك نهرًا خاصًّا به، ومضخاتٍ لا تنضب. وقال لهم: لا داعي لهذا البئر بعد اليوم. عندي ماءٌ أفضل، وأرخص، وأنا من سيقرّر من يشرب. ثم أشار إلى أحد بيوت القرية ذلك الذي كان دائمًا يرفض طاعته وقال: سأهدم بيته، وأبني مكانه محطةً لمياهي. فجأة، شعر صاحب الدلو الأكبر الذي كان يظن نفسه سيد القرية بالرعب. ليس لأنه يحبّ جاره، بل لأنه يعرف: بمجرد أن يسيطر الغريب على كل مصادر الماء، لن يكون له أي صوتٍ بعد الآن. سيصبح مجرد خادمٍ عند بوابة النهر.
هذا التشبيه البسيط هو ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط، والبئر هو النفط، والرجل القويّ هو الولايات المتحدة، والبيت المرفوض هو إيران، وسيد القرية هو السعودية. المشكلة ليست في الخوف السعودي، بل في
الوهم الذي عاش عليه العرب طوال نصف قرن : أن المال يصنع القوة، وأن الولاء للخارج يضمن البقاء. واليوم، مع احتمال سقوط إيران التي تمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي وثاني أكبر احتياطي غازي في العالم تحت النفوذ الأمريكي المباشر، يبدأ هذا الوهم بالانهيار أمام أعيننا.

الدولة المركزية أم المجتمع الحيّ؟ مواجهة المصير

هذه اللحظة ليست كارثة جيوسياسية فحسب، بل اختبار وجودي لكامل المشروع السياسي العربي الحديث. لأن القوة الحقيقية لم تعد تُقاس بحجم الخزائن أو عدد الدبابات، بل بقدرة الشعوب على بناء مجتمعاتٍ حيّة، قادرة على التفكير، الإنتاج، والمشاركة. طوال عقود، راهنت الأنظمة على نموذجٍ واحد: دولةٌ مركزيةٌ قوية، تفرض الوحدة من الأعلى، وتعتبر التنوّع تهديدًا، وتُنتج الأمن عبر الخوف لا عبر الثقة.
وبدلاً من استثمار عائدات النفط في بناء الإنسان في تعليمه، صحته، إبداعه أنفقت المليارات على أسلحةٍ أجنبية، وقصورٍ فاخرة، ومشاريع ترفيهيةٍ لا تطعم جائعًا. وحتى حين تحدثوا عن الوحدة العربية، كانت كلماتهم فارغة، لأنهم لم يبنوا أي مؤسسةٍ حقيقية تربط شعوبهم: لا عملةً مشتركة، لا جيشًا موحدًا، لا شبكة طاقةً إقليمية، لا حتى مناهج تعليمٍ تحكي تاريخًا واحدًا.
والآن، يدفعون الثمن. فسقوط إيران إن حدث لن يكون مجرد تغيير في خريطة السلطة، بل نهاية لعبة النفط ككل لأن أمريكا، التي أصبحت أكبر منتج نفطي في العالم، ستضيف إلى إنتاجها المحلي إنتاج فنزويلا وإنتاج إيران. وبذلك، تصبح واشنطن قادرةً على ضخّ ما تريد، متى تريد لخفض الأسعار وضرب الخصوم، أو رفعها لمعاقبة الحلفاء غير المطيعين، أو استخدام الغاز والنفط الإيرانيين كهدية جيوسياسية لإسرائيل أو الهند. وحينها، تفقد السعودية التي كانت تُسمّى الميزان النفطي كل نفوذها. فما فائدة أن تكون منتجًا مرجّحًا إذا كان الخصم يملك ثلاثة أضعاف طاقتك؟
لكن الخطر الأعمق ليس اقتصاديًّا، بل سياسيًّا وجوديًّا: فسقوط إيران يعني عزل روسيا عن حليف استراتيجي، وإضعاف الصين في طريق الحرير، وإحكام الطوق على العرب، الذين سيجدون أنفسهم بلا حليف، ولا نفط يفاوضون به، ولا مشروع يوحدهم. وسيصبحون أممًا بلا روح تُدار من خارج حدودها، لا يُسألون عن رأيهم في الحرب أو السلم، في التطبيع أو المقاومة، في التعليم أو الاقتصاد. سيكون قرارهم مسبقًا مكتوبًا في غرفٍ مغلقةٍ في عواصم لا ترى فيهم سوى أدواتٍ أو عقبات.

. البذرة التي لا تموت: مقاومة الثقافة والمجتمع

اليوم، نحن بحاجة ماسّة ليس إلى مقاومة عسكرية تقليدية لأنها ستفشل كما فشلت قبلها بل إلى ثورة ثقافية واجتماعية. فالسلطة الحقيقية لا تُبنى على السلاح أو المال، بل على الثقافة، الوعي الجماعي، والقدرة على الإنتاج فما الفائدة من امتلاك أقوى جيشٍ إذا كان الشعب جاهلًا، مقسّمًا، خائفًا من ظله؟ وما الفائدة من امتلاك النفط إذا لم تُنتَج فكرةٌ واحدة، ولا تُصدّر لوحةٌ فنية، ولا تُبتكر تقنية؟
هل تعتقد أن أمريكا أو غيرها ستهدّد المنطقة لو أن العرب يصدّرون الطاقة الشمسية، ويُنتجون أدويةً، ويُدرّسون فلسفةً جديدة؟ بالطبع لا. لأن القوة الحقيقية ليست في ما تملكه، بل في ما تنتجه .
لكن المشكلة أن النخب الحاكمة لا تريد هذا التغيير. فهي تربح من الوضع الراهن: تبيع النفط، وتشتري الأسلحة، وتدفع فواتير القصور، وتحافظ على كرسيها عبر القمع. وهي تعرف أن أي مشروعٍ ديمقراطي حقيقي يقوم على المشاركة، التنوّع، واللامركزية سيُهدّد وجودها. ولذلك، تفضل أن تبقى المنطقة مفككة، خائفة، تعتمد على الخارج. وهذا بالضبط ما تستغله القوى العظمى: فهي لا تريد إسقاط الأنظمة من أجل الحرية، بل لتحويلها إلى محطات خدمة في نظام عالمي لا مكان فيه إلا للمهيمن أو التابع. وعندما تنجح، ستُوجّه أنظارها إلى بقية المنطقة قد تدعم انفصالاتٍ جديدة كما فعلت مع صوماليلاند أو تؤجّج حروبًا أهلية كما في السودان أو تمول ميليشيات طائفية كما في العراق وسوريا. لأن الفوضى هي أرخص وسيلة للهيمنة.
لكن أمام هذا الواقع القاتم، لا يزال هناك أمل. والأمل لا يأتي من الحكومات، بل من الناس العاديين: من المعلّمة التي تُدرّس أطفالها أن الوطن ليس حدودًا، بل قيمًا. من الشاب الذي يترجم كتب الفلسفة إلى العربية. من المرأة التي تفتح مشغلًا صغيرًا في قريتها. من الفنان الذي يرسم وجع شعبه دون خوف. من الناشط الذي يبني جسرًا بين طوائفٍ كانت تتقاتل بالأمس.
هؤلاء هم بناة المستقبل الحقيقيون. لأنهم لا ينتظرون الزعيم ليُنقذهم، بل يبدأون من حيث هم، بوسائلهم، بأحلامهم. وهم وحدهم القادرون على كسر حلقة التبعية، وبناء قوةٍ حقيقية لا تُهدّدها سقوط إيران، ولا تُرهبها تصريحات ترامب.
ففي النهاية، لن يُسأل التاريخ: من كان يملك النفط؟
بل: من بنى إنسانًا حرًّا؟
والعرب، اليوم، أمام خيارين:
إما أن يواصلوا حراسة البئر حتى يجفّ،
أو أن يزرعوا بذورًا جديدة، في تربةٍ لم يسقيها أحد منذ قرون.



#أنس_قاسم_المرفوع (هاشتاغ)       Anas_Qasem_Al-marfua#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدفاع الذاتي الديمقراطي: من رحم الانهيار إلى ولادة وطنٍ يُم ...
- «بوصلة السلام الديمقراطي: من تشخيص الدمار إلى بناء الوطن الم ...
- الأمة الديمقراطية: خطة جذرية للسلام القائم على العدالة، المو ...
- فرعون في القرآن: رمزية الطغيان المتجدِّد وأولوية العدل على ا ...
- من دولة الخوف إلى مجتمع الثقة: نحو لامركزية ديمقراطية في سور ...
- نحو ديمقراطية حقيقية: دعوة لبناء سوريا من القاعدة
- التحديات والاختلافات: رؤيتي للديمقراطية في سوريا والسياق الع ...
- إعادة تكوين الإنسان العربي: من التهميش إلى الولادة الجديدة
- التسامح كفعل ثوري: قراءة في أخلاقيات المقاومة
- حقيقة القيادة: قراءة في فلسفة عبد الله أوجلان الوجودية والجم ...
- معضلة التبعية وأمل التحرر الحقيقي
- الإسلام بين التراث والتحرير: نحو مشروع حضاري قائم على العدال ...
- سوريا من ركام الطغيان إلى وطن التعددية: معضلة البناء وآفاق ا ...
- الديمقراطية كأخلاقيات: من مقاومة الدولة إلى بناء المجتمع
- نحو ثورة ذهنية: بناء مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة والاعتر ...
- الانسحاب الكردي من تركيا: بين رؤية المفكر أوجلان للسلام ومأز ...
- تأسيس الكيانات القومية في الشرق الأوسط: من الأدوات الاستعمار ...
- الديمقراطية من منظور تحرري: نحو -أمة ديمقراطية- في قلب الشرق ...
- مشروع الشرق الأوسط الكبير: من الفوضى المُنظمة إلى أمة ديمقرا ...
- أخلاقيات النضال في فلسفة المفكر عبدالله أوجلان : حين تتحول ت ...


المزيد.....




- زهرة توليب سوداء.. تيانا تايلور تخطف الأنظار بتصميم -سعودي- ...
- نجما -Wicked- أريانا غراندي وجوناثان بيلي يتعاونان مجددًا في ...
- -يبحث عن مخرج-.. جون بولتون يعلق على تصريحات ترامب و-تراجع م ...
- رافعة تسقط على قطار في تايلاند: مقتل 30 على الأقل وإصابة عشر ...
- انهيار جديد لرافعة قرب بانكوك يثير مخاوف السلامة في تايلاند ...
- ترامب يعلن -توقّف الإعدامات في إيران-، والحكومة الإيرانية تؤ ...
- شلال العوجا.. تهجير قسري لأكبر التجمعات البدوية بالضفة الغرب ...
- من تبادل الشتائم لتبادل الرسائل.. -صداقة- مفاجئة بين ترامب و ...
- لماذا لا تزال شركات النفط الأمريكية حذرة بشأن العمل في فنزوي ...
- طاقم CNN يتعرض لقنابل صوتية وغاز مسيل للدموع وسط احتجاجات ضد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أنس قاسم المرفوع - لحظة الحسم الوجودي للأمة العربية