أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟















المزيد.....

إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 13:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن تحليل أي تحوّل محتمل في إيران بمعزل عن موقعها البنيوي في النظام الإقليمي للشرق الأوسط ولا عن دورها المتشابك في منظومات الردع، والصراعات بالوكالة، وشبكات الاعتماد الدولي، ولا سيما في سياق التنافس العالمي بين القوى الكبرى. فإيران، خلال العقود الأربعة الماضية، لم تؤدِّ وظيفة الدولة الوطنية بالمعنى التقليدي، بل أعادت إنتاج نفسها بوصفها دولة–مشروع، تستند في شرعيتها الخارجية إلى تصدير النفوذ، وفي بنيتها الأمنية إلى الردع غير المتكافئ، وفي شرعيتها الداخلية إلى منطق الحصار الدائم والصراع المستمر. ومن ثمّ فإن أي تغيير في طبيعة هذا النظام لا يمثّل مجرد انتقال سياسي داخلي، بل يمسّ أسس التوازن الإقليمي ذاته.
يشكّل البرنامج النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ الباليستية الركيزة الصلبة لهذه البنية. فهاتان الأداتان لم تُصمَّما أساسًا للاستخدام العسكري المباشر، بل لتكريس وضع تفاوضي قسري يسمح للنظام بتعويض ضعفه الاقتصادي وعزلته السياسية عبر إنتاج معادلة ردع قائمة على الغموض والتصعيد المحسوب. وعليه، فإن مصير هذين الملفين بعد أي تحوّل محتمل سيحدّد إلى حدّ بعيد اتجاه الإقليم: إمّا نحو إعادة ضبط عقلانية لمنظومة الأمن الإقليمي، أو نحو انفلات استراتيجي قد يفتح الباب أمام سباقات تسلّح وتدخلات وقائية وفوضى انتشار تقني.
في حال أفضى التحوّل في إيران إلى انتقال سياسي منظم، فمن المرجّح أن تشهد المنطقة إعادة تعريف لوظيفة الردع الإيراني، بحيث يتحوّل الملف النووي والصاروخي من أدوات ابتزاز سياسي إلى أوراق تفاوضية تهدف إلى رفع العقوبات وإعادة إدماج الاقتصاد الإيراني في النظام العالمي، مع خفض منسوب التصعيد الإقليمي. أمّا في حال الانهيار الفوضوي، فإن الخطر لا يكمن فقط في غياب القرار المركزي، بل في احتمال تآكل السيطرة على عناصر الردع نفسها، بما يحوّل إيران من فاعل قابل للاحتواء إلى مصدر تهديد غير قابل للتنبؤ، وهو السيناريو الأكثر خطورة على الاستقرار الإقليمي والدولي.
تتجلّى انعكاسات هذا التحوّل بشكل مباشر في العراق، الذي يشكّل الامتداد الجغرافي والسياسي الأكثر هشاشة. فضعف المركز الإيراني يفتح، نظريًا، نافذة لتعزيز سيادة الدولة العراقية وتقليص قدرة الفصائل المسلحة المرتبطة بالخارج، غير أن هذه النافذة تبقى محفوفة بالمخاطر إذا اقترنت بتفكك إيراني شامل، إذ يصبح العراق عندئذٍ ممرًا للفوضى ومسرحًا لارتدادات أمنية واقتصادية يصعب احتواؤها. وهكذا يجد العراق نفسه عند تقاطع دقيق بين فرصة استعادة منطق الدولة ومخاطر الجغرافيا السياسية.
وفي لبنان، يبدو أثر التحوّل أكثر تعقيدًا، لأن النفوذ الإيراني لم يكن عسكريًا فحسب، بل تداخل مع بنية اجتماعية واقتصادية قامت على تعويض غياب الدولة. إن تراجع هذا النفوذ قد يفتح المجال نظريًا لإعادة بناء الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للسلاح والقرار، لكنه قد يؤدي عمليًا، إذا لم يُدار ضمن مقاربة انتقالية مدعومة، إلى فراغ اجتماعي يعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه، في ظل دولة منهكة ماليًا ومؤسسيًا.
أما في سوريا، فإن تراجع الدور الإيراني لا يعني نهاية الصراع ولا عودة الدولة الوطنية تلقائيًا، بل قد يفضي إلى إعادة توزيع أدوار النفوذ بين قوى إقليمية ودولية أخرى، في غياب تسوية سياسية شاملة. فالساحة السورية أثبتت أن تقليص نفوذ طرف لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يفتح المجال أمام تنافس أشدّ على الفراغ.
ويمثّل الأردن حالة مختلفة نسبيًا، إذ ترتبط مصلحته الأساسية بتخفيف منسوب التهديدات العابرة للحدود، لا بإعادة رسم خرائط النفوذ. أي تحوّل منضبط في إيران ينعكس مباشرة على أمن حدوده، ويقلّص أنماط التهريب وعدم الاستقرار، ما يمنحه هامشًا أوسع لإدارة تحدياته الاقتصادية والأمنية بعيدًا عن ضغوط التصعيد الإقليمي.
وفي اليمن، يظل التحوّل الإيراني عاملًا حاسمًا في تقليص قدرة أطراف الصراع على الاستمرار في منطق الحرب، لكنه لا يشكّل، بحد ذاته، ضمانة لإنهاء النزاع. فالأزمة اليمنية تجاوزت منذ زمن كونها ساحة وكالة لتصبح أزمة دولة منهارة وبنية سياسية متصدّعة، ما يجعل أي تهدئة مرهونة بإطار تسوية داخلي شامل لا بمجرد تراجع الدعم الخارجي.
أما السعودية ودول الخليج، فإنها تنظر إلى التحوّل الإيراني من زاوية أمنية واقتصادية في آن واحد. فخفض التهديدات الصاروخية وغير التقليدية يتيح إعادة توجيه الموارد من منطق الردع إلى منطق التنمية، ويقلّص كلفة المخاطر على الطاقة والملاحة. غير أن هذه المكاسب تفقد معناها إذا جاء التحوّل الإيراني على شكل فوضى، إذ يتحول الخطر من دولة يمكن ردعها إلى فراغ أمني يصعب احتواؤه وأكثر كلفة على المدى الطويل.
وتجد قطر نفسها أمام معادلة مختلفة، إذ إن جزءًا من دورها الإقليمي ارتبط بإدارة التوترات والوساطة في ظل أزمات مفتوحة. استقرار إيران بعد التحوّل قد يقلّص الحاجة إلى هذا الدور، في حين أن انفلاتها قد يهدد المصالح الطاقوية المرتبطة بالحقول المشتركة. وعليه، فإن مصلحة الدوحة، شأنها شأن بقية دول الخليج، ليست في مبدأ السقوط بحد ذاته، بل في شكل ما بعده.
ويكتسب هذا المشهد بعدًا إضافيًا في ضوء العلاقة بين إيران وروسيا. فروسيا، التي تواجه قيودًا متزايدة في النظام الدولي، باتت تعتمد على إيران بوصفها شريكًا تقنيًا وعسكريًا ولوجستيًا في مواجهة الضغوط الغربية، خصوصًا في ما يتعلق بتقنيات الطائرات المسيّرة وتجاوز أنظمة العقوبات. إن أي انهيار غير منضبط في إيران سيشكّل خسارة استراتيجية مباشرة لموسكو، ويجبرها على إعادة تموضع إقليمي ضمن شروط أقل ملاءمة، بينما قد يدفعها انتقال منظم إلى تبنّي مقاربة أكثر براغماتية تحفظ المصالح دون الاستثمار في مشروع توسّعي عالي الكلفة.
وفي المحصلة، فإن التحوّل المحتمل في إيران لا ينبغي مقاربته من زاوية إسقاط نظام سياسي فحسب، بل من منظور أعمق يتعلّق بقدرة الدولة على الاستمرار بوصفها وحدة سيادية قادرة على ضبط أدوات الردع، وإدارة التحوّلات، ومنع انزلاق الإقليم إلى مسارات عدم يقين استراتيجي. فالدولة الإيرانية، بحكم امتلاكها برنامجًا نوويًا ومنظومة صواريخ باليستية وشبكات نفوذ عابرة للحدود، لا تمثّل مجرد فاعل إقليمي، بل عقدة مركزية في معادلة الأمن الشرق أوسطي. ومن ثمّ، فإن أي تغيير لا يُدار ضمن إطار انتقالي منظم، يحافظ على تماسك الدولة ومؤسساتها، ويعيد ضبط ملفات النووي والصواريخ والتدخل الخارجي، يحمل في طيّاته مخاطر تتجاوز حدود إيران نفسها. وعليه، يمكن القول إن سقوط النظام قد يكون، في بعض السياقات، بداية للخلاص السياسي، أمّا سقوط الدولة، في ظل هذا النوع من القدرات والحساسيات، فلا يعني سوى بداية فوضى بلا نهاية، لا لإيران وحدها، بل للإقليم بأسره.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة
- كاظم الحائري، نظرية الكفاح المسلح، والانتظار المهدوي – قراءة ...
- لا يهم أن كنت فقيرًا في الدنيا… كيف تُستخدم اللغة الدينية لإ ...
- الحرب على الفرح في العراق: حين يتحوّل التحريم إلى مشروع سلطة
- «المسلم في أوروبا: قراءة في التوترات العميقة للاندماج»
- خطاب أحمد البشير: كيف تتحوّل السخرية إلى أداة لقراءة الواقع ...
- ظاهرة احمد البشير: كيف تحوّل الإعلام الساخر إلى قوة نقدية في ...
- الإعلام العراقي بعد 2003: كيف تغيّر المجال العام؟


المزيد.....




- زهرة توليب سوداء.. تيانا تايلور تخطف الأنظار بتصميم -سعودي- ...
- نجما -Wicked- أريانا غراندي وجوناثان بيلي يتعاونان مجددًا في ...
- -يبحث عن مخرج-.. جون بولتون يعلق على تصريحات ترامب و-تراجع م ...
- رافعة تسقط على قطار في تايلاند: مقتل 30 على الأقل وإصابة عشر ...
- انهيار جديد لرافعة قرب بانكوك يثير مخاوف السلامة في تايلاند ...
- ترامب يعلن -توقّف الإعدامات في إيران-، والحكومة الإيرانية تؤ ...
- شلال العوجا.. تهجير قسري لأكبر التجمعات البدوية بالضفة الغرب ...
- من تبادل الشتائم لتبادل الرسائل.. -صداقة- مفاجئة بين ترامب و ...
- لماذا لا تزال شركات النفط الأمريكية حذرة بشأن العمل في فنزوي ...
- طاقم CNN يتعرض لقنابل صوتية وغاز مسيل للدموع وسط احتجاجات ضد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟