أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس نعسان - الدين والقانون والقوة: من يحكم العالم فعلياً؟














المزيد.....

الدين والقانون والقوة: من يحكم العالم فعلياً؟


إدريس نعسان

الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 22:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في عالم اليوم، لم يعد السؤال هو: من يمتلك الحق؟
بل: من يمتلك القوة الكافية لفرض روايته بوصفها حقاً؟

في كل صراع معاصر تقريباً، يُستدعى الدين لتبرير العنف، ويُستدعى القانون الدولي لتبرير الصمت، بينما تُدار الأحداث فعلياً بمنطق واحد لا يتغيّر: منطق القوة. وبين هذه الثلاثية- الدين، القانون، والقوة- تتوارى الحقيقة، وتُسحق العدالة، ويدفع الإنسان الثمن.

الدين خارج النص… داخل السياسة

الدين، في جوهره، منظومة قيم أخلاقية تهدف إلى حماية الإنسان وتنظيم علاقته بالآخر. لكنه، حين يدخل المجال السياسي بلا ضوابط، يتحوّل إلى أداة تعبئة وصراع. لا بسبب النص ذاته، بل بسبب من يحتكره ويدّعي الحديث باسمه.

في لحظات الصراع، يُجرَّد الدين من مقاصده، ويُعاد تعريفه بوصفه هوية سياسية مغلقة:
“نحن” مقابل “هم”،
“المقدّس” مقابل “العدو”.
هنا لا يعود الدين إطاراً أخلاقياً، بل يصبح غطاءً شرعياً للعنف، ووسيلة لتجريد الخصم من إنسانيته. المشكلة ليست في الدين، بل في تسييسه وتحويله إلى سلاح رمزي يخدم مشاريع السلطة.

القانون الدولي: نصوص بلا أسنان

أما القانون الدولي، الذي يُفترض أن يكون الضامن الأخير للعدالة، فقد تحوّل إلى منظومة انتقائية، تُفعَّل عندما تتوافق مع مصالح القوى الكبرى، وتُعطَّل عندما تمسّها.
النصوص واضحة: حماية المدنيين، منع العقاب الجماعي، تجريم الاحتلال والتهجير القسري.
لكن الواقع أوضح:
جرائم موثقة لا تُحاسَب،
ضحايا بلا تمثيل سياسي،
ومحاكم دولية تُدار بإيقاع السياسة لا العدالة.

هكذا يفقد القانون الدولي حياده، ويتحوّل من أداة لضبط القوة إلى أداة بيدها، تُستخدم ضد الضعفاء، وتُجمَّد أمام الأقوياء.

القوة: اللاعب الوحيد الصادق
في هذا المشهد، تبقى القوة هي العنصر الأكثر صدقاً، لأنها لا تدّعي الأخلاق.

القوة لا تتحدث عن القيم، بل عن المصالح.
وهي التي تحدد:
أي دين يُقدَّم بوصفه “معتدلاً” أو “متطرفاً”،
وأي قضية تُصنَّف “عادلة” أو “إرهابية”،
وأي قانون يُطبَّق، وأي انتهاك يُبرَّر.

وعندما تنفصل القوة عن المساءلة، يصبح كل شيء قابلاً لإعادة التسمية:
الاحتلال “أمن”،
القصف “دفاع”،
والصمت الدولي “واقعية سياسية”.

الإنسان خارج الحسابات

وسط هذا كله، يُختزل الإنسان إلى رقم أو تفصيل جانبي.
المدني، واللاجئ، والأقليات، والشعوب غير الممثَّلة في مراكز القرار العالمي، هم أول من يدفع ثمن هذا الخلل البنيوي.
لا يُطلب منهم سوى الصبر،
ولا يُمنحون سوى البيانات،
بينما تُدار حياتهم ومستقبلهم وفق صفقات وتوازنات لا صوت لهم فيها.

خلاصة سياسية

المأزق الحقيقي ليس في غياب القيم، بل في ازدواجية استخدامها.
الدين يُستدعى حين يخدم السلطة،
والقانون يُستدعى حين يخدم القوة،
ويُهمَّش الاثنان عندما يطالبان بالعدالة.
وما لم يُفصل الدين عن الصراع السياسي،
وما لم يُحرَّر القانون الدولي من هيمنة القوة،
ستبقى الإنسانية رهينة خطاب أخلاقي جميل، وواقع سياسي قاسٍ.

الخاتمة

لذلك، لا تنفعل كلما رأيت ظلماً يُبرَّر باسم الدين، ولا تُفاجأ حين يُستخدم القانون لتكريس الحيف. فالنص، دينياً كان أم قانونياً، لم يقل ذلك.
الذي قاله هو من تولّى تفسيره وتوظيفه، ومن أراد لك أن تتقبّل البهتان بوصفه حقيقة.

هكذا يُحرَّض عليك باسم العقيدة،
ويُحرَّض العالم ضدك باسم القانون،
فتُصوَّر كخارج عن الجماعة، أو مرتدّ عن القيم، أو معارض منبوذ،
لا لأنك أخطأت، بل لأنك رفضت الرواية المفروضة، وذكّرت بأن النص لا يشرعن الظلم، بل يفضحه.

في عالمٍ تُدار فيه السياسة بمنطق القوة لا العدالة،
يصبح الوعي أخطر من السلاح،
ويغدو السؤال الحقيقي ليس: من يمتلك الحق؟
بل: من يملك الجرأة على قول الحقيقة في وجه من يحتكر تفسيرها؟



#إدريس_نعسان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد الشيخ مقصود والأشرفية: خسارة ميدانية أم مكسب سياسي؟
- عندما ينقلب الإعلام على أخلاقياته
- السلام المؤجَّل مجددًا: هل تُعيد تركيا إنتاج الفشل؟
- حين تعجز القوانين: هل يملك الأقوياء حق إسقاط الطغاة؟
- إيران أمام اختبار الكرد: حين يتحوّل القمع إلى أزمة سيادة
- إمرأة تفتح الجرح كي يتنفس
- قمة شرق المتوسط: رسائل سياسية وتصعيد مدروس
- بين الرصاص والرسائل: هل كانت الدورية الأمريكية الهدف… أم الم ...
- امرأةٌ تبحث عن نفسها… في جسدِ الغيم
- سوريا بعد رفع -قيصر-: فرصة مشروطة… وموقع قسد في معادلة ما بع ...
- حين تتلبّد السماءُ أملاً
- باراك… دبلوماسي التصريحات المتبدّلة: بين ضبابية السياسة الأم ...
- استقرار الإقليم بين ضغوط الجوار ودعم واشنطن
- الكرد السوريون: من التجريد القانوني إلى انتفاضة قامشلو - سجل ...
- أنفاسٌ على عتباتِ الحكمةِ (قصيدة)
- خيارات المركزية واللامركزية في الدستور السوري القادم: دراسة ...
- الذئاب المنفردة والإرهاب المتحول
- تركيا وملف الكرد في سوريا
- رقصة المصالح في برك الدم السوري!
- كيف تحول الربيع خريفاً في سوريا؟


المزيد.....




- مقتل أكثر من ألفي شخص في احتجاجات إيران، وترامب يقول -المساع ...
- مشروع قانون لجعل غرينلاند الولاية الأميركية 51
- -ستارلينك أصبحت متاحة مجانًا في إيران-.. مصدر يوضح لـCNN الت ...
- ما هي الخيارات المحتملة على طاولة ترامب لحسم الأوضاع في إيرا ...
- ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة في مصنع.. والبيت ا ...
- رضا بهلوي يوجه -رسالة- إلى الجيش الإيراني بشأن الاحتجاجات
- غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب أون ...
- واشنطن تقترب من تعيين لجنة فلسطينية لإدارة غزة وشعت مرشح لرئ ...
- المغرب يحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976
- مشروع قانون لجعل غرينلاند -الولاية الأميركية الـ51-


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس نعسان - الدين والقانون والقوة: من يحكم العالم فعلياً؟