أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أنس قاسم المرفوع - الدفاع الذاتي الديمقراطي: من رحم الانهيار إلى ولادة وطنٍ يُمارَس لا يُفرض














المزيد.....

الدفاع الذاتي الديمقراطي: من رحم الانهيار إلى ولادة وطنٍ يُمارَس لا يُفرض


أنس قاسم المرفوع
أكاديمي وكاتب وسياسي سوري باحث في مركز دراسات الشرق للسلام

(Anas Qasem Al-marfua)


الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 20:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بين انهيار الدولة وولادة الدفاع الذاتي الديمقراطي

حين اندلعت شرارة الثورة السورية لم تكن دعوة للعنف ولا نداءً للفوضى بل كانت صرخةَ كرامةٍ من شعبٍ طالما سُحق تحت نير الاستبداد. لكن النظام البائد بدل أن يصغي إلى وجع شعبه، اختار أن يردّ بالرصاص والتنكيل، محوّلاً الدولة التي من المفترض أن تكون حاميةً للمواطنين إلى آلةٍ للقمع والتهجير والإبادة. وفي تلك اللحظة المصيرية، حين خانَت الدولةُ وظيفتَها الأخلاقية والسياسية، وغدت مصدرَا للخطر بدل أن تكون درعَ الأمان، لم يبقَ أمام الشعوب المقهورة سوى البحث عن أشكالٍ جديدة من الحماية؛ لأن البقاء نفسه أصبح رفاهيةً لا يُسمح بها إلا لمن يملك سندًا. هنا، فحقيقة لا يمكننا أن نستغرب إذا ما التفت أحدُ المكونات السورية بعد أن فقد كل ثقةٍ بالدولة المركزية القامعة نحو قوى محلية أو حتى خارجية، طالبًا الحماية أو التحالف. فعندما تتخلّى الدولةُ عن دورها كضامنٍ للعدل والمساواة والأمن وتتحوّل إلى مشروعٍ إجرامي منظّم يستهدف شرائح مجتمعه ذاته، فإن الشعب لا يعود مُلزمًا بالولاء لها. بل على العكس، يصبح لديه حق في الدفاع عن وجوده من خلال طلب الدعم، وفي بناء بدائلٍ حمائية، ليصبح جزءًا من مشروع مقاومةٍ ضد الإبادة والتهجير. ومن خلال ذلك نتأكد بأن الدولة القومية الحديثة، ليست حاملةً للديمقراطية بل هي أداةٌ للهيمنة، تُهمّش التنوّع وتُكرّس المركزية على حساب الشعوب والثقافات. وقد كان هذا النموذج، في سياقه السوري، كارثيًا: دولةٌ أمنيةٌ قمعيةٌ حوّلت المجتمع إلى ساحةٍ للرقابة، والخوف، والتهميش والقتل والإبادة والتهجير. ولم تُبنَ على الثقة، بل على الشكّ؛ ولم تُشيد على المشاركة، بل على الإخضاع. والنتيجة؟ مجتمعٌ مشظّى، يبحث كلّ جزءٍ منه عن طوق نجاةٍ خارجي، ليس لأنّه خائن بل لأنّه فقد الأمل في أن اي نظام حاكم بعد نظام الأسد المجرم سيكون دولةً لكلّ السوريين. ولذلك فحين يُمارس أي طرفٍ سياسةً مشابهة لسياسة نظام الأسد المجرم البائد الذي حوّل سوريا إلى مسلخ وسجنٍ كبيرٍ لكل من يختلف معه فليس من العجب أن يجد نفسه وحيدًا، بينما تبحث المكونات المظلومة عن سبلٍ للنجاة خارج إطاره المدمّر.

السلام الذي يُمارَس لا الذي يُفرض

فحقيقة إن الديمقراطية الحقيقية، لا تُبنى على الهيمنة ولا على الإنكار، بل على الاعتراف المتبادل، واللامركزية، والثقة بين المكونات. وهي لا تُفرض من فوق، بل تنبت من أسفل، من رحم المعاناة والوعي الجمعي. بل هي حياةٌ جماعيةٌ تنبثق من الوعي الذاتي للمجتمعات، وتتغذى بالمشاركة اليومية، والاعتراف المتبادل، واللامركزية العضوية. ولذلك، فإن أي مشروعٍ وطنيٍّ حقيقي اليوم يجب أن يبدأ باعترافٍ صريحٍ بفشل الدولة القمعية، وبضرورة بناء نظامٍ سياسي جديد، لا يُقصي أحدًا، ولا يُجبر أحدًا على الاختيار بين الذلّ أو النفي. فحقيقة ان أي طلب للحماية من طرفٍ خارجي في ظل النظام الجديد لا يعد عارًا، بل هو مؤشرٌ صارخٌ على عمق الجرح الذي خلّفه النظام البائد وعلى عجز النظام الحالي المزمن على أن يكون دولةً لكل السوريين أو أن يكون دولةً اجتماعية بالمعنى الحقيقي أي دولةً قائمة على العقد الاجتماعي، لا على البنادق. حقيقة الحل ليس ببناء نظامٍ سياسيٍّ جديد في سوريا بل أن يبدأ باعترافٍ صريحٍ بفشل الدولة القمعية، وبضرورة استبدالها بنموذجٍ لامركزيٍّ، تعدديٍّ، يُعيد للشعوب ثقتها بأنها قادرةٌ على حماية نفسها بنفسها. ليس بالسلاح وحده، بل بالعدالة، والمشاركة، والاعتراف المتبادل. فالسلاح بدون مشروعٍ ديمقراطيٍّ يتحول إلى وسيلةٍ جديدةٍ للهيمنة. أما الديمقراطية بدون سلاحٍ دفاعيٍّ مجتمعيٍّ فهي حلمٌ عرضةٌ للسحق. لذا، فإن الحل لا يكمن في إعادة إنتاج المركزية باسم السيادة، ولا في تعميق الإنكار والصهر باسم الوحدة الوطنية، بل في بناء مجتمعاتٍ ديمقراطيةٍ ذاتية التنظيم — مجتمعاتٍ تُقرّر مصيرها بنفسها، وتتعايش مع غيرها على أساس المساواة، لا التبعية. في هذا النموذج، اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل جوهر الوجود الجمعي؛ والثقافة ليست ترفًا، بل أساس المقاومة السلمية؛ واللامركزية ليست انفصالًا، بل شرطٌ للوحدة الحقيقية. فحقيقة ان السلام الحقيقي لا يأتي من اتفاقاتٍ فوقيةٍ تُوقّع في غرفٍ مغلقة، بل من أسفل: من حوارٍ يوميٍّ بين العربيٍّ والكرديٍّ، بين المسلمٍ والمسيحيٍّ، بين الدرزي والعربي، بين السني والعلوي، بين الرجلٍ والمرأة، يبنون معًا مدرسةً، زراعةً، مجلسًا محليًّا. إنه السلام الذي لا يُفرض، بل يُمارس. وهو الوحيد القادر على شفاء الجراح، وإعادة بناء الثقة، وهذا هو جوهر الدفاع المجتمعي الذي هو ليس مجرد تشكيلات عسكرية أو دروعٍ بشرية، بل هو شبكةٌ حيّةٌ من العلاقات الديمقراطية حيث يصبح كل فردٍ حارسًا على كرامة الآخر، لأنّ كرامته مرتبطةٌ بها. أي تُبنَ الحماية من أجل الحماية وليس من أجل التسلّط، وأن تكون المدارس تعلم كل مكون بلغته الأم وأن تكون كل المكونات شريكةٌ في صنع القرار وفي الدفاع عن مجتمعها. وهذا جوهر الدفاع الذاتي الديمقراطي. الذي يجعل كلّ سوريٍّ يقول بصدق: "هذا وطنٌ لي، وليس سجنًا".



#أنس_قاسم_المرفوع (هاشتاغ)       Anas_Qasem_Al-marfua#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «بوصلة السلام الديمقراطي: من تشخيص الدمار إلى بناء الوطن الم ...
- الأمة الديمقراطية: خطة جذرية للسلام القائم على العدالة، المو ...
- فرعون في القرآن: رمزية الطغيان المتجدِّد وأولوية العدل على ا ...
- من دولة الخوف إلى مجتمع الثقة: نحو لامركزية ديمقراطية في سور ...
- نحو ديمقراطية حقيقية: دعوة لبناء سوريا من القاعدة
- التحديات والاختلافات: رؤيتي للديمقراطية في سوريا والسياق الع ...
- إعادة تكوين الإنسان العربي: من التهميش إلى الولادة الجديدة
- التسامح كفعل ثوري: قراءة في أخلاقيات المقاومة
- حقيقة القيادة: قراءة في فلسفة عبد الله أوجلان الوجودية والجم ...
- معضلة التبعية وأمل التحرر الحقيقي
- الإسلام بين التراث والتحرير: نحو مشروع حضاري قائم على العدال ...
- سوريا من ركام الطغيان إلى وطن التعددية: معضلة البناء وآفاق ا ...
- الديمقراطية كأخلاقيات: من مقاومة الدولة إلى بناء المجتمع
- نحو ثورة ذهنية: بناء مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة والاعتر ...
- الانسحاب الكردي من تركيا: بين رؤية المفكر أوجلان للسلام ومأز ...
- تأسيس الكيانات القومية في الشرق الأوسط: من الأدوات الاستعمار ...
- الديمقراطية من منظور تحرري: نحو -أمة ديمقراطية- في قلب الشرق ...
- مشروع الشرق الأوسط الكبير: من الفوضى المُنظمة إلى أمة ديمقرا ...
- أخلاقيات النضال في فلسفة المفكر عبدالله أوجلان : حين تتحول ت ...
- أخلاقيات النضال: حين تتحول تضحيات الشهداء إلى مؤسسات خالدة


المزيد.....




- مقتل أكثر من ألفي شخص في احتجاجات إيران، وترامب يقول -المساع ...
- مشروع قانون لجعل غرينلاند الولاية الأميركية 51
- -ستارلينك أصبحت متاحة مجانًا في إيران-.. مصدر يوضح لـCNN الت ...
- ما هي الخيارات المحتملة على طاولة ترامب لحسم الأوضاع في إيرا ...
- ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة في مصنع.. والبيت ا ...
- رضا بهلوي يوجه -رسالة- إلى الجيش الإيراني بشأن الاحتجاجات
- غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب أون ...
- واشنطن تقترب من تعيين لجنة فلسطينية لإدارة غزة وشعت مرشح لرئ ...
- المغرب يحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976
- مشروع قانون لجعل غرينلاند -الولاية الأميركية الـ51-


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أنس قاسم المرفوع - الدفاع الذاتي الديمقراطي: من رحم الانهيار إلى ولادة وطنٍ يُمارَس لا يُفرض