|
|
الكرد في مواجهة الإبادة الصامتة: ممنوع التصوير
إبراهيم اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 20:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الكرد في مواجهة الإبادة الصامتة: ممنوع التصوير
إبراهيم اليوسف
تتخذ الجريمة بعداً أكثر وحشية عندما تتحول الضحية إلى أداة خطاب، وحين يُدفع الجسد المعذّب ليؤدي دوراً إضافياً بعد قتله، إذ لا يعود القتل نهاية الجريمة- لاسيما المنظمة تحت شعار وطني أو ديني- بل بدايتها، ولا يتوقف العنف عند إزهاق الروح بل يمتد إلى الصورة/ المشهد، والقول، والتأويل، وهكذا يُستثمر الدم في بازار "التمرجل"، وتُقاس الفاجعة بمدى صلاحيتها للتداول، لا بعمقها الإنساني. من هنا تبرز حادثة رمي البطلة الكردية ستيرا، المتطوعة في قوى" الأسايش" الشرطة، لا لأنها مجرد مشهد منفصل في دوامة حرب النظام المغتصب لكرسي السلطة في دمشق، وإنما باعتبارها رسالة مشفرة. على طريقة اشتغال الحرب حين تُنزع عنها أي قيمة أخلاقية أو قانونية ودينية، وحين يُراد للضحية أن تُدان بدل الجلاد. الشهيدة ستيرا لم تكن حاملة بندقية، ولم تُضبط في ساحة اشتباك، ولم تخالف ما أُعلن من قيود سلاح بعد اتفاق الأول من نيسان ٢٠٢٥، حيث اقتصر التسليح المسموح به على الخفيف، ومع ذلك جرى رميها من أحد الطوابق العليا، في فعل قتل مباشر أُريد له أن يكون علنياً وصادماً، وأن يؤدي وظيفة تتجاوز إنهاء الحياة إلى ترسيخ حالة الرعب، وإرسال رسالة ردع جماعية لشعب كامل، للمكونات كلها، وحتى لأكثرية السنة الصامتين المتذمرين الرافضين- ضمنياً- سياسات طغمة حكام دمشق الجدد العابرين، مفادها أن الجسد الكردي مباح خارج منطق التوثيق، من خلال الاتعاظ من المجازر التي ارتكبت بحق الدروز والعلويين والمسيحيين. في واقعة أخرى مماثلة: كراهية وعدوانية وفي المسرح/ الزمكاني ذاته، جرى الاعتداء على شرطية كردية ثانية، حيث أُسرت، وشُدّ شعرها، وجُرّت أرضاً، وتعرّضت للإهانة العلنية وهي ما تزال على قيد الحياة. هذا الاعتداء لا يندرج ضمن القتل الفوري، وإنما يندرج ضمن عنف منهجي مقصود، عنف ممارسة الإذلال بحق الحيّ، الذي يُمارس بوصفه تمهيداً للقتل أو بديلاً مؤقتاً عنه، ورسالة مفتوحة بأن الحياة نفسها خاضعة لمنطق الكسر، حيث إن القتل المباشر والإذلال العلني يشكلان معاً سلسلة واحدة من العنف المتدرج، ضمن مخطط واحد، تم استحصال رخصه بدفع تركي/ داعشي، ودعم إقليمي، وضوء أخضر أمريكي/ غربي. لقد تزامن القصف الجوي الأرضي وعبر الأسلحة مابعد الحداثية مع مداهمات، وأسر، واعتقالات، وتهجير قسري، ووصل ذلك حتى إلى القرى المحيطة بعفرين، بعد نزوح من تبقى من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، فيما ظلت أعداد الضحايا غير معروفة، كما إن أعداد الأسرى لما تزل مجهولة، ناهيك عن إن أسماء المفقودين- هي الأخرى- من دون لوائح، لأن التعميم صدر مبكراً بعدم التصوير، لا حمايةً للمدنيين، وإنما حمايةً للجناة من أي أثر قانوني قد يُعرض لاحقاً على رأي عام أو جهة دولية تدعي المراقبة، ولو في حدود الإعلان، كما يبدو حتى الآن. وهكذا فقد جرى تنفيذ المجازر بدقة إجرامية لامتناهية الكراهية والغل والحقد، في معزل عن الدليل الأولي الذي طالما كان صفة داعشية عرفناها منذ الثالث من أيلول 2014 وحقيقة، إن هذا الصمت المشغول يترافق ويتوافق عليه وفق بارومتر أممي ديكوري افتراضي، مع غرفة عمليات مشتركة، وتحت دفع فعل تحريضي تركي واضح، ومع دعم إقليمي، وتواطؤ دولي، تجلى في تقديم تسهيلات سياسية ومالية، وفي غض طرف متعمد، حتى بدا المشهد كما لو أن الدم الكردي يُستباح خارج الأرض التي احتلتها تركيا مباشرة: كردستانياً وسورياً، في محاولة لاستباق الزمن وتصفية ما تبقى من حضور كردي قبل أن تترسخ أية معادلة مختلفة. إذ إن الخريطة التي تأسست عليها الدولة التركية الحديثة تمت على حساب خريطة أوسع، وإن كل استعادة لذاكرة تلك الخريطة تُقابل بعنف استباقي. ولم يكن القتل، وحده، هو العامل الحاسم الأخطر في هذا الميدان، وإنما شراسة الطقس الكانوني غير المسبوق الذي رافقه، ناهيك عن المخدر المتجسد في صيحات "الله أكبر" فوق أشلاء الأجساد المتراكمة، لا باعتبارها ذكراً إلهيا في طقس صوفي خشوعي في حضرة الخالق، وإنما باعتبارها غطاءً صوتياً للجريمة، بحق ضحايا أكثرهم كان يلفظ الشهادة ويقرأ آيات الذكر الحكيم، في مفارقة فاضحة مع أي فهم ديني يجرّم التمثيل بالجثث، ويحرم انتهاك حرمة الإنسان حياً وميتاً، ويضع الكرامة في موقع لا يقبل المساومة. وقد بلغ الانحطاط ذروته مع مشاهد التمثيل، واستخراج قلب أحد عناصر الأسايش، في استعادة سوداء لممارسات أعادت داعش إحياءها، وسارت على خطاها فصائل ادعت يوماً صفة "التحرير"، بدعم تركي وقطري، لتُنتج وحشية بلا قناع. وهكذا نصل إلى جوهر المسألة، حيث لا يُراد للضحية أن تُرى ضحية، بل يُعاد تعريفها كمذنبة، ويُطلب من المحاصَر أن يختار بين الاستسلام المذل رغم الاتفاق البيني المخترق من قبل السفاح الميليشوي أو الإدانة، بينما يُمنح المعتدي حق المبادرة وحق السرد وحق محو الأثر. من هنا نرى أن منع التصوير لم يكن تفصيلاً، وإنما كان سياسة، لأن الصورة قادرة على هدم خطاب كامل، وقادرة على فضح اختبار دولي يُدار بوجهين، أحدهما يرفع شعارات، والآخر يوزع تراخيص.
اصنعوا مجزرتكم كما تريدون ولا تتركوا أي أثر
ضمن هكذا مشهد جنائزي أليم، يصبح التمثيل بالضحايا عبارة عن جريمة فعل سياسي، ضمن مجازر موصوفة، لا مجرد شذوذ سلوكي، إذ تُستكمل الجريمة في الوعي بعد أن تُرتكب في الواقع، ويُراد للضحية أن تقتل مرتين، مرة تحت القصف، ومرة تحت خطاب يسوغ قتلها ويسوغ إذلالها ويمحو اسمها من خانة المدنيين. إنما الرد على سؤال "هل كانت ترش الورد؟" التي ساقها بعض المنتمين للميليشيات من موقع ثقافي أو حتى حقوقي أو سياسي، لا يحتاج المزيد من الانفعال، بل إلى تثبيت حق بسيط، حيث الدفاع عن البيت حق، وحيث من يقتحم بالقصف والأسلحة الثقيلة هو المعتدي مهما حاول قلب المعادلة، لأن هؤلاء الأبطال الميامين- ولا أتحدث عمن وراءهم من ساسة أو سواهم- جسدوا أعظم معاني التضحية والبطولة والفداء، وكيف لا أن يصمد حوالي ثلاثمئة شابة وشاب دفاعاً عن حرماتهم وكراماتهم وبيوتهم في مواجهة جيش مدعوم من قبل أكثر من بلد، من بين ذلك بلد مثل تركيا، يتحرك ضد الكرد، لأنه يدرك أن خريطته مؤسسة على حساب جزء من خريطة كردستان. على هذا النحو، تظهر لنا وللعالم بأسره، هذه الحرب، كما هي. إنها حرب إبادة بلا إعلان، تُدار بعيداً عن الكاميرات، وتُغلف بخطاب قوموي دينوي زائف، وتُحمى بتواطؤ صامت من لدن المحيط ورعاة الأسرة الدولية، ويُطلب من الضحية أن تصمت كي لا تُحرج أحداً. غير أن الدم حين يُستثمر خطابياً ينقلب شهادة، وحين يُراد له أن يُمحى يترك أثراً أعمق، وهكذا تبقى ستيرا علامة على قتل متعمد، وتبقى الشرطية المعتدى عليها علامة على حالة عنف ضمن مجازر بحق أبرياء الكرد. أبرياء سوريا، فيما تبقى الجريمة واحدة، حيث تتغير أدواتها ولا يتغير جوهرها. أجل، إنه مخطط الإبادة الصامتة حين يُفرض حظر التصوير بوصفه إجراءً مركزياً من أبي محمد الجولاني ومدربيه وأسياده، إذ إن ما جرى من حلق شوارب الدروز، وقتل العلويين، ورمي الأبرياء من الطوابق العليا، لم يتوقف بفعل رادع ديني أو وازع أخلاقي، وإنما تغيّر شكله تحت ضغط الخوف من بو الغرب/ المخادع، الذي منح الإرهابيين رخصة تأديب للكرد ضمن ترتيب معروف الملامح مجهول الإعلان. وكل هذا يدل على أن العنف يُدار، من دون توثيق كاف، وتُعاد هندسة الجريمة كي تمر بلا أثر قابل للتداول، وهكذا لا يُلغى الفعل بل يُخفى، ولا يُكبح القتل بل يُهمش ويلغى دليله، اعتماداً على حسابات خارجية تُقدَّم فيها الطاعة السياسية على أي قيمة إنسانية. وما تزامن زيارة موفدي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى دمشق في اليوم الثاني من بدء المجازر في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، بحق الكرد، في حييهما، بل في أماكن تواجدهم في حلب وريفها، جريمة قانونية جدية تتصل بمبدأ العناية الواجبة والمسؤولية. إذ إن المضي في زيارة رسمية في ظل مجازر ومقتلة وتهجير جارية، ومن دون إدانة علنية أو اشتراطات حماية للمدنيين، يمكن أن يُفهم باعتباره إسهاماً في تطبيع ومباركة واقع كارثي. واقع عنف دموي قائم، إذ كان على الموفد اعتبار الانتهاكات الجسيمة عملاً مداناً، بل إن تأجيل الزيارة كان ضرورة احترازية متسقة مع مبدأ الالتزامات المعلنة بحماية المدنيين، تفادياً لأي تأويل قد يرقى إلى توفير غطاء سياسي أو تقويض مبدأ عدم الإفلات من المساءلة القانونية.
#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
متوالية نقل الخبر وهندسة الكذب في الحروب التي تُدار من غرف ا
...
-
حكومتان ضد ثلاثة أحياء كردية في حلب*
-
سنة جديدة...
-
الكرد وميثاق الصف الواحد وضرورة منع الانزلاق إلى فخاخ سلطة د
...
-
التحريض ضد الكرد ومسؤولية السلطة الجديدة في دمشق*
-
فرض الطاعة وافتقاد الشرطين القانوني والشرعي*
-
فرض الطاعة وافتقاد الشرطين القانوني والشرعي
-
من يكسر فرحة السوريين بسقوط النظام
-
لعبة التماثيل- من مجموعة ساعة دمشق الشعرية- نصوص كتبت في سقو
...
-
عائشة شان أسطورة الفن في مواجهة تحديات عدة
-
المطهّر الملوّث: غُسل السلطة بالدم
-
مزكين حسكو: هل حقاً إنه أربعونك!؟
-
الشاعرة مزگين حسكو: حكاية الحرف صفر وبياض الحلم والانطلاقة1-
...
-
نباح الجرو الأجرب مسرحية قصيرة للأطفال
-
غيابة نرمين في يومي الحزين في رحيل ابنة صديقي د. برزو محمود
-
دستور الفيرومونات النحل وكيمياء النظام وسقوط الخطاب!
-
الدجاجة المستديكة مسرحية قصيرة للأطفال
-
شاهين سويركلي إننا نحزن عليك، إننا نحزن علينا
-
على هامش فصل الكاتب حسن م يوسف دعوة إلى التسامح مع أصحاب الر
...
-
سيرة بين السبورة والصحيفة والقضية: توفيق عبدالمجيد مناضل لم
...
المزيد.....
-
مقتل أكثر من ألفي شخص في احتجاجات إيران، وترامب يقول -المساع
...
-
مشروع قانون لجعل غرينلاند الولاية الأميركية 51
-
-ستارلينك أصبحت متاحة مجانًا في إيران-.. مصدر يوضح لـCNN الت
...
-
ما هي الخيارات المحتملة على طاولة ترامب لحسم الأوضاع في إيرا
...
-
ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة في مصنع.. والبيت ا
...
-
رضا بهلوي يوجه -رسالة- إلى الجيش الإيراني بشأن الاحتجاجات
-
غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب أون
...
-
واشنطن تقترب من تعيين لجنة فلسطينية لإدارة غزة وشعت مرشح لرئ
...
-
المغرب يحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976
-
مشروع قانون لجعل غرينلاند -الولاية الأميركية الـ51-
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|