أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماهر عزيز بدروس - اختطاف مادورو : قرصنة لا أخلاقية أم حق قانوني ؟















المزيد.....

اختطاف مادورو : قرصنة لا أخلاقية أم حق قانوني ؟


ماهر عزيز بدروس
(Maher Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 10:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أثار اختطاف مادورو بالطريقة التي تم بها جدلا لاهوتيا حول الأخلاق المسيحية في الواقع الدولي، فشريعة المسيح هي شريعة الحب، وشريعة الحب تلزم بنهج السلام لا الحرب، والخير لا الشر، والحق لا القوة، فأين يقع السلام والخير والحق في عملية اختطاف مادورو؟

يتحدث ترامب - الخاطف بالقوة - في أحيان كثيرة بلغة انجيلية، ويبدو كرجل مسيحي متدين، لكنه في موقف اختطاف مادورو بدا للكثيرين مخالفا للأخلاق المسيحية ومناقضا لها، حتي نعته المتدينون المسيحيون بالبلطجي ..

صحيح أن أطرافا عديدة في عالم السياسة، المعادية أصلا لأمريكا، تشترك في نفس هذا الوصف للرئيس ترامب، لكنه من جانب المتدينين المسيحيين يتجه جوهريا لمعني أخلاقي ينبع في الأساس من الأخلاق التي أسسها السيد المسيح .. ولقد تعرضت هذه الأخلاق أيضا لجدل لاهوتي عنيف حول ما إذا كان السيد المسيح قد أطلقها أصلا علي مستوي السلوك الفردي للإنسان الفرد في حياته الأخلاقية العامة، أم تنسحب في الوقت ذاته علي السلوك الجماعي أو الدولي، سواء داخل الدولة الواحدة أم بين دول مختلفة.

يقتضي ذلك أن نمتحن عملية اختطاف رئيس أمريكا لرئيس فنزويلا علي المبادئ التي أرسلها المسيح للعالم، وفي هذا الصدد كتب الأب جون جبرائيل الدومينيكاني عدة مقالات يؤكد فيها أن عملية الاختطاف تناقض الأخلاق المسيحية وتعاديها، وأن القائم بالاختطاف بلطجي صريح.

لكن كثيرين رأوا أيضا أن ذلك الحكم ليس نهائيا، لأن الأمر شديد التعقيد تجاه تطور الوقائع في مجال الحدث.

فالأمر كما حدث حتي الآن بشريعة القوة قد يجد له تفسيرا مختلفا ؛ بعيدا عن اللاهوت والأيديولوجيا، وإنما من زاوية قانونية محض .. فأمريكا أعلنت مادورو مجرما مطلوب القبض عليه، وعددت عليه عدة جرائم ستعلنها المدعية القضائية في قاعة المحكمة بمانهاتن ..

فمن زاوية قانونية يبقي حدث الاختطاف قيد السؤال : هل من حق رئيس دولة أن يعلن رئيس دولة أخري مجرما مطلوبا للقضاء وينفذ فيه أمر الإحضار تماما كما لو أن الجريمة محلية تتم علي نطاق الدولة الواحدة ؟
وهل يمكن للقانون الدولي أن يسوغ قانونيا لفعل كهذا علي المستوي العابر للدول ؟ ..

نحن هنا لأول مرة أمام مأزق حقيقي للقانون الدولي .. مأزق هو حالة أخري لا يفسرها اللاهوت ( أو يعترض عليها )، ولا تفسرها الايديولوجيا أو تسوغها .. إنما هي حالة قانونية وحدها، وهي التي تفرض نفسها.

طالب غبطة البابا لاون بالحل السلمي وعدم استخدام القوة العسكرية، وما طالب به هو رؤيا كالتي تطرح اليوم لحل عديد من الصراعات الدولية، ويمكن النظر فيها دون التحميل علي أي بعد لاهوتي ..

ثمة مسألةأخري مهمة، فكثيرون يساوون في نقدهم الأخلاقي لفعل اختطاف مادورو بين القوة التي تم بها الاختطاف والقوة الإجرامية للإرهاب في كل مكان، لكن ذلك - في رأينا - إفراط في الانفعال العاطفي لا يجوز، فلا يمكن مطلقا مقابلة القوة في الحالين علي منصة واحدة : عملية اعتقال مادورو وعملية قتل الأيزيديين - علي سبيل المثال - بأيدي داعش ، أو قتل الأوغنديين بأيدي بوكو حرام ، أو قتل دولة لبنان بأيدي حزب اللات.

سؤال آخر يثيره قياس عملية اختطاف مادورو علي محك الأخلاق المسيحية : إلي أي مدي يمكن للإرادة الإنجيلية علي مستوي السلوك الفردي في رفض دحر القوة بالقوة، وإيثار نهج المسيح المحب السلمي في السعي للتغيير بإرادة الحق لا القوة، والعدل لا الظلم، والسلم لا الترويع، في مدي زمني غير محدد ... إلي أي مدي يمكن أن تكون ممكنة علي مستوي الصراع الدولي بين الأمم، حيث تتعقد الأوضاع الجيوسياسية والعلاقات السياسية ومجابهات الإرادات في لحظات تتكثف فيها الاعتبارات ويصير القرار بالإجراءات الممكنة محفوفا بمخاطر الوقت والقوة وجماعات المصالح والقوي الدولية المتأهبة وتضارب الإرادات علي ساحة دولية محددة ؟

في هذا الإطار هل يمكن بالفعل عقد مقاربة - علي سبيل المثال - بين فتوات نجيب محفوظ وحرافيشه .. ورئيس دولة يتصرف باديا كالفتوة تجاه حرافيش دولية ؛ بينما أمامه علي طاولة القرار حسابات كل السيناريوهات بواسطة مراكز الاستراتيجيا في الخارجية والحربية والمخابرات ومراكز البحث العسكرية ؟

الأب جون جبرائيل الدومينيكاني قس كاثوليكي مثقف ثقافة واسعة راقية، وحامل في كيانه رسالة المسيح، علما علي عمله الكنسي الذي يؤديه علي نحو رائع ومؤثر جدا في كل سعيه، تفضل بالإجابة عن هذا السؤال علي النحو التالي :

سؤال مشروع وصعب، وهو قديم قِدم علاقة الكنيسة بالسلطة : هل يمكن للأخلاق الإنجيلية، القائمة على السلام ورفض منطق القوّة، أن تكون فاعلة في عالم الصراعات الدولية المعقّدة؟

التعليم الكاثوليكي مثلًا يجيب بوضوح : نعم، من دون سذاجة، ومن دون تبرير للهيمنة.

فالكنيسة تميّز بين أخلاق الفرد ومسئولية الدولة، لكنّها ترفض فصل السياسة عن الأخلاق.

التعقيد الجيوسياسي لا يُلغي المعايير الأخلاقية، بل يجعلها أكثر إلحاحًا.

في رسالة "السلام في الأرض" عام 1963، أكّد البابا يوحنا الثالث والعشرون أنّ العلاقات بين الدول يجب أن تُنظَّم وفق الحقّ والعدل، لا القوة.

وفي دستور "فرح ورجاء" عام 1963، شدّد المجمع الفاتيكاني الثاني على أنّ ضغط المصالح والتهديدات لا يبرّر أفعالًا تنتهك كرامة الإنسان.

أمّا البابا فرانسيس في رسالته "الأخوّة الشاملة" 2020، فيذهب أبعد من ذلك، حاسبًا أنّ تبرير الحرب اليوم أصبح شبه مستحيل أخلاقيًا في عالم تتوافر فيه بدائل سياسية ودبلوماسية واقتصادية.
من هنا، فالمقارنة مع "الفتوة-الحرافيش" ليست تبسيطًا ساذجًا، بل قراءة بنيوية لمنطق السلطة.

نجيب محفوظ لا ينتقد جهل الفتوة، بل وهم الخلاص بالقوة.

الفتوة يحسب ويخطّط ويستشير، لكن النتيجة واحدة : القوة التي تبدأ إنقاذًا تنتهي هيمنة.

وهذا بالضبط ما تحذّر منه الكنيسة حين ترفض تحويل القوة إلى معيار أخلاقي.

الإنجيل لا يقدّم وصفة عسكرية، لكنه يضع حدًّا لا يجوز تجاوزه : ألا تُستبدل العدالة بالهيمنة، ولا يُقدَّس "النجاح" على حساب الإنسان.

لذلك فالسؤال مثلا ليس : هل السياسة معقّدة؟ بل : هل يجوز تحويل العالم إلى حارة، والدول إلى فتوات، والشعوب إلى حرافيش باسم الواقعية؟
الكنيسة تجيب : لا .. لأن التعقيد لا يبرّر الظلم، والقوة لا تصنع حقًّا، والسلام لا يُبنى بالخوف بل بالعدل والحقّ والذاكرة.
بالطبع، يوجد تعليم اجتماعي كاثوليكي يتحدث عن دور المؤسسات الدوليّة في تحقيق ذلك، بما فيه استخدام الحرب العادلة.

[ انتهت إجابة جناب الأب الموقر جون جبرائيل الدومينيكاني ]

ولقد كتبت أعلق علي إجابة الأب الموقر : توضيح أكثر من رائع للحق الكتابي في عالم يموج بالصراع ويجب ألا تحكمه القوة ..

وأزعم أن من بين السيناريوهات المتعددة للقرار التي وضعت أمام ترامب بدائل أخري سلمية للمواجهة لكنه اختار القوة ربما لأسباب عديدة لم تتضح لنا حتي الآن .. خاصة أن شمال القارة الأمريكية الجنوبية هو الفناء الخلفي لأمريكا وسلوك أمريكا علي وجه الخصوص تجاه فنائها الخلفي له أسباب عميقة الجذور في البعد التاريخي الذي كانت فيه أمريكا داعما قويا لدول القارة الجنوبية .. فالنظر لقرار ترامب دون اعتبار للبعد التاريخي للفناء الخلفي لأمريكا قد يطمس معالم عديدة .. لكنني مع النظر إلي القوة كخيار فج غير مقبول .. ولابد هناك خيارات أخري تم إغفالها كان يمكن ان تمثل انعكاسا حقيقيا للأخلاق المسيحية في عالم السياسة.

لكن يبقي كذلك هذا السؤال علي محكات الحكم بالأخلاق المسيحية :
إذا كان السيد المسيح قد نادي بشريعة الحب والسلام لا العنف والقوة .. ألم يأت المسيح أيضا ثائرا علي ظلم الناس، ورافضا لفقرهم وقهرهم، ومؤثما أي سلوك يلحق الأذي بالناس كتحالفات الدكتاتورية مع الإرهاب العالمي والاتجار فيما يقتل الشعوب؟

.



#ماهر_عزيز_بدروس (هاشتاغ)       Maher_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عرض كتاب : -جرثومة التخلف- للدكتور مراد وهبه
- المشروع التنويري للدكتور مراد وهبه يؤثم جهل الأصوليين
- مع الدكتور مراد وهبه : أحد أعظم عشرة فلاسفة في القرن العشرين ...
- فلسفة جرائم الأسلمة القسرية للبنات في مصر
- المتحف المصري الكبير .. والبيئة الطاردة للسياحة
- مصر هى الخاسر الأكبر
- القدس: مدينة الحرب أم مدينة السلام؟ (2)
- القدس : مدينة الحرب أم مدينة السلام ؟ ( 1 )
- استفهامات مهمة في الطاقة النووية
- مفاهيم مغلوطة : الأحوال الشخصية للأقباط والقراءة الخطأ لآيات ...
- جدلية القداسة والجنس
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ- 8
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 7
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ-6
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 6 معدل
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - ٦
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 4
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 5
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 3
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ-2


المزيد.....




- رأي.. إردام أوزان يكتب: من غزة إلى كاراكاس.. عصر القوة المنف ...
- هل تبرم أمريكا صفقة مع الحرس الثوري أم يكون لابن شاه إيران د ...
- هل يؤدي ضم أمريكا لجزيرة غرينلاند بالقوة إلى تفكك حلف الأطلس ...
- بهدف عزل الضفة الغربية.. إسرائيل تبدأ بشق -طريق السيادة- وبن ...
- احتجاجات متواصلة في مينيسوتا بعد إطلاق نار قاتل من قبل سلطات ...
- استنفار في كوريا الشمالية.. كيم جونغ أون يُجري تغييرات في فر ...
- سوريا ـ زعيم درزي يطالب بدولة مستقلة حليفة لإسرائيل
- سوريا: الجيش يطالب القوات الكردية المتواجدة في حلب بالانسحاب ...
- مصر - ليبيا: وزير الدفاع المصري وصدام حفتر يبحثان التعاون ال ...
- المغرب - نيجيريا: الركراكي يدعو الجمهور ليكون -الرجل رقم 12- ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماهر عزيز بدروس - اختطاف مادورو : قرصنة لا أخلاقية أم حق قانوني ؟