منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 10:22
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يشكّل نقص المياه في مدينتي أنقرة وبورصة إحدى أخطر الأزمات البيئية والخدمية التي تواجه تركيا في السنوات الأخيرة. فبعد أن كانت هاتان المدينتان من المناطق التي تتمتع بموارد مائية مستقرة نسبياً، بدأت مؤشرات الجفاف ونقص المخزون المائي تظهر بشكل واضح، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: من المسؤول عن هذه الأزمة؟
أولاً: التغير المناخي والجفاف
لا يمكن إنكار الدور الكبير للتغير المناخي في تفاقم أزمة المياه. فقد شهدت تركيا عموماً، ومنطقة وسط الأناضول ومرمرة خصوصاً، انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الأمطار خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة، ما أدى إلى زيادة معدلات التبخر وانخفاض منسوب السدود. هذا العامل الطبيعي يشكل خلفية أساسية للأزمة، لكنه لا يفسرها بالكامل.
ثانياً: الإدارة المحلية وسوء التخطيط
تلعب البلديات والمؤسسات المعنية بإدارة المياه دوراً محورياً في ضمان استدامة الموارد المائية. في أنقرة وبورصة، تشير تقارير عديدة إلى ضعف التخطيط طويل الأمد، وتأخر الاستثمار في مشاريع جديدة للسدود وشبكات النقل والتخزين. كما أن الاعتماد المفرط على عدد محدود من السدود، دون تنويع مصادر المياه أو تطوير أنظمة حصاد مياه الأمطار وإعادة استخدام المياه المعالجة، جعل المدينتين أكثر عرضة للأزمات عند حدوث أي انخفاض في الهطول المطري.
ثالثاً: الهدر في شبكات المياه
تُعد نسبة الفاقد المائي في شبكات التوزيع من أعلى المعدلات في بعض المناطق، بسبب تقادم البنية التحتية وتسرب المياه من الأنابيب القديمة. هذا الهدر يعني أن جزءاً كبيراً من المياه المخزنة لا يصل فعلياً إلى المستهلكين، ما يفاقم الشعور بالنقص حتى في الفترات التي يكون فيها المخزون مقبولاً نسبياً.
رابعاً: الاستهلاك المرتفع وضعف الوعي
تشهد أنقرة وبورصة نمواً سكانياً سريعاً، إضافة إلى توسع عمراني وصناعي كبير، ما يرفع الطلب على المياه بشكل متسارع. ومع ضعف حملات التوعية وترشيد الاستهلاك، يستمر استخدام المياه في الري العشوائي للحدائق، وغسل السيارات، والاستهلاك المنزلي المرتفع دون مراعاة للظروف المناخية الحالية.
خامساً: المسؤولية المشتركة
لا يمكن تحميل جهة واحدة المسؤولية الكاملة. فالحكومة المركزية مسؤولة عن وضع السياسات الوطنية للمياه والاستثمار في المشاريع الكبرى، والبلديات مسؤولة عن التخطيط المحلي والصيانة والتوعية، بينما يتحمل المواطنون والمؤسسات الخاصة جزءاً من المسؤولية من خلال أنماط الاستهلاك اليومية.
خاتمة
إن نقص المياه في أنقرة وبورصة ليس أزمة عابرة، بل نتيجة تراكمات طويلة من التغير المناخي وسوء الإدارة والهدر وضعف الوعي. ومع استمرار هذه العوامل، قد تتحول الأزمة إلى تهديد مباشر للأمن المائي والغذائي والاقتصادي. لذلك، فإن الحل يتطلب خطة وطنية شاملة لإدارة المياه، واستثمارات جادة في البنية التحتية، وتغييراً حقيقياً في ثقافة الاستهلاك، قبل أن يصبح الماء في هاتين المدينتين مورداً نادراً يصعب تعويضه.
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟