أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟















المزيد.....

منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 21:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


باتت الرؤية الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران أكثر وضوحًا وبراغماتية، إن صحّت التقديرات حول توجه إدارة ترامب والنخبة المحافظة في واشنطن. فالولايات المتحدة، التي دفعت أثمانًا باهظة في العراق وليبيا وأفغانستان، تعلمت درسًا قاسيًا مفاده أن إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من بناء الدول، وأن هدم البنى السياسية لا يعني بالضرورة ولادة الاستقرار، بل قد يفتح أبواب الفوضى لعقود.

من هذا المنطلق، لا تبدو واشنطن اليوم معنية بتحويل إيران إلى “أرض محروقة”، بل تسعى إلى إضعاف النظام دون إسقاطه، ودفعه نحو صفقة أشبه بـ“الاستسلام الذكي”: يحتفظ فيها النظام بسلطته الداخلية مقابل التخلي عن طموحاته النووية، وتقليص قدراته الصاروخية، والتراجع عن أدواره الإقليمية ودعمه للميليشيات في المنطقة. إنها سياسة استنزاف ممنهجة تهدف إلى ترويض طهران لا تفكيكها، وتحجيم نفوذها دون خلق فراغ استراتيجي جديد في الشرق الأوسط.

لكن التاريخ لا يمنح ضمانات للواقعية السياسية. فإذا سقط النظام الإيراني، أو دُفع إلى حافة الانهيار تحت ضغط العقوبات والاحتجاجات الداخلية المتصاعدة منذ اسابيع، فإن التداعيات لن تتوقف عند الحدود الإيرانية، بل ستضرب قلب شبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقود الماضية.

إيران بعد النظام: من الدولة العميقة إلى الفوضى العميقة

إن الرهان على أن سقوط النظام الإيراني سيقود تلقائيًا إلى ديمقراطية مستقرة يبدو رهاناً أقرب إلى الوهم. فإيران ليست دولة قومية متجانسة، بل كيان متعدد القوميات والإثنيات، تحكمه توازنات دقيقة بين الفرس والأكراد والعرب والبلوش والتركمان. وانهيار السلطة المركزية في طهران قد يفتح الباب أمام صراعات إثنية وطائفية واسعة، وربما محاولات انفصالية في مناطق مثل الأحواز وكردستان وبلوشستان. وفي قلب هذا المشهد، سيبرز سيناريو الحرس الثوري، الذي يسيطر على مفاصل الاقتصاد والأمن، وقد يسعى في حينها إلى فرض ديكتاتورية عسكرية صريحة لحماية مصالحه، ناقلًا البلاد من “ولاية الفقيه” إلى “ولاية الجنرال”.

تفكك شبكة النفوذ: الميليشيات أمام اختبار البقاء

إذا توقفت إيران عن ضخ المال والسلاح لحلفائها في المنطقة، فإن هذه الشبكة ستدخل أزمة وجودية حادة.

في العراق، تمثل الفصائل المسلحة الموالية لطهران العمود الفقري للنفوذ الإيراني. ومع انقطاع الدعم، ستجد الحكومة العراقية نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما مواجهة هذه الفصائل بالقوة، بما يحمله ذلك من مخاطر الانزلاق إلى العنف الأهلي، أو محاولة إعادة دمجها سياسيًا وأمنيًا في الدولة، وهو خيار تصطدم به حسابات القيادات الميدانية نفسها.

في لبنان، يعتمد حزب الله ماليًا وعسكريًا على إيران. ومع تراجع هذا الدعم، قد يتحول من قوة إقليمية مؤثرة إلى لاعب سياسي محلي مثقل بالأزمات. غير أن الخطر يكمن في احتمال لجوئه إلى فرض وقائع داخلية بالقوة خوفًا من فقدان نفوذه، ما قد يعيد شبح الحرب الأهلية إلى البلاد.

أما في اليمن، حيث تُعد الحرب صراعًا لوجستيًا بالدرجة الأولى، فإن تراجع الإمدادات الإيرانية قد يدفع الحوثيين نحو تسوية سياسية، أو نحو تشديد قبضتهم على الموارد المحلية، بما يفاقم الفوضى القبلية والاقتصادية.

سوريا: سقوط الهلال الشيعي وصعود محور جديد

لم تعد سوريا تمثل ورقة إيرانية رابحة. فالنظام الموالي لطهران سقط فعليًا قبل عام، وتراجع النفوذ الروسي، فيما تشكّل محور جديد يضم تركيا والسعودية والسلطة السورية الجديدة.

هذا التحول أنهى “الجسر البري” الذي كانت إيران تستخدمه لنقل السلاح إلى حزب الله، وقطع عنها أهم عمق استراتيجي في بلاد الشام كان يشكل امتداد لعمقها الاستراتيجي في العراق. كما فتح الباب أمام إعادة دمج سوريا في الفضاء العربي وتأثيراته المستقبلية على لبنان والعراق، ما يعني أن مشروع “الهلال الشيعي” انهار ميدانيًا قبل أن ينهار سياسيًا.
ومع سقوط الورقة السورية وخروج دمشق من الفلك الإيراني، بات المحور الذي بنته طهران خلال عقود محاصرًا جغرافيًا وسياسيًا:

شمالًا: تركيا، التي لم تعد شريكًا محتملًا بل خصمًا استراتيجيًا.

شرقًا: باكستان، الأقرب إلى السعودية والولايات المتحدة منها إلى إيران.

جنوبًا: دول الخليج، الخصم التاريخي لطهران.

غربًا: محور دمشق الجديد، الذي أغلق الحدود السياسية والأمنية أمام النفوذ الإيراني.
فالمشهد السوري اليوم لا يمثل مجرد تحول في موازين القوى، بل يرمز إلى النهاية العملية لمشروع إيران في المشرق العربي. والولايات المتحدة، من موقع الفاعل لا المتدخل المباشر، تدرك أن خصومها الإقليميين باتوا يحدّون من نفوذ بعضهم البعض دون حاجة إلى حرب أمريكية شاملة.

واشنطن بين الفرصة والمخاطرة

إضعاف إيران يتيح للولايات المتحدة إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط دون الانخراط في حرب شاملة. غير أن هذا المسار يحمل في ذات الوقت مخاطر كبيرة. فالنظام الإيراني، إذا شعر بأنه يواجه موتًا سياسيًا، قد يسعى إلى امتلاك السلاح النووي كضمانة أخيرة للبقاء، وهو سيناريو كابوسي للمجتمع الدولي.

كما أن انهيار السلطة في دولة بحجم إيران قد يطلق موجات من الفوضى، وانتشار السلاح، وتصاعد الإرهاب، فضلًا عن موجات هجرة قد تهز استقرار دول الجوار وأوروبا.

الخاتمة: هل انتهى المشروع الإيراني دون حرب؟

تشير المؤشرات المتراكمة إلى أن استراتيجية “الاحتواء” أو ما يمكن تسميته بـ“الاستسلام الذكي”، التي تتبناها إدارة ترامب والنخبة المحافظة في الولايات المتحدة، قد حققت نتائج فاقت التوقعات. فواشنطن لن تحتاج إلى غزو إيران أو تدمير بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية، بل ستكتفي بالضغط العسكري، الاقتصادي، والسياسي المنهجي لتفكيك شبكة تحالفاتها الإقليمية من الداخل.

في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح هو: هل ستجبر واشنطن إيران على تقديم تنازلات؟
بل أصبح السؤال الأكثر عمقًا: هل تبقى لإيران أصلًا أوراق تلعبها من خلال وجود إقليمي فعّال بعد خسارة سوريا كجسر استراتيجي؟

هكذا تحقّق الهدف بأقل كلفة ممكنة:
تفكيك النفوذ الإيراني دون مواجهة عسكرية مباشرة، وإعادة تقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ جديدة لا تدين بالولاء للأيديولوجيا، بل لمن يمتلك القدرة على تمويل الاستقرار وفرض معادلات البقاء.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين
- الذكاء الاصطناعي وزعزعة اليقين: بين انهيار الدليل وإعادة بنا ...
- وثيقة بقاءٍ كتبتها امرأةٌ
- المثقفون… حين يتحوّل الاختلاف إلى خصومة
- كيف نحمي أنفسنا من الأشخاص السامّين دون أن نفقد إنسانيتنا
- الكارثة المعرفية الراهنة..كيف تُصاغ قناعات الناس؟
- الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي
- الحرب كنموذج عمل: كيف تحولت الصراعات إلى آلة للربح المستدام
- في انتظار أن يصبح سببًا
- الحسد: رحلة الشعور الأزلي من الأسطورة إلى الخوارزمية
- أنت والحظ: حين تنحرف المعادلة عن قوانينها
- المأزق الثقافي العربي: بين العجز والنهوض
- الألم... ميلادٌ لا ينتهي
- العصر الأسود: أغنية الشاشات المغلقة
- العراق: هشاشة الدولة وأزمة الهوية الوطنية
- سجون عقولنا غير المرئية: كيف تُديرنا معتقدات الطفولة القديمة ...
- التغيير الإيجابي والمستدام: في معنى التكيّف الهوياتي
- البشتون وإسرائيل: بين الأسطورة التوراتية وأدوات المشروع السي ...


المزيد.....




- كلاسيكية وجرأة.. أبرز إطلالات المشاهير في حفل -غولدن غلوب- 2 ...
- غارات روسية مكثفة على أوكرانيا تُخلف قتلى وجرحى وتستهدف منش ...
- الجيش السوري يتهم قسد بحشد قواتها ومطالبات بفتح تحقيق بعد تو ...
- غرينلاند تعلن -تكثيف جهودها- لضمان الدفاع عن أراضيها في إطار ...
- فرنسا: انطلاق محاكمة الاستئناف لمارين لوبان في قضية رهانها ا ...
- الصومال تعلن إلغاء كل الاتفاقات التي وقعتها مع دولة الإمارات ...
- مارين لوبان تواجه محاكمة مصيرية، والولايات المتحدة تتابع عن ...
- 4 قتلى بهجوم روسي قرب خاركيف وانقطاعات للكهرباء بكييف
- إعادة اختراع روبن هود.. قراءة في النسخة التلفزيونية الجديدة ...
- عودة تدريجية لمظاهر الحياة في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود بحل ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟