|
|
طوفان الأقصى 829 - لعبة إيران الكبرى: هل تمتلك روسيا أوراق الحسم؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 21:33
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
13 كانون الثاني/يناير 2026
ما يجري في إيران ليس إضطرابًا عابرًا ولا «إحتجاجات معيشية» منفصلة عن سياقها، بل ـ كما تصفه الكاتبة الروسية البروفيسورة يلينا بانينا* ـ نموذجٌ متكامل لأزمة سياسية مركّبة: ضغط خارجي، إنقسام نخبوي، قطيعة بين النخبة والمجتمع، وعجز عن معالجة تراكمات إقتصادية وإجتماعية. في مقالها المنشور بتاريخ 11 كانون الثاني/يناير 2026، تضع بانينا ما يحدث داخل قالبٍ تعرفه التجربة المعاصرة جيدًا: «الخوارزمية الكلاسيكية» التي تُستخدم لإنتاج «الثورات الملوّنة» أو، «تسميةً للأشياء بأسمائها»، الإنقلابات. من هذه الزاوية، لا تبدو إيران ساحة داخلية فحسب، بل عقدةً في صراعٍ إقليمي ودولي تتقاطع فيه حسابات واشنطن وتل أبيب وعواصم الخليج، مع سؤال روسي–صيني حاسم: من داخل إيران يمكن التعويل عليه؟ وبأي أدوات يمكن تثبيت الإستقرار؟
أولًا: من الشرارة الإقتصادية إلى البنية السياسية للأزمة
تؤرّخ بانينا لبداية المشهد الراهن بقرار الحكومة رفع أسعار الوقود في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وما رافقه من إجراءات أفضت إلى تضخّم عام وتهيئة لخفض قيمة الريال، «بما يخدم مجموعات إقتصادية بعينها مرتبطة بالتصدير». تقول الكاتبة إن هذا المسار كان كافيًا لتوقّع الإنفجار خلال أشهر، «بل إن الواقع سبق التوقعات». لكن الأهم ليس القرار الإقتصادي ذاته، بل السلوك السياسي الذي رافقه. فالرئيس مسعود بزشكيان ـ وفق توصيف بانينا ـ بدا وكأنه يُعدّ المسرح لتقمّص دور «المتعاطف مع الشعب»، عبر رسائل للخارج في زمن عزلة، وتصريحات تُحمّل «السلطات» مسؤولية الأزمات، وصولًا إلى الإيحاء بأن «أصدقاء إيران» لم يهبّوا لنجدتها في لحظة الحرب القصيرة. هنا تُسجِّل بانينا عبارةً كاشفة: «نشأت مفارقة أن يصبح “حامي الشعب” هو نفسه من صنع للشعب كل هذه المشكلات». هذا الخطاب ـ في قراءة الكاتبة ـ لم يكن إعتباطيًا، بل جزءًا من صراعٍ نخبوي أعمق.
ثانيًا: صراع الكتل النخبوية… من الدولة إلى العائلات
تقدّم بانينا خريطةً داخلية للسلطة في إيران: نخبٌ قليلة منظَّمة على أساس «عشائري–عائلي»، تتنافس خلف الكواليس على تحديد المسار. وتُرجِع الكاتبة صعود ثنائي لاريجاني–روحاني (مع إرتباط بزشكيان بالأول) إلى فراغ أحدثه إستهداف قيادة الحرس الثوري خلال الحرب القصيرة وما سبقها. وتتوقف عند لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية: إغتيال قاسم سليماني. فالرجل، في سرد بانينا، لم يكن قائدًا ميدانيًا فحسب، بل «إستراتيجيًا شيّد منظومة نفوذ إقليمي»، و«جيوبوليتيكيًا أقنع موسكو بالتدخل في سوريا»، وهو قرار «غيّر موازين الإقليم والسياسة الدولية». لذلك، كان إغتياله ـ على حد تعبيرها ـ ضربة للنظام كله لا لمخططٍ بعينه. وتضيف بانينا أن الردّ الإيراني آنذاك ـ «ضربة رمزية بعد إنذار واشنطن» ـ أرسل إشارةً خطيرة: «بات واضحًا أن النخب ليست كتلة واحدة، وأن الصراع الداخلي أولوية على ما سواه». هو ما إلتقطه الغرب بسرعة. ثم جاءت وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث المروحية عام 2024، في سياقٍ تصفه الكاتبة بأنه «أقرب إلى عملٍ تخريبي»، لتُستكمَل عملية تفكيك مركز الثقل الذي كان يعيد توحيد الصفوف.
ثالثًا: الحرب القصيرة… آخر تجليات القوة الصلبة
ترى بانينا أن «العامل الأمني» حُيِّد عمليًا خلال حرب الأيام الإثني عشر، حيث «تمّت تصفية القيادات العليا لمنظومة الحرس»، ومع ذلك تمكّنت إيران من الصمود، حتى وُصِفَت النتيجة بـ«التعادل». وتكتب: «للمرة الأولى شاهد جيلان إسرائيليان حربًا حقيقية مع خصمٍ مكافئ، لا عملية عقابية بظل إبادة». لكن هذا الصمود كان ـ للمفارقة ـ بفضل أولئك الذين سقطوا. أما التعيينات اللاحقة، فكانت من «الصفين الثاني والثالث»، قادرة على تنفيذ الأوامر، لا على فرض إتجاه سياسي مستقل.
رابعًا: من «الإستقرار الظاهري» إلى تفكّك ما بعده
بحسب بانينا، دخلت النخب بعد الحرب في توازنٍ هشّ: «الجميع فهم الجميع»، ولم يكن أحد مستعدًا لفتح معركة الخلافة. غير أن عودة لاريجاني إلى مركز القرار وتولّيه أمانة مجلس الأمن القومي، مع إنشغاله «بالعلاقات خلف الستار» أكثر من الملفات الإستراتيجية، مهّدت لتآكل نفوذ محيط المرشد. وتستحضر الكاتبة إشارات مبكرة من الصحافة البريطانية في صيف 2025 عن «توقّع أزمة»، سبقتها حملة إعلامية أحادية الصوت، وإحتجاجات إنطلقت من «مناطق الأقليات القومية»، مع تعويم وجوه من المهجر «منزوعة الصلة بالواقع الداخلي». وتخلص إلى أن خطابات المرشد «لم تمسّ وجدان الشارع»، وأن الرهان الأخير هو «حزم النخب أمام الفوضى».
خامسًا: الأفق المقلق… تغيير القمة أم إسقاط النظام؟
تذهب بانينا إلى أن «تبديل الوجوه الأولى» بات شبه حتمي حتى لو صمد النظام، وأن فكرة «تغيير المرشد بعد الأزمة» تلوح كأكثر السيناريوهات تداولًا داخل الكواليس. بل وتذهب أبعد: «تلوح في الأفق عودة إلى صيغة حكمٍ علمانية، ويغدو بزشكيان حينها الشخصية المركزية». أما دوافع التدخل الخارجي فـ«شفافة»: إسرائيل لتصفية «التهديد الوجودي»، بعض دول الخليج لتخفيف إحتقاناتها الداخلية عبر سقوط الخصم الإقليمي، والولايات المتحدة لـ«العودة إلى قزوين والقوقاز والولوج العملي إلى آسيا الوسطى» بهدف «إشعال الحزام بين روسيا والصين».
سادسًا: أين تقف روسيا؟ أوراق القوة وحدود الشراكة
تنتقل بانينا إلى السؤال المركزي: هل لدى موسكو أوراق مهمة؟ تُشير إلى معطيات في المجال التقني–الأمني، مثل تعطيل منظومات الإتصال الفضائي (ستارلينك) عبر وسائل الحرب الإلكترونية، وإلى كثافة الرحلات الجوية بين روسيا وإيران. لكن العقدة ليست في الأدوات، بل في الشريك: «مع من تحديدًا تتعاون روسيا داخل إيران؟ من من النخب مستعد للإرتكاز على موسكو وبكين لإنقاذ الدولة؟». وترسم الكاتبة خارطة عمل بثلاثة مسارات: 1) كسر حلقة العقوبات الدعوة إلى موقف روسي أشدّ صرامة من نظام العقوبات، بما فيها تلك التي «أُعيد تفعيلها أمميًا في أيلول/سبتمبر 2025». وتكتب بانينا بوضوح: «التمسّك بعقوبات الغرب بعد سلوك الولايات المتحدة في فنزويلا يعني الإضرار بالمصلحة الروسية ذاتها». وتؤكد أن التنسيق مع الصين، ومحاولة إستمالة الهند، سيضاعف الأثر، وأن «الخروج الرسمي من نظام العقوبات» يحمل دلالة رمزية على أفول إحتكار الغرب لصناعة الشرعية العقابية. 2) الإنقاذ الإقتصادي السريع تسريع ربط إيران ببدائل الدفع، دفع المشاريع اللوجستية العملاقة، توسيع مناطق التجارة الحرة، وتخفيف قيود التبادل: «المهمة الأساسية هي التثبيت السريع للإقتصاد. إذا شعر الناس بالإنفراج، هدأت النفوس». 3) الضمانات الأمنية الذكية تحذير إسرائيل وبعض العواصم من أن «الحل العسكري خاطئ ولن ينجح»، مع إسناد الرسالة بتحركات روسية–صينية متّزنة وبمشاركة هياكل إيرانية، على قاعدة مزدوجة: إيران لا تسعى إلى الحرب، لكنها لن تُترك وحدها إن فُرضت عليها.
خاتمة: إستقرار إيران… رهان الجغرافيا السياسية
لا تقترح يلينا بانينا «وصاية» روسية على إيران، بل شراكة إنقاذ تقوم على إحترام السيادة مع تعديل «التحفّظات النخبوية» حين تهدّد بقاء الدولة. وفي ختام مقالها، تُحدِّد الهدف الروسي بعبارة مكثفة: «أن تكون موسكو قوة إستقرار في المنطقة، دبلوماسيًا وعسكريًا، بما يفضي إلى تفاعل أوثق مع جميع اللاعبين». في ضوء هذه القراءة، تبدو الأزمة الإيرانية إختبارًا مزدوجًا: لإستعداد النخب الإيرانية لحسم صراعها الداخلي قبل أن يبتلع الدولة، ولقدرة روسيا والصين على تحويل التعاطف السياسي إلى بنية دعم إقتصادية وأمنية ملموسة. بين «تغيير القمة» و«إسقاط النظام»، يتحدد مصير بلدٍ يشكّل عقدة توازنات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى معًا. وإذا كانت أوراق موسكو موجودة بالفعل، فإن لحظة لعبها ـ كما توحي بانينا ـ هي اليوم، وليس غدا.
***** هوامش
يلينا بانينا بروفيسورة ودكتورة في الاقتصاد، سياسية وإقتصادية ومحللة جيوسياسية روسية بارزة، شغلت عضوية البرلمان وشاركت في صياغة ومناقشة قضايا السياسة الخارجية. تشغل رئاسة معهد الإستراتيجيات السياسية والإقتصادية الدولية (RUSSTRAT)، وتُعرف بتحليلاتها المتعمقة للنزاعات الإقليمية والتحولات الدولية.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
طوفان الأقصى 828 - «حرب الذاكرة: الجزائر تُحاكم ماضي فرنسا ا
...
-
ألكسندر دوغين - روسيا تبدأ بالتراجع، و«علينا أن نغيّر شيئاً…
...
-
طوفان الأقصى 827 - إيران كما لم تُقرأ بعد: الأسباب الحقيقية
...
-
ألكسندر دوغين - مسار التحوّلات الكبرى:التمسّك بالوضع القائم
...
-
طوفان الأقصى 826 - اليمن بين الخرائط والدم: أناتوميا حرب الج
...
-
ألكسندر دوغين يطلق تحذيرًا صارمًا: الأهمّ الآن ألّا نقع في ف
...
-
طوفان الأقصى 825 - «كيف أفلتت إيران من قبضة أعدائها؟»
-
ألكسندر دوغين - إختطاف مادورو وملامح «نصرنا» (برنامج إسكالات
...
-
طوفان الأقصى 824 - على مفترق التحالفات: كيف يعاد تشكيل الشرق
...
-
حرب أوكرانيا - خبر وتعليق
-
طوفان الأقصى 823 - البيت الأبيض حين يحكمه الوهم: ترامب، نتني
...
-
الحرب الروسية–الأوكرانية 2022–2025: جردة حساب حول صراع النفو
...
-
طوفان الأقصى 822 -إختطاف مادورو: نبض الشارع العربي - كيف يتف
...
-
ألكسندر دوغين - العالم يقف على أعتاب حرب كبرى: على وقع العدو
...
-
طوفان الأقصى 821 - في أتون الغضب الإيراني: من يلعب بالنار في
...
-
ليلة القبض على مادورو
-
ألكسندر دوغين - لا أحد بقي غير مبال لهذه المأساة (برنامج إيس
...
-
طوفان الأقصى 820 - غزة بعد «خطة ترامب»: هدنة بلا سلام… وإستق
...
-
طوفان الأقصى 819 - داعش 2.0: حين يُبعث الإرهاب لا ليحارب… بل
...
-
ألكسندر دوغين - هل يقترب العالم من الحرب العالمية الثالثة في
...
المزيد.....
-
تونس المستحيلة وتونس الممكنة
-
كيف نفهم -رسائل كاراكاس- وما الذي وصلنا منها؟
-
البرد يقتل طفلين في غزة وسط تحذيرات من تداعيات كارثية لمنخفض
...
-
استشهاد 3 فلسطينيين في خان يونس وعمليات النسف مستمرة
-
واشنطن: إطلاق روسيا صاروخا فرط صوتي تصعيد خطير
-
تقرير.. ترامب يميل إلى ضرب إيران رغم -المسار الدبلوماسي-
-
اليونيفيل تندد بإطلاق إسرائيل قذائف داخل الأراضي اللبنانية
-
تحت ضغط أمريكي.. فنزويلا تواصل الإفراج عن سجناء سياسيين وسط
...
-
عراقجي للجزيرة: مستعدون لكل الخيارات وهذه رسالتنا لواشنطن
-
معركة الاستباق شرق حلب.. تحشيد -قسد- وحسابات دمشق المعقدة
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|