أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إلى سلاح














المزيد.....

4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إلى سلاح


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 18:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الميليشيات التي تجتاح السودان اليوم ليست ظاهرة غريبة عن بنية الدولة، بل هي وليدة أحشائها. لقد ولدت هذه الجماعات المسلحة كحل عملي لمشكلة الدولة التابعة: كيف تحكم مناطق لا تملك فيها قاعدة اجتماعية؟ الإجابة كانت تفويض العنف. أصبحت الدولة تمنح السلاح والفوضى لقادة محليين، مقابل أن يحافظوا على النظام - نظام النهب والتبعية. وهكذا تحول شباب لا يجدون عملاً ولا مستقبلاً إلى وقود جاهز للصراع، وصار الفقر نفسه مادة خام للتجنيد.

هذا التحول لم يأت من فراغ، بل جاء بعد عقود من تدمير الريف السوداني. نزعت الدولة الأراضي الجماعية، وحطمت الزراعة التقليدية، وتركت شباب القرى بلا أرض ولا حرفة. أمام شاب لم يعد يملك سوى جسده الفارغ، يصبح البندقية خياراً منطقياً. ليس لأن يؤمن بأيديولوجيا، بل لأنه لا يجد خبزاً إلا بين أصابع الزناد. الميليشيا هنا ليست انتماءاً، بل وظيفة - وظيفة البقاء في عالم لم يعد يوفر وظائف.

الدولة عرفت هذا جيداً، ووظفته ببرودة. بدلاً من بناء مدارس في دارفور أو مستشفيات في كردفان، أرسلت تجار سلاح. تحول زعماء القبائل إلى وكلاء مسلحين، يبيعون ولاء شباب قبائلهم مقابل أسلحة وأموال. المراحيل أولاً، ثم الجنجويد، ثم الدعم السريع - كلها حلقات في سلسلة واحدة: خصخصة العنف. لم تعد الدولة تحتكر القوة، بل أصبحت تؤجرها لمقاولين محليين.

هذه ليست علامة ضعف الدولة، بل هي منطقها العميق. فالدولة التي لا تستطيع أن توظف شبابها في المصانع والحقول، تجندهم في الميليشيات. الدولة التي لا تبني مدارس، تفتح معسكرات تدريب. والأهم: الدولة التي تخشى من تضامن الفقراء عبر كل السودان، تفضل أن يقتتل هؤلاء الفقراء فيما بينهم. يصبح الصراع بين رعاة دارفور ومزارعي النيل الأزرق، بدلاً من أن يكون صراعاً بين كل الفقراء وبين النظام الذي أفقرهم.

الاقتصاد تبع هذا التحول بشكل طبيعي. حين تغلق أبواب العمل الشريف، تفتح أبواب النهب. الذهب في جبال البحر الأحمر، الماشية في سهول كردفان، الأراضي الزراعية في الجزيرة - كلها تحولت إلى غنائم. ولم تعد هذه الغنائم تبقى داخل السودان، بل تجد طريقها عبر شبكات التهريب إلى دبي وإسطنبول وأسواق العالم. الرأسمالية دخلت السودان لا عبر المصانع والاستثمارات، بل عبر البنادق والتهريب. صار السودان يصدّر العنف ويستورد الأسلحة، في دورة ميتة تقتل كل أمل في التنمية.

المدن نفسها لم تنجُ. فشباب الأحياء الفقيرة في الخرطوم وأم درمان، الذين حُرموا من التعليم والعمل، وجدوا في الميليشيات مهنة. تحولت الأحياء الشعبية إلى معسكرات تجنيد، وانهار الفرق بين الجندي والمدني. صار الجار يقاتل جاره، والابن يرفع السلاح في وجه حي أهله. تم ترييف المدينة، ليس بجلب تقاليد الريف، بل بجلب أسلوب حياة الريف الميليشياتي: حيث السلاح هو القانون، والعنف هو اللغة الوحيدة للتفاهم.

لهذا لا يجب أن ننخدع: الصراع اليوم بين الجيش والدعم السريع ليس معركة بين الدولة القانونية والعصابات الخارجية. إنه صراع بين قسمين من نفس الجسد المريض. الجيش يمثل الدولة الرسمية البيروقراطية المتعطشة للشرعية، والدعم السريع يمثل الدولة العميقة العنفية الأكثر كفاءة في القتل. كلاهما يتغذى من نفس الشجرة: شجرة الفقر واليأس التي زرعتها سياسات النظام على مدى عقود.

الميليشيا هي المرآة التي تظهر حقيقة الدولة السودانية بدون أقنعة. تكشف أن ما نسميه "دولة" هو في الحقيقة شبكة من العصابات المسلحة تتفق على تقاسم الغنيمة. تكشف أن العلم الوطني ليس رمزاً للسيادة، بل غطاءً لصفقات السلاح والذهب. تكشف أن المواطنة ليست حقاً، بل امتيازاً يُمنح لمن يملك سلطة إطلاق النار.

هذا النظام يحتاج إلى مجتمع مفكك ليبقى. يحتاج إلى أحياء متناحرة، وقبائل متصارعة، ومناطق متباغضة. لذلك يدمر المدارس التي تجمع الأطفال، والنقابات التي تجمع العمال، والجمعيات التي تجمع النساء. يزرع الكراهية كي يحصد الولاءات. يصنع العزلة كي يسهل التحكم.

الحرب اليوم ليست مجرد معارك في الشوارع. إنها آلية تفكيك نهائي للقوى الاجتماعية التي قد تشكل تحدياً طبقياً. كل يوم تستمر فيه الحرب، يتحول المزيد من القوى العاملة المحتملة إما إلى جثث أو إلى مقاتلين محترفين، مما يضعف أي إمكانية لبروز فاعل اجتماعي منظم. كل رصاصة لا تقتل إنساناً فحسب، بل تقتل إمكانية تشكل وعي طبقي موحد. وكل مدينة تُدمر لا تفقد مبانيها، بل تفقد شروط إعادة إنتاج المجتمع كقوة سياسية واعية.

الخلاص من هذه الدائرة لا يأتي من خطابات المصالحة، بل من كسر العلاقة العضوية بين اقتصاد الريع وإنتاج العنف. هذا يعني تحويل الموارد من تمويل الميليشيات إلى تطوير قوى إنتاج حقيقية، وتحويل الشباب من بضاعة في سوق الحرب إلى قوة عمل في عملية إنتاجية وطنية. لكن هذا التحول مستحيل دون انتزاع السيطرة على الموارد من شبكات النهب المسلحة، لأنه يتعارض مع مصالحها المباشرة.

كما قال فرانز فانون: "لا يتحرر الشعب إلا حين يحطم البنية التي صنعت عبوديته". بنية السودان الطبقية تصنع الميليشيات كأداة لإعادة إنتاج التبعية والفقر. تحطيم هذه البنية لا يعني إصلاح الدولة القائمة، بل بناء سلطة بديلة تمثل مصالح الطبقات المنتجة، وتعيد ربط الاقتصاد بالإنتاج لا بالنهب، والعنف بالدفاع عن المجتمع لا بتفكيكه.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...
- 4. فائض القيمة القذر – اقتصاد الجسد ومعسكرات العمل في منظومة ...
- 3. النسيان كإعادة إنتاج: الأسرة بوصفها موقع استغلال طبقي وال ...
- 2. المخيمات كآلة طبقية: إعادة تشكيل البروليتاريا المقهورة في ...
- خرائط القهر: العنف البنيوي ضد المرأة في الاقتصاد السياسي للح ...
- 10. الآفاق الطبقية ومعنى الانتصار — من الإصلاح إلى التغيير ا ...


المزيد.....




- تونس المستحيلة وتونس الممكنة
- كيف نفهم -رسائل كاراكاس- وما الذي وصلنا منها؟
- البرد يقتل طفلين في غزة وسط تحذيرات من تداعيات كارثية لمنخفض ...
- استشهاد 3 فلسطينيين في خان يونس وعمليات النسف مستمرة
- واشنطن: إطلاق روسيا صاروخا فرط صوتي تصعيد خطير
- تقرير.. ترامب يميل إلى ضرب إيران رغم -المسار الدبلوماسي-
- اليونيفيل تندد بإطلاق إسرائيل قذائف داخل الأراضي اللبنانية
- تحت ضغط أمريكي.. فنزويلا تواصل الإفراج عن سجناء سياسيين وسط ...
- عراقجي للجزيرة: مستعدون لكل الخيارات وهذه رسالتنا لواشنطن
- معركة الاستباق شرق حلب.. تحشيد -قسد- وحسابات دمشق المعقدة


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إلى سلاح