عمر الشاطر
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 15:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الافتتاحية:
مشهد سيتكرر:
دبابات تحاصر مبنى الإذاعة، وتقطع الطريق أمامها، ينزل من إحدى الدبابات، ضابط يقتحم مبنى الإذاعة، يسير بخطى ثابتة نحو غرفة البث، ويبدأ بث بيان مشحون بالثورية والعاطفية، يبدأه بهذه اللازمة: "بسم الله وباسم الشعب قام جيشكم الباسل بتحقيق ما كنتم تسعون إليه وأطاح بالعهد البائد"
يخبر البيان جماهير الشعب بأن الجيش انتفض ضد الطغمة الحاكمة ويعده بالكرامة والاستقلال والعدالة الاجتماعية. ثم يشكل مجلس عسكري لقيادة البلاد.
هذا المشهد سيتكرر كثيرا خلال القرن العشرين، وسيكون شاهدا على مرحلة الانقلابات العسكرية التي انتشرت في دول العالم الثالث وكذلك الأمر في وطننا العربي الذي سيعتاد المشهد ويألفه، يصفق للقادم الجديد لاعنا السابق، وهكذا دواليك وكأنها أسطوانة وضعها القدر على مسجل التاريخ.
أسئلة لا بد منها:
وهنا لا بد من طرح مجموعة من الأسئلة:
إلى أي حد استطاع الضباط تحقيق ما وعدوا به الشعوب؟ هل ساهم تدخلهم في إنقاذ الأوطان؟ أم أنهم أعادوا إنتاج نفس المشاكل والأزمات التي انتفضوا ضدها؟
بصيغة أخرى هل كان تدخلهم نعمة أصابت الوطن أم نقمة أحاقت بالشعب؟ أم أن الأمر جمع النقيضين في توليفة معقدة جمعت النقيضين؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة لابد من التعرف على رأي الاتجاهات السياسية في الانقلابات العسكرية:
الانقلابات من المنظور الليبرالي شر محض لا
خير فيه:
تعد مسألة التدخل العسكري في السياسة من أعقد المسائل وأكثرها جدلية فقد اختلف المفكرون حول هذه المسألة حسب اختلاف الرؤى الفكرية والسياسية فنجد صمويل هنتجتون الذي ينتمي للاتجاه الليبرالي مثلا في كتابه الشهير الجندي والدولة يتحدث عن الأمر بوصفه شرا مطلقا ينتج عنه إعاقة التطور الديمقراطي للبلدان النامية، ويدخلها في دوامة فوضى انقلاب ثم انقلاب على الانقلاب وهكذا.
ويرى صمويل الحل في إبعاد العسكر عن الأحزاب والسياسة ويتحقق هذا بأن تكون مهمة الإشراف على المؤسسة العسكرية من مسؤولية المدنيين حصرا حفاظا على احترافية الجيش ومنعه من أن يتحول إلى قوة سياسية. وصرفه
بدلا عن ذلك إلى حماية الأمن القومي للبلاد.
نظرة واقعية ليست شرا خالصا ولا خيرا محضا:
أما الباحث الإنجليزي س. إي. فاينر فيرى بأن هشاشة المؤسسات المدنية وضعف الثقافة الديمقراطية والمؤسساتية تدفع الجيوش الى التدخل بدافع من شعور الغيرة والروح القومية إضافة إلى إدراكهم لطبيعة المؤسسة العسكرية باعتبارها القوة المنظمة الوحيدة داخل البلاد والتي تتدخل في نظرهم لحماية المدنيين من
جشع السياسيين وصراعاتهم الداخلية.
العامل الطبقي والغاية من الانقلاب هو الحَكم:
أما المدرسة الماركسية فتنظر إلى الجيش على أنه مؤسسة طبقية تهدف الى حماية جهاز الدولة وتميز بين التدخلات العسكرية التي تهدف لحماية النظام أو لإحباط الحركات الشعبية والثورية، والتي تكون غالبا مدعومة من القوى الخارجية مثلا انقلاب بينوشيه في الشيلي في 1973 الذي هدف لإسقاط حكم الرئيس اليساري
سالفادور ألليندي.
وبين التدخلات التي يقوم بها الضباط الصغار والمتوسطين لحماية الشعب من الاستبداد والاستغلال الطبقي والسياسي والأحزاب والقوى اليسارية تؤيد هاته الأخيرة وتدعمها مثل ثورة 23 يوليو 1952 في مصر وثورة 14 تموز 1958 في العراق، وكذلك ثورة ثور في أبريل 1978 في
أفغانستان.
بعد أن تعرفنا على الآراء الاكاديمية في هذه الظاهرة لابد من أن ندرسها ضمن السياق العربي:
تجربة 23 يوليو :
قامت ثورة 23 يوليو في مصر بداية كانقلاب عسكري قام به مجموعة من الضباط ذوي الميول الوطنية، بزعامة جمال عبد الناصر، وقد جاء هذا الانقلاب في خضم ظرفية داخلية وخارجية مضطربة فخارجيا كانت الحرب الباردة قد بدأت للتو، والنفوذ الأمريكي والسوفياتي الجديد يسعيان لإنهاء النفوذ التقليدي الفرنسي والبريطاني، وقد استغلت حركات التحرر الوطني هذا التناقض بين القوى الدولية الناجم عن الحرب العالمية الثانية، للحصول على الدعم والمساعدة الأمر الذي ساعدها على الانتشار من الصين وفيتنام وحتى القارة الأمريكية.
وداخليا كانت مصر تعاني من عدم الاستقرار نتيجة لانتشار حركات المقاومة في القنال وضعف الحكومات المتعاقبة وتوالي الهزات من نكبة فلسطين وحتى حريق القاهرة وبالتالي كانت الظروف مهيأة لظهور قائد ثوري جديد يقطع مع العهد السابق.
وكان ناصر هو الثائر الذي استطاع أن يحقق لمصر استقلالها الخارجي وحرية مواطنيها من الاستغلال الاقطاعي وبنى نموذجا اشتراكيا عربيا، واستطاع أن ينهي فترة الاقطاع والاستغلال الرأسمالي، وخارجيا حول ناصر مصر إلى قائدة لدول عدم الانحياز وساعد حركات التحرر العربية والعالمية، ولكن ناصر الذي نجح في أن يقطع شوطا كبيرا في تحقيق الديمقراطية الاجتماعية لم يمهله القدر لتحقيق الديمقراطية السياسية فقد شغل عنها بالدفاع عن الوطن العربي ومصر ومواجهة المؤامرات الاستعمارية.
تجربة 14 تموز 1958:
حكم العراق من قبل الهاشميين لمدة طويلة من 1921 عندما نصبت بريطانيا فيصل الأول ملكا على العراق وحتى 14 تموز 1958 عندما ثار الجيش لإسقاط العهد الملكي. وخلال هذه المدة عانى الشعب العراقي من غياب العدالة الاجتماعية نتيجة لتسلط الاقطاع على الفلاحين، وديكتاتورية الثنائي عبد الإله الوصي على عرش فيصل الثاني ورئيس الوزراء القوي نوري باشا السعيد، وحاول الشعب العراقي مرارا الانتفاض على العهد البائد عن طريق الهبات الشعبية في
1948 و1952 و1956.
وخارجيا كان العراق الهاشمي عضوا في حلف بغداد، ومحورا رئيسيا في السياسة البريطانية التي سعت لمواجهة الاتحاد السوفياتي و إجهاض مشروع التحرر العربي، ولم يكن الجيش العراقي بمعزل عما يحيط به من ظروف دولية وداخلية ونتيجة لهذا الوضع تحرك في 14 تموز 1958 وأعلن النظام الجمهوري ونصب عبد الكريم قاسم رئيسا للوزراء واستطاع قاسم أن
يحقق عدة منجزات هي:
تحرير العراق من السيطرة الأجنبية عن طريق إجلاء القواعد الأجنبية الإنجليزية.
الانسحاب من حلف بغداد وإلغاء تبعية العراق للجنيه الإسترليني.
القضاء على الاقطاع وتوزيع الأرض على الفلاحين.
هدم الأكواخ في منطقة الصرائف وبناء مدينة
الثورة.
غير أن التناقضات الداخلية بين قاسم وحلفائه الشيوعيين من جهة والتيار القومي بشقيه الناصري والبعثي من جهة أخرى وما جرى في عهده من مجازر في الموصل وكركوك في العام 1959 وصراعه مع الأكراد ومحاولته ضم الكويت، سهلت هذه الكوارث السياسية الطريق للبعث والتيار القومي الذي انقض على قاسم مدعوما بالجيش في 8 شباط وأعدمه في 9 شباط 1963 في مشهد أعاد
للأذهان إعدام لومومبا في الكونجو.
مقارنة بين ناصر وقاسم:
ومن العوامل التي ساهمت في نجاح ناصر على عكس قاسم هي أن الضباط الأحرار المصريين تخلوا عن حزبيتهم قبل الانتماء الى التنظيم،
بعكس التجربة العراقية.
بالإضافة الى تمتع ناصر بكاريزما الزعامة الدولية والجماهيرية الكاسحة على عكس قاسم ونقطة أخرى هي أن ناصر وضع استراتيجية واضحة لمشروعه التحرري في حين أغفل قاسم الاستراتيجية وأكثر من التكتيك مثل لاعب كرة قدم يراوغ ويراوغ، لكنه ينسى تسجيل الهدف.
وقفة أخيرة:
نستنتج مما سبق أن ظاهرة الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، ظاهرة معقدة جدا، لا يمكن النظر إليها كخير مطلق أو شر مطلق بل هي كانت مزيجا من الثنائي، فمن ينظر إليها من منظور سلبي يجد أنها أقصت المدنيين وألغت التعددية الحزبية واحتكرت الممارسة السياسية، وجعلت البندقية والدبابة بديلا عن الحوار
في نزاعاتها الداخلية.
غير أنه من المستحيل أن نتجاهل ان بعضها حقق شوطا كبيرا من العدالة الاجتماعية والاستقلال والكرامة للوطن والمواطن بل وأنجز بعض منها تجارب ديمقراطية ونموذج البرتغال وأعني "ثورة القرنفل" خير شاهد على قدرة الجيوش على تحقيق الديمقراطية لكن بشرط أساسي هو وجود نخبة حزبية ومعارضة حقيقية.
ولابد من فهم العلاقة الجدلية بين الدولة والجندي فهما جيدا خصوصا في ظل ما يعرفه الوطن العربي من قوة ونفوذ كبيرين تتمتع بهما المؤسسات العسكرية العربية وأن ندرس هذه الظاهرة دراسة وافية وهادئة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟