|
|
سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث وخفة الرصاصة
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 15:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
صوت المحراث وخفة الرصاصة
في ساحات أمريكا اللاتينية، حيث كانت تعبق رائحة البارود لعقود كعلامة فارقة على التدخل الخارجي، تهب اليوم رياح مختلفة. ليست رياح الانقلابات المعلنة ولا الغزوات العسكرية المباغتة، بل هي هبوب صامت قادم من الشرق، يحمل في ثناياه صفقات تمويل ضخمة، ومخططات هندسية لجسور تمتد فوق الوديان، وخطوط سكك حديدية تخترق القمم المنيعة. إنها رياح النموذج الصيني، الذي يتقدم بخطى وئيدة لكنها ثابتة، ليعيد رسم خرائط النفوذ ليس على سطح الأرض، بل في أعماق بنيتها الاقتصادية واللوجستية. بينما تستدعي الولايات المتحدة، الحارس التاريخي للمنطقة، ترسانتها من الأدوات التقليدية – من العقوبات الاقتصادية إلى خطاب التهديد الأمني – يبدو المشهد وكأنه حوار طرشان بين منطقين: منطق القوة القائمة على الاستعراض والردع، ومنطق التأثير القائم على التشابك والمصلحة المشتركة. هذا التحول ليس مجرد مناورة تكتيكية في "الحديقة الخلفية" لواشنطن، بل هو عرض مصغر لتحول بنيوي عميق في آليات صناعة النفوذ العالمي، حيث تتراجع فعالية مدفعية البارجة لصالح حسابات المصرف، وتذبل زهور الخطاب الأيديولوجي أمام جاذبية عقد التنمية. في هذه المقالة، سنقوم بتشريح هذا الانزياح، من خلال تتبع ملامح النموذج الصيني البنيوي، وقراءة أزمة النموذج الأمريكي في ضوء تحولات موازين القوة العسكرية والاقتصادية، واستشراف المستقبل في منطقة باتت تعيد تعريف مفهوم السيادة في عصر التشابك المعقد.
تشريح التنين: آليات النفوذ البنيوي الصيني في أمريكا اللاتينية
لا تأتي الصين إلى أمريكا اللاتينية كفاتح، ولا كمنصر لأيديولوجية، بل تأتي كمهندس. إنها لا تسعى لقلب أنظمة الحكم، بل لقلب بنية الاقتصاد نفسه، جاعلة إياها أكثر تشابكاً وتكاملاً مع آلة إنتاجها العملاقة. هذا النفوذ مبني على ثلاثة أعمدة رئيسية تشكل معاً هيكلاً يصعب تفكيكه:
1. الاستثمار في الشريان الحيوي: البنية التحتية كأداة للتأثير الاستراتيجي: تتبع الصين فلسفة واضحة: من يتحكم في الشريان، يتحكم في الجسد. لذلك، تتركز استثماراتها في المشاريع التي تشكل العمود الفقري للاقتصادات الوطنية: · الموانئ الاستراتيجية: مثل ميناء "مول في بيرو"، ومشاريع تطوير الموانئ في البرازيل وتشيلي. هذه ليست مجرد مرافئ لتفريغ البضائع، بل هي بوابات تحكم تدفق التجارة، وتوفر للصين نقاط ارتكاز لوجستية ذات قيمة جيوسياسية هائلة، تشبه في دورها – وإن اختلفت في طبيعتها العسكرية – القواعد البحرية التقليدية. · شبكات النقل والطاقة: خطوط السكك الحديدية التي تربط المناجم الداخلية بالموانئ على السواحل، ومشاريع الطاقة الكهرومائية والطاقة المتجددة. هذه المشاريع لا تحفز النمو فحسب، بل تربط المناطق النائية بسلاسل القيمة العالمية التي تتحكم فيها الصين، مما يعمق الاعتماد عليها. · المعادن الاستراتيجية: استثمارات ضخمة في قطاعات الليثيوم في "مثلث الليثيوم" (الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي)، والنحاس في بيرو، وهي معادن حيوية لصناعات المستقبل من البطاريات إلى الأجهزة الإلكترونية. الصين هنا لا تشتري الموارد فحسب، بل تشتري جزءاً من مستقبل التحول التكنولوجي العالمي. · البنية الرقمية: نشر شبكات اتصالات الجيل الخامس (5G) عبر شركة "هواوي"، مما يضع البنية التحتية الرقمية الحيوية للدول تحت مظلة تقنية صينية، ويطرح أسئلة عميقة حول أمن البيانات والسيادة الإلكترونية. 2. تمويل طويل النفس: قروض دون شروط سياسية علنية: تقدم الصين، عبر بنوك مثل البنك الصيني للتنمية وبنك التصدير والاستيراد الصيني، قروضاً ضخمة لدول المنطقة، غالباً بكفالة الموارد الطبيعية أو الإيرادات المستقبلية. ما يميز هذه القروض هو غياب "الشروط السياسية" التقليدية التي تلحقها مؤسسات بريتون وودز (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، والتي عادة ما تشترط خصخصة القطاعات العامة أو تقليص الإنفاق الاجتماعي. تقدم الصين نفسها كشريك لا يفرض وصاية أخلاقية، بل يقدم بديلاً "عملياً" عن النموذج الغربي. لكن هذا الغياب للشروط المعلنة لا يعني براءة النتائج؛ فالارتباط المالي العميق يخلق نوعاً من التبعية الهيكلية، حيث يصبح سداد الديون وإدارة المشاريع معضلة سياسية داخلية تفرض قيوداً على خيارات الحكومات المستقبلية. 3. التجارة كحبل سري متين: أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لمعظم دول أمريكا اللاتينية. فهي السوق الأكبر لصادراتها من فول الصويا والحديد الخام والنحاس، والمصدر الرئيسي للسلع المصنعة بأسعار تنافسية. هذا النسيج التجاري المتشابك يخلق تحالفات مصلحية داخل مجتمعات أمريكا اللاتينية – من كبار المزارعين إلى النقابات العاملة في المناجم – يصبح معه أي حديث عن مواجهة الصين مجازفة اقتصادية وسياسية. لقد نجحت الصين في تحويل نفسها من لاعب خارجي إلى عنصر جوهري في معادلة الرخاء الداخلي للدول.
هذا الثالوث – البنية التحتية، التمويل، التجارة – يبني نفوذاً من نوع جديد: نفوذاً عميقاً، متشعباً، ومتجذراً في الهياكل الاقتصادية. إنه نفوذ لا يمكن انتزاعه بانقلاب عسكري أو تغيير حكومة، لأنه أصبح جزءاً من نسيج الحياة الاقتصادية اليومية.
النسق الأمريكي التقليدي في مواجهة عالم متغير: أزمة نموذج
لعقود طويلة، ارتكزت هيمنة الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي على تركيبة كلاسيكية من الأدوات: شبكة كثيفة من القواعد العسكرية (مثل قاعدة "بالرولا" في هندوراس)، ودعم النخب السياسية والاقتصادية الموالية، والتدخل المباشر أو عبر الوكلاء لتعديل المسارات السياسية غير المرغوبة، واستخدام العقوبات الاقتصادية كعصا سحرية. لقد كان هذا النموذج يعمل في عالم تسيطر فيه الولايات المتحدة على البحار والسماء، وتتفوق تكنولوجياً وعسكرياً تفوقاً ساحقاً. لكن عالم اليوم يشهد تحولات جذرية تقوض فعالية هذا النموذج:
1. تآكل الردع العسكري المطلق: عصر الصواريخ الفرط صوتية وتحول مسرح العمليات: لطالما كانت الحصانة النسبية للقواعد العسكرية الأمريكية وحاملات الطائرات العملاقة ركيزة أساسية للقوة الأمريكية. لكن ظهور وتطور الصواريخ الفرط صوتية – سواء الروسية أو الصينية، وانتشار تقنيات مشابهة لدى قوى مثل إيران وحتى الحوثيين في اليمن – يشكل زلزالاً استراتيجياً. هذه الصواريخ، التي تطير بسرعة تفوق سرعة الصوت بخمسة أضعاف وأكثر، وتكون قادرة على المناورة، تجعل الدفاعات الصاروخية التقليدية أقل فاعلية، وتزيد من هشاشة الأصول العسكرية الأمريكية الكبرى الثمينة. لم تعد القاعدة العسكرية أو حاملة الطائرات تمثل "قلعة حصينة"، بل أصبحت هدفاً معرضاً للخطر. هذا التحول يفرض إعادة حسابات جذرية: فالقدرة على شن حرب خاطفة وعالية التكلفة تظل موجودة، لكن القدرة على فرض الإملاءات اليومية من خلال التلويح بهذه القوة باتت أقل إقناعاً. لقد أصبح التهديد باستخدام القوة أكثر تكلفة سياسياً وعسكرياً، بينما أصبحت القدرة على امتصاص الضربات ونقل الصراع إلى مستويات غير متماثلة أكثر انتشاراً. 2. الأزمة البنيوية للاقتصاد الأمريكي: من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد الفقاعة: بينما تبني الصين جسوراً ومصانعاً، يواجه الاقتصاد الأمريكي أزمة هوية عميقة. بعد عقود من العولمة الليبرالية الجديدة، شهد الاقتصاد الأمريكي تراجعاً نسبياً في القطاع الإنتاجي الصناعي، وارتفاعاً هائلاً في حجم القطاع المالي واقتصاد الخدمات. هذا الانزياح ولّد سلسلة من الفقاعات المترابطة التي تهدد الاستقرار الهيكلي: · فقاعة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: حيث تتضخم قيم الشركات إلى مستويات غير مسبوقة بناء على توقعات مستقبلية قد لا تتحقق، في مشهد يذكر بأواخر التسعينيات. · فقاعة الديون السيادية: حيث تجاوز الدين العام الأمريكي 34 تريليون دولار، في دينامة تجعل أي أزمة مالية محتملة ذات آثار كارثية. · فقاعة الأصول العقارية التجارية: في ظل تحول أنماط العمل بعد الجائحة. · فقاعة سوق السندات: في بيئة أسعار الفرد المتقلبة. هذه الفقاعات لا تعكس فقط اختلالات مالية، بل تعبيراً عن اقتصاد فقد جزئياً صلته بخلق القيمة المادية المباشرة، وأصبح يعتمد بشكل خطير على المضاربة والتصورات. في هذا السياق، تصبح القدرة على تقديم مشاريع تنموية حقيقية – كالتي تقدمها الصين – محدودة. فالشركات الأمريكية متعددة الجنسيات تفضل الاستثمار في الأسواق المالية أو في مشاريع عالية الربح قصيرة الأجل، بدلاً من الاستثمار المحفوف بالمخاطر في بنى تحتية طويلة الأمد في دول نامية. وهكذا، تجد واشنطن نفسها في موقف تناقضي: فهي تملك أقوى جيش في التاريخ، لكنها تواجه صعوبة في منافسة خصم لا يحمل سلاحاً، بل يقدم عروض تمويل وعقود بناء.
ترامب كمظهر ساطع للأزمة: خطاب القوة في مواجهة واقع التقهقر
جسدت فترة رئاسة دونالد ترامب، وتبنيه لخطاب "أمريكا أولاً"، هذا التناقض بأوضح صورة. ففي تعامله مع أمريكا اللاتينية، اعتمد ترامب بشكل صارخ على أدوات الضغط التقليدية في أبشع صورها: التهديد بفرض تعريفات جمركية مدمرة على المكسيك، والعقوبات القاسية على فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا، والضغط على الحكومات لقطع العلاقات مع الصين، والخطاب الاستعلائي عن "الحديقة الخلفية". لكن هذا الخطاب الصارخ، رغم ضجيجه الإعلامي، كشف عن خلل عميق.
لقد كان خطاب ترامب يعوي لأن القافلة تسير. ففي الوقت الذي كان يهدد فيه، كانت الشركات الصينية توقع عقوداً، والموانئ تبنى، والتجارة تتوسع. كان خطابه يعكس إدراكاً – وإن كان فجاً – لفقدان الأدوات الفاعلة. فبدلاً من أن تقدم واشنطن بديلاً اقتصادياً جاذبياً، لجأت إلى محاولة تخريب البديل الصيني. المشكلة أن دول أمريكا اللاتينية، بغض النظر عن انتماءات حكوماتها الأيديولوجية، تحتاج إلى ما تقدمه الصين: استثمارات، تمويل، وأسواق لصادراتها. وعندما لا يكون البديل الأمريكي موجوداً، أو يكون مشروطاً بشروط سياسية صعبة، فإن التهديدات الأمريكية تفقد قدرتها على الإقناع، بل وقد تدفع هذه الدول إلى الاحتماء أكثر بالشريك الصيني الذي لا يبدي اهتماماً بشؤونها الداخلية. لقد كان ترامب، في هذا السياق، عرضاً مرضياً لازمة بنيوية، وليس سبباً لها.
حدود الاحتواء: لماذا يصعب وقف الزحف الصاني البنيوي؟
بناء على التحليل السابق، يصبح السؤال المركزي: هل يمكن للولايات المتحدة وقف التغلغل الصيني في أمريكا اللاتينية؟ والجواب الواقعي، في الأفق المنظور، يميل بقوة إلى النفي. الأسباب متعددة ومتشابكة:
1. طبيعة التنافس غير المتماثلة: الصين لا تتنافس عسكرياً في ساحة أمريكا اللاتينية. إنها تتنافس في ساحة الاقتصاد والتنمية. كيف يمكن لدبابة أن توقف رافعة بناء؟ كيف يمكن لحاملة طائرات أن تمنع توقيع عقد تجاري؟ إن محاولة مواجهة أداة بأداة لا تنتمي إلى نفس العائلة تخلق تفوقاً تكتيكياً للصين في مجالها المختار. 2. سيادة المصلحة الوطنية لدول أمريكا اللاتينية: لقد تعلمت نخب أمريكا اللاتينية، من يمينها ويسارها، درساً قاسياً من عقود من السياسات النيوليبرالية القاسية والتدخل الأمريكي. اليوم، ترى في الصين فرصة للتنويع الاقتصادي والتحرر الجزئي من التبعية التقليدية للشمال. الصين تقدم خياراً، وهذه الدول، في سعيها لتحقيق مصلحتها الوطنية كما تراها، تختار هذا الخيار. أي محاولة أمريكية لوقف هذا التعاون تُنظر كاعتداء على سيادة القرار الوطني. 3. تأصّل النفوذ الصيني: كما أوضحنا، النفوذ الصيني لم يعد مجرد علاقات دبلوماسية أو اتفاقيات يمكن إلغاؤها بتغيير الحكومة. لقد دخل في عصب الاقتصاد: هو الميناء الذي يشغّل آلاف العمال، وخط السكة الحديدية الذي يربط المناطق، والقرض الذي يمول الموازنة. اقتلاعه يعني زعزعة الاستقرار الداخلي للدول نفسها. 4. غياب البديل الأمريكي المقنع: المبادرات الأمريكية الأخيرة، مثل "أمريكا الازدهار" (Americas Partnership for Economic Prosperity)، تبدو ضعيفة وهزيلة مقارنة بحجم التدفق الصيني. فهي تفتقر إلى الحزم المالي الضروري، وغالباً ما تكون مشروطة بمعايير بيئية واجتماعية صارمة تبدو للكثيرين كشروط مقنعة جديدة. الولايات المتحدة، في ظل بنيتها الاقتصادية الحالية وصراعاتها الداخلية، غير مستعدة أو غير قادرة على خوض منافسة استثمارية مباشرة مع الصين على نفس النطاق والشروط.
بل إن الطامة الكبرى، من المنظور الاستراتيجي الأمريكي، هي أن التغلغل الصيني لم يعد مقتصراً على أمريكا اللاتينية، بل بدأ يتسلل إلى الداخل الأمريكي نفسه: من شراء الأراضي الزراعية القريبة من قواعد عسكرية، إلى الاستثمار في قطاعات الطاقة والمركبات الكهربائية، إلى الدور المركزي في سلاسل التوريد التي تغذي الاقتصاد الأمريكي. لقد أصبح العدو – إن جاز التعبير – داخلياً وخارجياً في آن معاً.
الأصوات المختلفة من الداخل: زهران ميمداني ونموذج الإحياء الإنتاجي
وسط هذا المشهد من المواجهة والاستعراض، تبدأ أصوات داخل الولايات المتحدة نفسها تشكك في النموذج السائد وتطرح بدائل. يمثل السياسي التقدمي ذو الأصول اليمنية، زهران ميمداني، نموذجاً لهذا التيار. لا يأتي خطابه من موقع القوة العسكرية التقليدية، بل من موقع نقد البنية الاقتصادية الأمريكية من داخلها. رؤيته، وإن كانت تمثل تياراً هامشياً حالياً في المشهد السياسي الأمريكي، إلا أنها تلامس جوهر الأزمة:
· نقد اقتصاد الفقاعات: يهاجم ميمداني، وغيره من التقدميين واليمينيين الشعبويين على حد سواء، هيمنة القطاع المالي واقتصاد الخدمات المبالغ في تقييمه، ويدعون إلى إعادة بناء قاعدة صناعية إنتاجية حقيقية في أمريكا اللاتينية. · إعادة تعريف المنافسة مع الصين: لا ينظر إلى الصين كعدو وجودي يجب محاربته في كل ساحة، بل كمنافس استراتيجي. ويدعو إلى مواجهتها ليس عبر الأساطيل والتهديدات، بل عبر تجديد القوة الاقتصادية الأمريكية من جذورها: عبر الاستثمار في التعليم، البنية التحتية الداخلية، والبحث والتطوير. · التعاون الانتقائي: لا يرفض أي تعاون مع الصين، بل يدعو إلى تعاون واقعي في المجالات التي تخدم المصالح المشتركة، مثل تغير المناخ، مع التنافس في مجالات أخرى.
هذا الاتجاه، إن تمكن من الانتقال من هامش الخطاب إلى مركز صنع السياسة، قد يمثل تحولاً تاريخياً. فهو لا يدعو إلى التخلي عن الهيمنة، بل إلى إعادة بنائها على أسس أكثر صلابة وعملانية: قوة الإنتاج بدلاً من قوة الاستعراض، وجاذبية النموذج التنموي بدلاً من إملاءات القوة الصلبة.
مشهد الانهيار المحتمل: نحو أكبر محو للثروة الوهمية في التاريخ
يكمن أحد السيناريوهات الأكثر إثارة للقلق – أو الأمل، وفقاً لزاوية النظر – في احتمال انفجار الفقاعات المالية المتعددة التي يتشكل منها الاقتصاد الأمريكي اليوم. إذا ما حدث تصحيح حاد في أسواق الأسهم، أو انفجرت فقاعة سوق السندات نتيجة عجز الحكومة عن خدمة ديونها، أو دخلت حمى الذكاء الاصطناعي في مرحلة "شتاء تكنولوجي" حاد، فإن المشهد سيتغير جذرياً.
في مثل هذه اللحظة الدراماتيكية، سيشهد العالم أكبر عملية محو للثروة الوهمية (الورقية) في التاريخ. شركات التكنولوجيا العملاقة قد تخسر ثلثي قيمتها السوقية، وقد تتهاوى المؤسسات المالية، وسيدخل الاقتصاد العالمي في ركود عميق. في هذا المشهد الكابوسي للغرب، سينكشف العري الحقيقي للنماذج الاقتصادية. قد يبدو النموذج الصيني – مع كل تحدياته ومشكلاته – أكثر مرونة وقدرة على الصمود. لأنه، وببساطة، يظل نموذجاً يرتكز على إنتاج سلع مادية حقيقية (من الصلب إلى الهواتف)، وبناء بنى تحتية ملموسة، والتحكم في سلاسل إمداد عالمية. إنها قوة أكثر "مادية" وأقل "افتراضية".
هذا لا يعني تفوقاً أخلاقياً أو كفاءة مطلقة للنموذج الصيني، الذي يعاني بدوره من مشاكل هيكلية كبرى (مثل أزمة الديون الداخلية، والانكماش الديموغرافي). لكنه يعني أنه في لحظة الأزمة الحادة، قد تجد العديد من دول العالم، بل ودوائر داخل الولايات المتحدة نفسها، أن التعاون مع أو محاكاة النموذج القائم على الإنتاج والبنية التحتية هو الملاذ الأكثر أماناً. عندها، قد تضطر الولايات المتحدة إلى خوض "إعادة اكتشاف" قسرية لقدراتها الإنتاجية المفقودة، في تحول مؤلم لكنه ضروري قد يعيد تعريف دورها في العالم.
من جغرافيا القوة إلى طوبوغرافيا التشابك
إن الصراع الخافت والصامت في سهوب باتاغونيا وغابات الأمازون وشواطئ الكاريبي هو أكثر من مجرد منافسة بين قوتين عظميين. إنه تجلٍّ لتحول تاريخي في طبيعة النفوذ والقوة ذاتها. لقد انتقلنا من عصر كانت فيه الجغرافيا السياسية تُرسم بحدود القواعد العسكرية وخطوط التطويق، إلى عصر تُحدد فيه طوبوغرافيا التشابك الاقتصادي واللوجستي مسارات السيادة والتبعية.
الصين، برؤيتها طويلة المدى وصبرها الاستراتيجي، تلعب لعبة مختلفة على رقعة مختلفة. إنها لا تسعى إلى هزيمة الخصم في معركة، بل إلى جعل وجودها ضرورياً لبقاء النظام الاقتصادي للدول. إنها تبني شبكة من المصالح العميقة التي تجعل أي محاولة للانفصال عنها مكلفة للغاية. بينما تظل الولايات المتحدة، رغم كل تحدياتها، القوة العسكرية الأولى وقائدة العالم الغربي، إلا أن أدواتها التقليدية تبدو كسيف صدئ في معركة بناء.
مستقبل أمريكا اللاتينية، وبالتالي ميزان القوى العالمي، لن يُحدده من يصرخ بأعلى صوته، بل من يبني أقوى الجسور – حرفياً ومجازياً. التحدي الذي يواجه واشنطن ليس كيف تحاصر الصين، بل كيف تعيد اختراع ذاتها كقادرة على الإبداع الإنتاجي والعطاء التنموي، متجاوزة اقتصاد الفقاعة والاستعراض، نحو اقتصاد القيمة والشراكة الحقيقية. ففي عالم تتساوى فيه مخاطر الدمار، تتفوق فيه قوة البناء. والسباق بين نموذج الإملاء ونموذج التشابك لا يزال في بداياته، لكن معالمه الأولى ترسم صورة عالم أكثر تعقيداً، وأكثر تشابكاً، وأقل خضوعاً لأمرة قطب واحد.
……
المادة الساخرة :
عنوان المقالة الساخرة: "الدون العظيم وحلم الإمبراطورية.. بقايا الصابون!"
(مقدمة على نغمات موسيقى المسلسلات الكوميدية):
في عالم حيث تطير التغريدات أسرع من الصواريخ، ويُقاس حجم الإمبراطورية بعدد الإهانات التي يمكن توجيهها للزعماء قبل الغداء، يطل علينا بطلنا: الدونالد جيه. ترامب، سيد الصفقات، وقاهر الخرائط الجغرافية الذي اكتشف أن الكرة الأرضية ما هي إلا "عقار" ضخم لم يُستغل بعد بالشكل الأمثل!
بينما كان قادة العالم منشغلين بملفات مملة مثل "التغير المناخي" و"الأوبئة"، كان عقلنا الجيوسياسي الفذ منشغلاً بأسئلة وجودية أهم: لماذا ندفع ثمن الدنمارك لحلف الناتو وهي لا تملك سوى تماثيل حورية البحر وجزيرة متجمدة اسمها غرينلاند؟ ومن قال إن فنزويلا يجب أن تظل ملكًا للفنزويليين؟ وهل كندا مجرد ولاية أمريكية كسولة تأخرت في الانضمام للاتحاد؟
المشهد الاول : عملية "الكوندور المتأخر".. أو اختطاف الرئيس بين غفوة وكوب قهوة!
في سابقة تاريخية لم يشهدها حتى عصر القراصنة، أعلن البيت الأبيض – عبر تغريدة طبعًا – عن "أكبر صفقة في تاريخ الاختطاف السياسي": خطف الرئيس الفنزويلي المنتخب، نيكولاس مادورو، وإحضره "مغلفًا ومُسلمًا" لحدود كولومبيا!
الخطة، التي صممها على الأرجح مشاهدي مسلسلات "ناركوس"، كانت بمنتهى البساطة:
1. نغرد بسخرية عن مادورو ونسميه "الديكتاتور". 2. نعلن دعمًا لشاب وسيم يدعي أنه الرئيس "الشرعي" بينما هو جالس في شقة بميامي. 3. نرسل مجموعة من "المقاولين الخاصين" (مزيج من صيادي الجوائز ومدربي اللياقة البدنية) لتنفيذ المهمة. 4. ... ؟ 5. اربح جائزة نوبل للسلام!
المفاجأة الكبرى كانت عندما فشلت العملية فشلاً ذريعًا، بعد أن سقط الفريق في المياه الفنزويلية كفيلم كوميدي، وأُلقي القبض عليهم وهم يحملون معدات تبدو كأنها من متجر "للاعبي الحرب". علق أحد المحللين الساخرين: "يبدو أن ترامب ظن أن تغيير النظام يشبه إقالة مدير في برنامج ذا أبرينتيس .. خطأ فادح!"
المشهد الثاني: غرينلاند.. "العقار الجديد" الذي هز عرش الدنمارك!
لماذا تشتري سيارة فارهة عندما يمكنك شراء أكبر جزيرة في العالم؟ هذا ما فكر فيه رئيسنا العبقري عندما أعلن فجأة أن الولايات المتحدة مهتمة بشراء غرينلاند!
التبريرات كانت علمية بحتة:
· "إنها كبيرة جدًا، وكبيرة تعني عظيمة!" · "لونها على الخريطة أخضر، والأخضر لون المال!" · "لديهم دببة قطبية، والدببة رائعة لحديقة الحيوان الرئاسية!" · "الدنمارك دولة صغيرة، ماذا ستفعل بكل هذه المساحة؟ إنه إسراف!"
ردت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، بجفاف دبلوماسي: "غرينلاند ليست للبيع. نعتز بشراكتنا مع أمريكا، لكننا لسنا في سوق السلع المستعملة." لم يتقبل ترامب الرفض بأدب، فألغى زيارة دولة كانت حليفة له منذ قرون، ووصف ردها بأنه "قبيح".. لأن في عالمه، رفض بيع أراضيك الوطنية "قبح"!
المشهد الثالث: كندا وألمانيا.. في قائمة "الأسواق التالية"!
بعد فشل صفقة غرينلاند، توسعت الرؤية. في إحدى تجمعاته، ألمح الرئيس العظيم بأن كندا قد تكون الهدف التالي، متسائلاً: "لماذا نتعامل معها كدولة منفصلة؟ هم لا يملكون جيشًا تقريبًا!" ناسيًا أن كندا أحرقت البيت الأبيض عام 1814 (درس تاريخ لم يدرسه).
ولم تتوقف الطموحات الإمبراطورية عند الحدود الأمريكية. تسربت تقارير أن ترامب فكر جدّيًا في سحب القوات الأمريكية من ألمانيا لأنها "تستفيد منا دون أن تدفع"، ثم أعاد التفكير: "لماذا ننسحب؟ ربما يجب أن نحتلها! هم مدينون لنا!" يبدو أن مفهوم "الدَين" في عقله الجيوسياسي يمكن تسويته عن طريق الضم العسكري!
(مشهد تحليلي ساخر مع رسوم متحركة):
ما الذي يدور في عقل هذه الإستراتيجية العبقرية؟
· المنطق الترامبي: إذا كنت تستطيع شراء فندق، فبإمكانك شراء جزيرة. وإذا كنت تستطيع إقالة موظف، فبإمكانك إقالة رئيس دولة. والسياسة الخارجية ما هي إلا برنامج "الصفقة الكبرى" على مستوى عالمي. · دبلوماسية التغريدة: لم تعد هناك حاجة للسفراء والبرقيات الدبلوماسية. كل ما تحتاجه هو هاتف ذكي وإصبع سريع. إهانة حليف هنا، ووعيد باحتلال هناك.. والأسواق المالية ستتهبط وتصعد كألعاب ملاهي! · جيوسياسة العقارات: الأرض = عقار، الشعب = سكان عقار، الرئيس = مدير العقار. إذا لم يعجبك المدير، أرسل من يخطفه. إذا أعجبك العقار، حاولت تشتريه. وإذا رفضوا البيع.. غرد بغضب!
الخاتمة: عندما تتحول السياسة العليا إلى مسرحية هزلية!
في النهاية، يترك لنا عصر "الدبلوماسية الترامبية" إرثًا من العبر:
1. يمكنك أن تهدد بغزو حلفاءك، ويظلوا حلفاءك (ربما). 2. يمكنك أن تفكر في شراء دول كما تشراء بيزنيس، ويظل العالم مندهشًا لا غاضبًا. 3. الأهم من كل ذلك: في عصر الصواريخ الفرط صوتية والذكاء الاصطناعي، لا تزال "البلطجة الكلامية" أداة مفضلة لبعض الساسة.. حتى لو كانت تثير الضحك أكثر من الخوف!
ربما تكون القصة الحقيقية أن هذه التصريحات ليست سياسة خارجية، بل هي عروض تلفزيونية لإلهاء الجمهور عن أخبار أقل بهجة. فكما يقول المثل الساخر: "إذا لم تستطع أن تبني جدارًا على حدود المكسيك، فلماذا لا تحاول شراء حدود الدنمارك؟"
خلاصة القول: قد لا تدخل الولايات المتحدة التاريخ كإمبراطورية رومانية جديدة، لكنها بلا شك ستدخله كواحدة من أكثر العروض الكوميدية التي شهدها العالم في مجال العلاقات الدولية.. والفضل لرئيس يعتقد أن الخريطة العالمية هي قائمة "المشتريات" في تطبيق "أمازون برايم"!
.........
…… قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي - لييج - بلجيكا يمكن قراءة الترجمة للمقالة باللغات الفرنسية والهولندية والألمانية والإسبانية والإنكليزية على الرابط التالي مجانا : https://saloum1.substack.com
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع
...
-
الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا
...
-
الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي
...
-
التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا
...
-
أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ
...
-
إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف
...
-
شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا
...
-
أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
-
تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
-
البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
-
اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى
...
-
تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير ا
...
-
من الكساد إلى الدمار: دورة لا تنتهي
-
سوريا -الجولاني-... الحلقة الأخيرة في مسرحية التقسيم وثمن ال
...
-
ترامب يعترف بالجولان وماسك بالاستبدال: مهرجان النفاق الاستعم
...
-
مقالات عن الذهب واحتمالات الشيوعية في الغرب و و...
-
لماذا تستمر بروكسل في حرب خاسرة؟
-
اليمن كقلب العالم الجديد - إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية
-
رواية : الرحلة المقطوعة
-
في حضرة الضوء: الصين تعيد كتابة قوانين الحوسبة والقوة
المزيد.....
-
لماذا تضع إدارة ترامب غرينلاند على رأس قائمة أولوياتها؟
-
استغرق تنفيذه أكثر من 320 ساعة.. فستان سيلينا غوميز يخطف الأ
...
-
ملايين السياح يزورون هذا المهرجان -البارد- في الصين.. ما الس
...
-
كيف تؤثر السياسة الأمريكية على السفر الدولي؟
-
تأثير استخدام الهواتف بين تلاميذ المدارس على التحصيل والتفاع
...
-
الحرب في أوكرانيا: أربعة قتلى في خاركيف جراء غارات روسية
-
فرنسا: القضاء يبدأ بمحاكمة إيرانية بتهمة الترويج للإرهاب
-
في رسالة إلى قادة أوروبا.. نجوم هوليوود يطالبون بإنقاذ سكان
...
-
ترامب يشهر سلاح الرسوم الجمركية ضد حلفاء إيران ويبحث خيارات
...
-
عاجل | رويترز عن المستشار الألماني: نعتقد أننا نشهد الأيام و
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|