علا الشربجي
كاتبة و محلله سياسية و اقتصادية ، اعلامية مقدمة أخبار و برامج سياسية
(Ola Alsharbaji)
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 14:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لأن العالم لم يعد يُدار بمنطق العدو والحليف، بل بمنطق التموضع والاصطفاف. بعد فنزويلا، لم يعد السؤال: من سيُعاقَب؟ بل: من سيُضغط عليه ليُعاد ضبط موقعه في الصراع الدولي المتسارع.
أشار بعضهم إلى كامبوديا تُطرح لأنها تمثل نموذج الدولة الصغيرة التي اقتربت أكثر مما يجب من الصين. خلال السنوات الأخيرة، تحولت بنوم بنه إلى أحد أكثر الحلفاء التصاقًا ببكين في جنوب شرق آسيا، سياسيًا واقتصاديًا وحتى أمنيًا. هذا القرب لا يُقرأ في واشنطن كخيار سيادي، بل كاختلال في ميزان النفوذ داخل ساحة تُعد من أخطر ساحات الصراع الأميركي–الصيني. موقع كامبوديا، القريب من الممرات البحرية الحساسة، وحديث متكرر عن موانئ وقواعد واستخدامات عسكرية، يجعلها حاضرة في أي حساب استراتيجي أميركي.
إلى جانب ذلك، فإن طبيعة النظام السياسي المغلق نسبيًا توفر مادة جاهزة لخطاب “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، وهو الخطاب الأكثر استخدامًا عندما لا يكون الهدف إسقاط الدولة، بل تطويقها سياسيًا وإبقاؤها تحت الضغط. هنا لا نكون أمام سيناريو فنزويلا، بل أمام محاولة ضبط إيقاع دولة، وفك ارتباطها المتزايد بالصين، أو على الأقل رفع كلفة هذا الارتباط.
أما المكسيك، فطرحها يأتي من زاوية مختلفة تمامًا. ليست بسبب قربها من الصين، بل بسبب قربها من الولايات المتحدة نفسها. المكسيك دولة محورية في سلاسل التوريد العالمية، شريك تجاري ضخم، وحديقة خلفية حساسة لواشنطن أمنيًا واقتصاديًا. أي اختلال في المكسيك، سواء عبر ملفات الهجرة أو المخدرات أو الأمن، يتحول فورًا إلى ورقة ضغط داخل السياسة الأميركية. لهذا تُذكر المكسيك لا كنموذج عقابي، بل كنموذج دولة يُعاد تذكيرها دائمًا بحدود الحركة المسموح بها.
وهنا يظهر الفارق الجوهري مع فنزويلا. فنزويلا كانت هدفًا لعقاب شامل لأنها امتلكت ثلاثة عناصر معًا: موارد طاقة ضخمة، خطابًا سياسيًا صداميًا مع الغرب، وتحديًا علنيًا للنظام المالي العالمي. هذا ما جعل خنقها اقتصاديًا خيارًا مباشرًا ومتاحًا. كامبوديا لا تملك هذه العناصر، واقتصادها مندمج في السوق العالمي، والمكسيك أصلاً جزء من العمق الاقتصادي الأميركي. لذلك، لا مصلحة لواشنطن في تدميرهما، بل في احتوائهما.
السيناريو الأقرب، إن حصل تصعيد، لن يكون حصارًا شاملًا ولا إسقاط أنظمة. سيكون ضغطًا بطيئًا، دبلوماسيًا، ذكيًا، قابلًا للتراجع. عقوبات محدودة، رسائل سياسية، إعادة تحريك ملفات حقوق الإنسان، ومحاولات مستمرة لإعادة التموضع بعيدًا عن بكين أو على الأقل منع الانزلاق الكامل نحوها.
الخلاصة أن الإشارة إلى كامبوديا أو المكسيك لا تعني تكرار نموذج فنزويلا بل تعكس انتقال الصراع الدولي إلى مرحلة أكثر تعقيدًا. مرحلة لا يُعاقَب فيها الخصوم فقط بل يُختبَر فيها الحلفاء وتُدفع الدول الصغيرة والمتوسطة إلى الاختيار القسري بين واشنطن وبكين.
وهنا تحديدًا تبدأ المرحلة الأخطر من الصراع العالمي:
ليس حين تُسقَط الدول، بل حين يُعاد تشكيل خياراتها تحت الضغط.
#علا_الشربجي (هاشتاغ)
Ola_Alsharbaji#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟