أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - المصهرة الخفية كتاب كامل















المزيد.....



المصهرة الخفية كتاب كامل


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 03:38
المحور: الادب والفن
    


المصهرة الخفية
قصائد
2025 – 2026
كاظم حسن سعيد







( العودة من المدرسة)


العباءة السوداء تكور الحقيبة المدرسية حرة على رأسها،وتمسك صغيرتها
الطالبة تعود وحيدة تعب الماء من قنينة وتمجها وهي تستدير ،فرحة، عدة مرات،
الام الحزينة المتعبة توصل فتاتها للمدرسة،وتعود تحدث حزنها
فجأة، فيما يقفر الرصيف،يدق الجرس دقته الاخيرة، فتتقافز الحقائب، معلنة عن المرح، كطيور تنطلق من فجوة حائط منسي..
الطلاب الصغار يشرعون بالحروب ،فتتناثر الحقائب ،وتتمزق القمصان البيض، سرعان ما يحل النزاع، هدنة مؤقتة او تراضيا ونسيان.
الالسنة والهندام وحركات الاجساد تعكس الطبقات التربوية.
حين ينضجون، ستكون هذه المرحلة اجمل اللحظات ، عبثا، يتضرعون لاستعادتها...
ربما لانها ،رغم كل شيء،لا تخلف في الروح الطعنات.
2025
...........













2

( فيروس العزلة)
في مقهى منزو
يجلس كادحون ومسنون وثلاثينيون تقرضهم الايام
يشغلهم التبغ والموبايل
انهم واجمون
يقبضهم الصمت
الشاشة تحدث نفسها
لا احد يهتم..
اتخموا بمليار فديو
لم تعد قصيدة ( المتجردة ) تردد لعشرات القرون
سيل المتجردات اتخم ذاكرتهم.
فيما كنت عبر الزجاج اتابع مسلحين ،في الشاشة، يقيمون مأدبة الموت لالف محتفل
رأيتهم غرقى بأرواحهم.
كأن الموت لا يعنيهم
انقرض زمان الشغف
حيث ملايين البيوت يوحدهم مسلسل عاطفي.
الهواتف الذكية أصابت الجميع بالشلل
وعملقت جدران العزلة.
٢٠٢٥
...........












3
( مسخ روحي)
كانت تذوب بهمسة
حتى تلبسها الحجر
عبثا سيطرق بابها
ستفر من نغم الوتر
هبط السواد بروحها
ضجرا تشعب من ضجر
جفت جذور جمالها
وطغى الظلام على السحر
٢٠٢٥
.....






4
( إباحة المحارم )
احتضنته طفلا يتيما ضائعا
تعلق بها كانثى مؤهلة للافتراس
كانت تصده بكل إصرار
كان يزداد شغفا
في الليالي المطيرة
يطرق باب غرفتها
يلج ، تشفق....
تتقافز من نظراته العقارب والمخالب... تسكّن روعه ...
ومع توالي طرقاته..واتساع الدهشة في حداقاته
في تلك الليالي الموحشة
حيث اكتمل فيه الضياع
تحرك خيط مجرى من اللهفة في وجدانها
لكنها كانت تقاوم
لم تسمح بالقطرات إن تمس جذورها ،
كان السوط الاخلاقي صارما في اعماقها.
الصبي العاشق هدم الجدران
واسره بركان الرغبة
هي في مرحلة التارجح بين محفز ينمو ورعب يهيمن..
كانت نظراته المشبعة بسوط الغريزة تغور في كيانها
تهزها شيئا فشيئا
ادركت سيقودها للجحيم ...
طالما قاومت.
لم تعلن نظراته احتلالها باول اشهر
كان غزوا سحريا يثبّت راياته في خلية فيها بعد اخرى..
كغزو سري لمدينة غافلة
كاستعادة شجرة اوراقها بعد تيبس
لارتواء جذور خفية بعد ظمأ
ادركت سيقودها للجحيم
الذي تشبعت فيه اخيرا ،وتهاوت
بعد ان اثبت مغزله وازميله جدارته.
شباك تحفيز الشفقة اجهز على قلاع المقاومة..
هي لن تعود هي
بعدما انتصرت فيها وحوش الرغبة.
٢٠٢٥
...........












5
( بعد شيخوخة الجسد )
ما يزال المحلان متجاورين
هو عبر الثلاثين
هي تجاوزت الخمسين
نشطا يبكر لمحله
تستقر وهي تراقب جسدها خشية النكسات الصحية
تدعو شبه مشرد،اشعث، نحيلا لينقل صناديق المخضرات لمحلها
لم تعد تقوى
لقد وهن الجسد
هو عينان محدقات بالاجساد الأنثوية التي تتسوق،
هما لا يتبادلان حوارا ولا نظرات
كانت الزوابع بينهما تجري قبل عشر سنين
كانت لا ترتوي حتى يسوط جسدها بعصاه..
كيف تجمدت الرعشة من النظرات
فيها وتكلس الانفعال
كيف اصبحت تستفزها الكلمة والهمسة واللمسة
وحين تتلاقى النظرات
هل تفكر بتلك الليالي
وهي مذابة بعاصفة الافتراس
بالعصي التي تحمل الان وشمها
بتأوهات كونية تتدفق منها
لقد تعبت وتشبّعت من الحروب
وفيما يقف مزهوا
تتحاشاه
وتفكر بعلاج السكري
وتراقب تقلبات الجسد
وتلقي على المتبضعات
نظرات حزينة
نظرات تجسّم الخسائر.
٢٠٢٦
.......


















6
( لحظات إلى السوق)
تمر بك الحدقات الانثوية
متوهجة او مطفأة
حزينة او مرحة
متسائلة او لا مبالية او خجلى
عليك كبت رسائلك إليها واجوبتك
فقد غزا الراس سيف سليط
يدعوك للحكمة ،للثبات.
لكن النظرات تنضح اسئلة وفضولا
وعواصف وارتدادا
تعكس جمال الليالي وقسوتها
والرغبات المتوهجة
والجمال الذي تحاصره الغرف الموحشة
والاجساد البحّاثة عن الدفيء
و الايادي التي تجهل المؤازرة
وسجلا ضخما من الانكسارات
والاحلام التي بقّرت احشاؤها فتكلست أو ماتت .
عشر دقائق تكفي لتكشف لك جزرا فريدة ، وآهات لا يستوعبها الف مجلد
وعليك ان تكبت البروق فيك
مقنّعا بكتلة ثلج تواجه شعلة الشرر.
٢٠٢٦
...









7
( تجسيد القدر)
١
اسد تحطمت اسنانه
في الغابة ينخره الجوع.
٢
شجرة معمّرة
يغور الفاس في جذعها
معولة تتهاوى.
٣
الزوجة الصغيرة الفاتنة
بعد خمس سنوات وطفلين
يصهرها الزوج في بوتقة الشتم والصفات.
٤
الف يحتفلون على الساحل
تباغتهم البنادق
يلونون الموج.
٥
الطفل الجميل المدلل
يحطمه الاغتصاب
حياة ابويه ماتم ابدي .
٦
يقطع مهاجرا الاف الاميال
الكمين في انتظار اجنحته
في الغابة المطيرة
٧
افنى عمره ينتظرها
في اول لقاء
نحرته مطلقة الضحكات.
٨
في الوحل المتعفن
فرصته ليعاشرها.
٩
خشية الإعدام
تخبأ ربع قرن في حفرة
حين تحرر ،عاد فزعا لحفرته.
١٠
القطة الذهبية
اوت إليه من الجوع
افناها بحجر في راسها
لقد التهمت طيره.
٢٠٢٦
.........









8
( الشجرة المعمرة)


الشجرة من الف سنة
مخزن الاسرار
ظلّلت الوحوش والعشاق
اعترضت مسار الفيلة
حملت آلاف الاعشاش
آوت الطيور المهاجرة
اكتنزت اشعة الشمس لقرون
وهي الوحيدة التي علمت باسرار البروق
وصراع الضباع
وفتك الافاعي واسرار النمل
تفنعت بظلمة الليالي المطيرة
وبلغت الزفاف بالشروق
الان تمكنت منها الفؤوس
تركتها بارتفاع متر
وحيدة تتقن النعي والحداد
وقد استعمر اغصانها النجارون
هي الآن تابوت شجرة
اكتشفها ازميل اخيرا
فامطر فيها الجمال
هي الآن عاشقان
في لحظة عناق
٢٠٢٦



















الجزء الثاني
قراءات نقدية



فلسفة الوجع من الافتراس إلى السكري)
د. عادال جودة
قراءة نقدية في قصيدة (بعد شيخوخة الجسد) للشاعر كاظم حسن سعيد
بقلم: د. عادل جوده ، العراق


تنسج قصيدة الشاعر كاظم حسن سعيد لوحة تراجيدية صامتة، تختزل صراعاً أزلياً بين "الزمن" و"الجسد"، وتؤرخ للهزيمة الحتمية التي تلحق بالكائن البشري حين تضع الحرب أوزارها بين رغباته وقواه المادية. هي قصيدة لا تتحدث عن الحب، بل عن أطلال الرغبة، وعن الفجوة المخيفة التي يحفرها العُمر بين روحين كانتا يوماً ما في مركز العاصفة.
ثنائية الحركة والسكون: التباين القاتل
يبدأ النص بمشهدية سينمائية "ما يزال المحلان متجاورين"، لكن هذا التجاور الجغرافي يقابله تباعد وجودي شاسع. الشاعر يضعنا أمام مفارقة عمرية (الثلاثين مقابل الخمسين) ليست مجرد أرقام، بل هي توصيف للحالة الميكانيكية للجسد. هو "نشط يبكر"، وهي "تستقر مراقبةً"، في إشارة ذكية إلى تحول الجسد من "أداة للفعل" إلى "موضوع للقلق".
تتجلى قسوة النص في استعانة المرأة بـ "شبه مشرد" لنقل الصناديق؛ فالعجز هنا ليس عضوياً فحسب، بل هو إعلان رسمي عن سقوط "السلطة الجسدية" التي كانت تملكها يوماً ما.
فلسفة الوجع: من "الافتراس" إلى "السكري"
ينتقل كاظم حسن سعيد ببراعة من الحاضر الراكد إلى الماضي العاصف، مستخدماً لغة مشحونة بالحدة (زوابع، يسوط، عاصفة الافتراس). هذا التضاد بين "عصا الرغبة" القديمة التي كانت توشم جسدها، وبين "عصا العجز" الحالية، يمنح القصيدة بعداً سيكولوجياً عميقاً.
إن الشاعر يطرح سؤالاً وجودياً مريراً: كيف تتكلس الانفعالات؟
وكيف يتحول "التأوه الكوني" الذي كان يملأ المدى إلى صمت ثقيل يقطعه فقط القلق من "النكسات الصحية"؟
المرأة في القصيدة لم تعد تخشى غياب الحبيب، بل باتت تخشى "تقلبات الجسد" وعلاج "السكري". لقد استُبدلت لغة اللذة بلغة البقاء، وتحولت العاصفة إلى مجرد "تفكير بالعلاج".
سيميولوجيا النظرة:
مرآة الخسائر
في ختام النص، تظهر النظرة كأداة للبوح السري. هو "عينان محدقات بالنساء"، في إشارة إلى استمرارية "الحيوان الصياد" بداخله، بينما هي تلقي على المتبضعات "نظرات تجسّم الخسائر".
هذه الجملة الختامية هي ذروة الألم في القصيدة؛ فهي لا تنظر إليهن بحسد، بل تنظر إليهن كمرآة لما كانت عليه، وكتحذير لما سيصرن إليه. هي ترى في كل امرأة شابة "مشروع خسارة قادمة".
الخاتمة:
جمالية الهزيمة
لقد نجح كاظم حسن سعيد في تجريد الجسد من هالاته الرومانسية، ليعرضه في حالته الخام: مادة قابلة للعطب والنسيان. القصيدة ليست مجرد رثاء للشباب، بل هي تشريح دقيق للحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن "الحروب" التي خاضها باسم الحب والرغبة، لم تترك له سوى "أوشام" خفية وذاكرة مثقلة بالندوب.
إنها قصيدة "تعبت وتشبّعت من الحروب"، تماماً كبطلتها التي آثرت السلام مع السكري على صخب العواصف التي لم تعد تقوى على ريحها.
د.عادل جودة/ كركوك



صراع القلاع والوحوش قراءة في نص إباحة المحارم
د.عادل جودة


تُعدّ قصيدة "إباحة المحارم" للكاتب كاظم حسن سعيد نصاً صادماً يغوص في أعماق النفس البشرية، حيث تتشابك مشاعر العطف الإنساني مع عواصف الغريزة المحرمة.
هذا النص ليس مجرد حكاية عن سقوط أخلاقي بل هو تشريح دقيق للحظة الانهيار النفسي أمام سطوة "اللاوعي" حين تنهزم القيم أمام رغبة جامحة تتخفى وراء قناع الاحتياج.

قراءة أدبية تحليلية لهذا النص المفعم بالصراع
بقلم : د. عادل جوده /العراق


صراع القلاع والوحوش: قراءة في نص "إباحة المحارم"

١ - جدلية البدء:
من الشفقة إلى الافتراس

يبدأ النص بمفارقة إنسانية حادة؛ البطلة تحتضن "طفلاً يتيماً ضائعاً". هنا، يظهر الاحتضان كفعل أمومة وحماية، لكن الكاتب سرعان ما يقلب الطاولة بتصوير هذا الضائع ككائن "مؤهل للافتراس". إننا أمام عملية تحول درامية، حيث يتحول اليتيم من "محل للشفقة" إلى "مصدر للتهديد". يستخدم الكاتب استعارة "العقارب والمخالب" التي تتقافز من نظراته ليعبر عن عدوانية الرغبة الكامنة في هذا الصبي، مما يضفي جواً من التوتر منذ السطور الأولى.

٢ - رمزية "الليالي المطيرة" والمكان

تلعب الطبيعة دوراً محورياً في النص؛ فـ "الليالي المطيرة والموحشة" ليست مجرد زمان، بل هي مرآة للحالة النفسية.
المطر يرمز للسيولة، لغسل الحدود، وللبرودة التي تحتاج إلى دفء.
في هذه المناخات، تضعف الدفاعات النفسية. "طرقات الباب" المتكررة هي قرع مستمر على جدران المحرم (Taboo)، وكل طرقة هي محاولة لتهديم "السوط الأخلاقي" الذي كان يحكم وجدان المرأة.

٣ - سيكولوجية السقوط: الغزو السري

يبدع كاظم حسن سعيد في وصف عملية الانهيار، فهو لا يصورها كحدث مفاجئ، بل كـ "غزو سري لمدينة غافلة". هذا التشبيه يمنح السقوط صبغة "الاحتلال"؛ الرغبة هنا ليست خياراً بقدر ما هي قوة قاهرة تتسلل إلى الخلايا "واحدة تلو الأخرى".
استخدام مفردات مثل (المغزل، الإزميل، البركان) يعكس الجهد الذي بذله الصبي (الغازي) لتشكيل واقع جديد داخل نفس المرأة، وتحويل أرضها من حصانة "الأخلاق" إلى يباس "الظمأ" الذي يبحث عن "ارتواء الجذور الخفية".
4. تحطم السوط الأخلاقي
يبرز الصراع الداخلي للمرأة بين "محفز ينمو ورعب يهيمن". إنها تدرك أن هذا الطريق "سيقودها للجحيم"، ومع ذلك، فإن "شباك تحفيز الشفقة" هي التي كانت الثغرة القاتلة. لقد استغل الصبي أسمى ما تملك (الأمومة والشفقة) ليهدم به أقوى ما تملك (القيم والأخلاق).
عندما يقول الكاتب: "هي لن تعود هي"، فإنه يعلن موتها الرمزي؛ فالإنسان حين يفقد مرجعيته الأخلاقية أمام "وحوش الرغبة" يحدث له انسلاخ عن الذات القديمة، ليولد كائن جديد مشوه بالخطيئة.

٥ - براعة اللغة والتصوير

لغة النص تتسم بالحدة والتكثيف، فهي لغة حسية بامتياز (تسيل رغبات، سوط الغريزة، تهاوت، جدارته). نجح الكاتب في جعل القارئ يشعر بثقل "السوط الأخلاقي" وبحرارة "البركان"، مما جعل النص تجربة شعورية قاسية تعكس مرارة الواقع حين تتشوه الروابط المقدسة.

خاتمة:

إن نص "إباحة المحارم" هو صرخة أدبية تحذر من هشاشة النفس البشرية حين تُترك لمواجهة غرائزها دون حماية حقيقية. لقد استطاع كاظم حسن سعيد أن يرسم لوحة تراجيدية لمدينة (النفس) سقطت قلاعها ليس طوعاً، بل تحت وطأة حصار طويل من الاحتياج والشفقة الممزوجة بالخديعة.







إزاحة الدلالة الزمنية بين الحاضروالماضي.
الكاتبة لامية عويسات

((تمكنت الكاتبة لامية عويسات من تسليط إضاءة معمقة عبر قراءة نقدية لنص ( بعد شيخوخة الجسد) ،))
في عالم النصوص الأدبية، يظل الجسد والذاكرة مرآتين للزمن ولتراكم التجارب، حيث لا تنفصل مشاعر الماضي عن حاضر الإنسان، ولا تختفي انعكاسات الحنين عن وطأة الواقع.
في نص "بعد شيخوخة الجسد" نلتقي بمشهد يومي بسيط على سطح المدينة، لكنه يحمل في ثناياه وحدة عضوية، وحدة تكثف التاريخ النفسي والجسدي لشخصين عبرا مراحل العمر المختلفة، لتصبح كل حركة ونظرة وصرخة صامتة رمزا لإيقاع الحياة بعد تراكم الصراعات والتوترات.
الاستاذ كاظم في نصه لا يسعى إلى سرد حبكة درامية أو إلى تقديم قصة تقليدية، بل يعتمد على الومضة الشعرية في سرد التجربة الإنسانية، حيث تتداخل الرموز والإشارات والانزياحات الزمنية والتكرارات لتكون نسيجا لغويا نفسيا غنيا بالمعنى، يعكس مفارقات الجسد المتعب والروح المتيقظة والذاكرة المستمرة.
النص يبرز وحدة التجربة من خلال التركيز على حياة يومية متشابكة بين شخصين تجمعهما ذاكرة الماضي والصراع مع الشيخوخة الجسدية: "هو عبر الثلاثين، هي تجاوزت الخمسين… نشطا يبكر لمحله، تستقر وهي تراقب جسدها خشية النكسات الصحية"
الجملة تمثل تجانس المشهد النفسي والزماني والمكاني، فتخلق وحدة الجو النفسي المزدوج بين اليقظة والخوف بين النشاط والضعف، وهو ما ينسجم مع التعريف كنسيج متماسك بين الفعل والوجود.
النص ينجح في إزاحة الدلالة الزمنية بين الحاضر والماضي:
الحاضر في الروتين اليومي ومراقبة الجسد كذلك الحذر من الألم أو الانكسار: "تستقر وهي تراقب جسدها… تدعو شبه مشرد…"
ثم الماضي: الزوابع، والعصي كذا الانفعال الذي كان سائدا: "كانت الزوابع بينهما تجري قبل عشر سنين، كانت لا ترتوي حتى يسوط جسدها بعصاه"
الانزياح هنا مثل آلية سمحت للنص بالتحكم في تدفق الذاكرة، وأضفى كثافة على التجربة الشعورية.
إعتمد أ. كاظم أكثر على الرموز والإشارات فالنص غني بالرموز والإشارات الدقيقة:
كالجسد المتعب: رمز لتراكم الخبرة النفسية والجسدية ونهاية القوة البدنية.
ثم العصي والافتراس: كرموز للصراع القديم والانتصار المبكر للهيمنة، والذاكرة المؤلمة: "كانت لا ترتوي حتى يسوط جسدها بعصاه…"
ثم النظرات: كإشارات للحذر، للمتابعة الصامتة، ولتأكيد الانكسار النفسي: "عينان محدقات بالأجساد الأنثوية التي تتسوق"
وبأنامل حذقة شدنا أكثر نحو نصه باعتماده الحذف والإيحاء: فالنص اعتمدهما لتكثيف التجربة: فلا توجد تفاصيل مباشرة عن العنف الجسدي القديم، بل لمّح إليها عبر الصور والرموز.
إستراتيجية منحت النص عمقا وتأويلا مفتوحا، ويضعنا كمتلقي في موقع الشاهد المتأمل الذي عاش وتداخل مع التجربة.
التكرار في هذا النص: "تتحاشاه… تنظر… تفكر" يكرّس صمت الجسد ويبرز التوتر النفسي.
أما التفاصيل الدقيقة مثل «السكّري، المتبضعات، العصي القديمة» فتعمل كمنمنمات على تمكين القارئ من الانغماس في المشهد والتفاعل النفسي معه.
اللغة في النص منسابة متدفقة، الجمل جاءت قصيرة ومتوسطة الطول تتحرك بين الماضي والحاضر سلسة، مع توشيح الصور وإضفاء الكثافة الدلالية: "كيف تجمدت الرعشة من النظرات فيها وتكلس الانفعال" هذه الجملة كثفت التجربة النفسية في صورة واحدة، وكذا عززت وحدة الجو النفسي للنص والتجربة.
نص بين أيدينا هو أقرب إلى القصيدة النثرية رمزية ووجودية اذ تحاكي صراع الجسد والذاكرة والروح
النص يفتح أمام القارئ فضاء واسعا للتأمل في آثار الزمن والشيخوخة والصراعات الداخلية، ويمثل نموذجا رائعا للقصيدة النثرية التي تلتقي فيها النفس بالزمن والجسد والتاريخ الشخصي.
نص يحتفى به فعلا.
لامية عويسات














انتقال السلطة من الاندفاع إلى الحذر

الكاتب محمد بسام العمري

(على الكاتب ان يتقبل وجهات النظر والقراءات المتعددة لنصه شرط ان تنطلق من وضوح رؤيا لا من موقف سلبي مسبق ، وجدت في قراءة الكاتب محمد بسام العمري شمولية القراءة والمقدرة على الإضاءة لنص/ بعد شيخوخة الجسد / )
(( يشتغل هذا النص على مفارقة الزمن والجسد بوصفهما محركين سرديين لا يكتفيان بوصف التحول، بل يفضحان ما يتركه العبور القاسي للعمر من ندوب نفسية وأخلاقية واجتماعية. البنية تقوم على مجاورة مكانية ثابتة «المحلان متجاورين» تقابلها قطيعة شعورية كاملة، وكأن الثبات الخارجي يضاعف من فداحة التحلل الداخلي. هذه التقنية، التي تجعل المكان شاهدًا صامتًا على انكسار العلاقة، تذكّر بما فعله تشيخوف في قصصه حين جعل التفاصيل اليومية البسيطة مرايا لانطفاءات كبرى، وبما نجده عند همنغواي من اقتصاد لغوي يخفي تحت سطحه جروحًا لا تُقال.
النص ينجح في تشريح الجسد بوصفه سجلًّا زمنيًا: جسدٌ نشط يبكّر، وجسدٌ واهن يراقب ذاته خشية النكسات. هنا تتجلّى إحدى إيجابيات النص في تحويل البيولوجي إلى دلالة، فالسكري وتقلبات الجسد ليست معلومات عرضية بل علامات على انتقال السلطة من اللذة إلى الخوف، ومن الاندفاع إلى الحذر. كما ينجح السرد في توظيف الصمت بوصفه خطابًا؛ «لا يتبادلان حوارًا ولا نظرات» جملة لا تصف غياب التواصل فحسب، بل تؤسس لبلاغة الفراغ، حيث يصبح ما لا يُقال أبلغ مما يُقال، على نحو يقارب صمت كافكا الثقيل الذي يطوّق شخصياته دون تفسير مباشر.
على مستوى الجرأة، يقدّم النص ذاكرة جسدية عنيفة تُستعاد لا بوصفها اعترافًا شهوانيًا، بل كوثيقة عن علاقة قوامها الهيمنة والافتراس. هذه المقاربة تمنح النص كثافة أخلاقية لأنه لا يجمّل العنف ولا يبرّره، بل يضعه في سياق التحلل اللاحق: كيف تتحول الرعشة إلى تكلّس، وكيف تصبح اللمسة استفزازًا لا وعدًا. هنا يقترب النص من روح «لوليتا» لنبكوف من حيث تفكيك غواية السلطة، لا من حيث تبريرها، ويستدعي أيضًا أثر «مدام بوفاري» لفلوبير في كشف الخسائر الصامتة التي تخلفها أوهام الجسد حين ينقضي زمنها.
غير أن النص لا يخلو من سلبيات تتصل بالتوازن الإيقاعي والدلالي. فبعض الصور، على قوتها، تُكدَّس دون فسحة تأمل كافية، ما قد يضغط على القارئ ويحدّ من تعددية التأويل. كما أن ثنائية «هو مزهو/هي متحاشية» تميل أحيانًا إلى تقابل مباشر قد يستفيد من تعقيد إضافي يخفف من حدّته، ويمنح الشخصية الذكورية عمقًا نفسيًا أبعد من كونه نظرة محدِّقة بالأجساد. في الأدب العالمي، نرى كيف ينجح دوستويفسكي في تعقيد الجلاد والضحية معًا، بحيث لا تُختزل الشخصية في فعل واحد مهما كان فادحًا، وهو ما كان يمكن للنص أن يقترب منه بإشارات داخلية أكثر.
لغة النص، في مجملها، مشدودة ومكثفة، وتستثمر الفعل المضارع لإبقاء الجرح مفتوحًا في الآن، وهذه ميزة جمالية واضحة. غير أن بعض الانزلاقات التركيبية الطفيفة قد تُربك النسق، وكان يمكن صقلها لتكريس الانسياب دون أن تفقد حدّتها. مع ذلك، يظل الختام قويًا حين تتحول «نظرات الحزن» إلى «نظرات تجسّم الخسائر»، إذ يُعاد تعريف الخسارة لا بوصفها عاطفية فحسب، بل وجودية: خسارة الجسد، والوقت، والمعنى.
في المحصلة، النص يقدّم شهادة أدبية عن انكسار العلاقة تحت وطأة الزمن والعنف والمرض، ويحسب له أنه لا يستدر العطف ولا يطلب الإدانة المباشرة، بل يترك الوقائع والصور تقوم بوظيفتها التأويلية. قوته في صدقه القاسي، وضعفه النسبي في حاجته إلى مساحات تنفّس دلالية أوسع. وبين هذين القطبين، ينجح في أن يكون نصًا «جامعًا مانعًا» يضع القارئ أمام مرآة الخسائر، كما فعل كبار كتّاب العالم حين جعلوا من التفاصيل الصغيرة تاريخًا كاملًا للألم الإنساني.
محمد بسام العمري).







التكثيف في ( لحظات إلى السوق)



جمالية التكثيف في ( لحظات إلى السوق)
د. عادل جودة

يواصل الدكتور عادل جودة قراءته النقدية لاحدث النصوص، كطبعه يضيء ما خفي بين السطور،كاشفا عن عمق رؤيته النقدية.)


/ قراءة في قصيدة (لحظات إلى السوق) للشاعر كاظم حسن سعيد
بقلم: د. عادل جوده، العراق

حين تطأ قدما الشاعر "كاظم حسن سعيد" عتبة السوق، فإنه لا يدخل فضاءً للمقايضة المادية، بل يلج مختبراً وجودياً مشتعلاً بالرموز. في قصيدته (لحظات إلى السوق)، نحن أمام لوحة مكثفة تختزل الصراع الأزلي بين اشتعال الروح ووقار الجسد الذي نال منه الزمن.

جدلية "الرأس المشتعل" والقلب المتوهج

يبدأ الشاعر باصطدام بصري مشحون؛ "الحدقات الأنثوية" التي تنهال عليه بمختلف تجلياتها: المتوهجة، المطفأة، الحزينة، والمرحة.
هنا، لا يرى الشاعر عيوناً مجردة، بل يرى نصوصاً إنسانية تعبر الطريق. السوق في هذه القصيدة هو "مؤشر قياس" للحياة في ذروة تدفقها.
لكن الصدمة الحقيقية تكمن في قوله: "فقد غزا الرأس سيف سليط".
هذا التعبير الاستعاري المذهل للشيب أو التقدم في السن، ليس مجرد تغير في اللون، بل هو "سيف" يفرض سلطته القهرية. إنه يدعو الشاعر إلى "الحكمة والثبات"، وهي دعوة تبدو في ظاهرها وقاراً، وفي باطنها "قمعاً" لرغبة الروح في التجاوب مع الجمال.

الانكسار خلف واجهة الجمال

ينتقل بنا كاظم حسن سعيد من رصد "الخارج" إلى تشريح "الداخل". إن هذه النظرات التي تعبره ليست عابرة، بل هي مرآة تعكس:
* الرغبات المحاصرة: الجمال الذي يختنق في "الغرف الموحشة".
* الوحدة الوجودية: الأجساد التي تبحث عن الدفء، والأيادي التي تفتقد ليدٍ أخرى توآزرها.
* المأساة التاريخية للإنسان:
الأحلام التي "بُقرت أحشاؤها فتكلست أو ماتت".
هذا التكثيف الدرامي يحول "عشر دقائق" من المشي في السوق إلى رحلة عبر "ألف مجلد" من الوجع البشري. الشاعر هنا لا يصف، بل يستنطق الصمت في عيون المارة، ويحول النظرة الخاطفة إلى وثيقة إدانة للواقع المرير الذي يقتل الأحلام قبل ولادتها.

قناع الثلج وشعلة الشرر

تصل القصيدة إلى ذروتها في الختام، حيث يجد الإنسان نفسه أمام معادلة مستحيلة:
"عليك أن تكبت البروق فيك.. مقنّعاً بكتلة ثلج تواجه شعلة الشرر".
هذه الصورة هي جوهر المأساة الإنسانية؛ أن تظهر بمظهر "الكتلة الثلجية" (الوقار، الصمت، اللامبالاة المفروضة) بينما في أعماقك "بروق" وشرارات ترفض الانطفاء. الشاعر يصور لنا الصراع بين الاستسلام لنواميس العمر وبين تمرد العاطفة التي لا تشيخ.

الخاتمة:
جمالية التكثيف

قصيدة (لحظات إلى السوق) هي نص يقطر شجناً نبيلاً. لقد نجح كاظم حسن سعيد في تحويل "المشهد اليومي" إلى "رؤية فلسفية"، مستخدماً لغة رصينة وصوراً شعرية مبتكرة (مثل بقر أحشاء الأحلام، وسيف الرأس السليط). إنه يدعونا لننظر إلى الوجوه في الزحام ليس كعابرين، بل كحكايات مثخنة بالجراح، تنتظر من يقرأ صمتها.
إنه نص يذكرنا أننا، مهما تظاهرنا بالحكمة والجمود، نغلّف خلف صدورنا غابة من الارتدادات والعواصف التي لا تهدأ.

د. عادل جودة/








الوجع يرتدي رداء الكلمات قراءة نقدية.
د. عادل جودة



تُعد قصيدة (تجسيد القدر)
للشاعر كاظم حسن سعيد نصاً صادماً،
ليس بمعنى المفاجأة فحسب، بل بمعنى الارتطام بالواقع العاري.
هي ليست مجرد قصيدة، بل هي سلسلة من "اللقطات السينمائية" المكثفة التي توثق لحظة انكسار الروح أمام جبروت المصير.

إليكم قراءة أدبية تحليلية تغوص في أعماق هذا النص المأساوي بقلم: د. عادل جوده,العراق..

الوجع حين يرتدي رداء
الكلمات:
قراءة في "تجسيد القدر"

في عشر لوحات قصصية خاطفة، يضعنا كاظم حسن سعيد أمام مرآة "القدر" في أقسى تجلياته.

العنوان نفسه "تجسيد القدر" يوحي بأن القدر ليس فكرة مجردة، بل هو فعل مادي يمارس سطوته على الكائنات. الشاعر هنا لا يكتب بمداد القلم، بل بمبضع الجراح الذي يكشف الأورام المختبئة تحت جلد الحياة اليومية.

١ ـ انكسار الرمز وسقوط الهيبة

يبدأ الشاعر بلوحة الأسد الجائع؛ والأسد هنا ليس مجرد حيوان، بل هو رمز القوة والهيبة. حين تتحطم أسنانه، يتحول الرمز إلى مأساة. إنها صورة "الشيخوخة العاجزة" أو "القوة المهدورة"، حيث تصبح الغابة (الحياة) مكاناً للنخر والألم بدلاً من السيادة.

٢ ـ الصراع بين البقاء والفناء

في لوحة الشجرة والمعول، نرى حواراً صامتاً بين العراقة والدمار.
الشجرة المعمرة تمثل التاريخ والذاكرة، بينما المعول يمثل الفأس الغادرة.
والمفارقة هنا هي "تهاوي" المعولة، وكأن الشاعر يقول إن القتل متعب للقاتل كما هو مميت للمقتول، لكن النتيجة واحدة: غياب الحياة.

٣ ـ اغتيال الأنوثة والبراءة

ينتقل الشاعر إلى البعد الاجتماعي والنفسي في لوحتي الزوجة والطفل.
* في مشهد الزوجة، نرى تحول "الفتنة" إلى "رماد" في بوتقة الشتائم. هو اغتيال معنوي يحول الشريكة إلى حطام إنساني.
* أما مشهد الطفل، فهو الذروة المأساوية في النص. استخدام كلمة "يلونون الموج" في مشهد الساحل، و"مأتم أبدي" في مشهد الطفل، يعكس قدرة الشاعر على تحويل الجريمة البشعة إلى صورة بصرية توجع الروح.

٤ ـ عبثية الانتظار وسخرية المصير

تتجلى السخرية السوداء في أوضح صورها في المقطعين السابع والتاسع:
* عاشق الانتظار:
الذي أفنى عمره من أجل لحظة، فكانت تلك اللحظة هي سكين ذبحه. الضحكة هنا ليست للفرح، بل هي "ضحكة القدر" الساخرة من أمانينا.
* سجين الحفرة:
وهي أعمق صورة للحرية المسلوبة. ربع قرن من الخوف حوّل "الحفرة" إلى وطن، حتى صار الضوء مرعباً. إنها دراسة سيكولوجية مذهلة في "أدب السجون" وكيف يحفر الاستبداد حفره داخل أرواحنا لا داخل الأرض فقط.

٥ ـ ثنائية الجوع والوحشية

في مشهد القطة الذهبية، نلمس صراع البقاء في أبشع صوره. القطة مدفوعة بـ "الجوع" (فطرة)، والإنسان مدفوع بـ "الانتقام لملكيته" (أنانية). القسوة هنا تكمن في أن القطة لجأت إليه طلباً للأمان، فكان الرد حجراً يهشم رأسها.
الخصائص الفنية للنص
* الاقتصاد اللغوي: الشاعر لا يهدر الكلمات. كل جملة هي طعنة، وكل مقطع هو مشهد مكتمل الأركان (بداية، ذروة، فاجعة).
* الصورة البصرية:
يعتمد النص على "المونتاج" السينمائي، حيث ينتقل من الغابة إلى البيت، ومن الساحل إلى الحفرة، مما يخلق حالة من التوتر المستمر لدى القارئ.
* التضاد الصارخ:
(جمال/اغتصاب)، (احتفال/بنادق)، (حرية/فزع). هذا التضاد هو الذي يمنح النص قوته التأثيرية العالية.

الخاتمة: هل القدر ظالم أم نحن؟

يتركنا كاظم حسن سعيد في نهاية القصيدة أمام تساؤل مرير: هل هذه اللوحات هي فعل "القدر" الغيبي، أم هي أفعال البشر التي ألبسناها ثوب القدر؟ القصيدة صرخة في وجه القسوة، ودعوة لتأمل هشاشة الوجود الإنساني أمام لحظة غادرة قد تغير كل شيء.
إنها قراءة موجعة لواقع أكثر وجعاً، صيغت بلغة رصينة تنزف صدقاً وألماً.
د. عادل جودة/ العراق

......................






رحلة كونية تبدا من شموخ الف عام

الشجرة المعمرة


هذا نص شعري مكثف وعميق، يتناول تيمة "التحول" من الكينونة الطبيعية (الشجرة) إلى الكينونة الفنية (النحت)، مروراً بمأساة الفقد. إليك تحليل نقدي للنص:

𔁯. الرمزية والدلالة (الشجرة كشاهد تاريخي)

تبدأ القصيدة برسم صورة لشجرة ليست مجرد نبات، بل هي أرشيف للوجود:


مخزن الأسرار: الشجرة هنا هي "الحكيم الصامت" الذي عاصر صراعات الغابة (الضباع، الأفاعي) ولحظات الحب (العشاق).

آوت واكتنزت: استخدام فعل "آوت" هنا يعزز دورها كأم حاضنة للطبيعة، فهي التي منحت الأمان للطيور المهاجرة (الاحتضان) والتزمت بحماية الحياة الفطرية.

صراع الأضداد: الشجرة جمعت بين "أشعة الشمس" و"ظلمة الليالي"، وبين "الزفاف" و"الفتك"، مما يجعلها رمزاً للحياة بكل تناقضاتها.



𔁰. نقطة التحول (الفجيعة والاستعمار)

ينتقل النص من الحالة الأسطورية للشجرة إلى الواقع القاسي:


تمكنت منها الفؤوس: يمثل هذا السطر لحظة "الموت الفيزيائي". تحولها من الارتفاع الشاهق إلى "ارتفاع متر" هو تصوير للانكسار والقهر.

استعمر أغصانها النجارون: استخدام كلمة "استعمر" ذكي جداً؛ فهو يوحي بانتزاع الملكية والسطوة البشرية على الطبيعة، حيث تحولت أغصانها التي كانت ملكاً للأعشاش إلى مادة خام (خشب).



𔁱. التسامي بالفن (البعث من جديد)

الخاتمة تنقل النص من الحزن (الحداد) إلى الجمال (الخلود):


تابوت شجرة: وصفها بالتابوت يمهد لفكرة الموت، لكنه موت "مؤقت".

إزميل أخير: الإزميل هو الأداة التي أعادت لها الروح. الفن هنا هو الذي أنقذ الشجرة من النسيان.

عاشقان في لحظة عناق: هذه هي "الولادة الثانية". الشجرة التي كانت تظلل العشاق قديماً، أصبحت هي نفسها "تمثالاً لعشاق". لقد تخلدت العاطفة في خشبها.



جماليات الصياغة (الصور البيانية)


أنسنة الطبيعة: (تتقن النعي والحداد) جعل الشجرة كائناً يشعر بالحزن على ماضيه.

المفارقة (Paradox): الشجرة التي بلغت "الزفاف" في أوج قوتها، تنتهي بأن تصبح منحوتة تمثل "عناقاً"، وكأن الموت هو الذي منحها اللقاء الأبدي.

تراكم الزمن: (ألف سنة، قرون) يعطي للنص ثقلاً تاريخياً، مما يجعل قطعها "جريمة" بحق الزمن وليس فقط بحق الطبيعة.
الخلاصة

النص يحتفي بـ ديمومة الجمال. فبينما قضت الفؤوس على الشجرة "ككائن حي"، أحياها الإزميل "كعمل فني". هي قصيدة عن الوفاء للأصل، وكيف يمكن للفن أن يحول مآسينا (الخشب المقطوع) إلى روائع (عناق أبدي).
د.عادل جودة / العراق

الحس التصويري في صناعة المشهد السينمائي
الكاتب محمد بسام العمري


النص يفتح بابه على مقهى صغير، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى مجاز شاسع لروح زمنٍ مثخن بالوحدة. الشخصيات جلوس لا يلتفتون إلى بعضهم، يكادون يتآكلون بصمتهم أكثر مما تأكلهم الأيام. هنا تتجسد قوة النص في قدرته على التقاط المشهد العابر وتحويله علامةً على مرضٍ عام: عزلة متضخمة، هواتف عملاقة تُصغّر الإنسان في داخله. تتجاور الصور: تبغ يشتعل ببطء، شاشات تحدّث نفسها، ووجوه ضائعة لا تنتظر أحدًا. تلك الصور تمنح النص كثافته الشعرية وتضع القارئ داخل الجو لا خارجه.
الإيجابية الأولى تكمن في حسّه التصويري وطاقته على صناعة مشهدٍ سينمائيّ من تفاصيل يومية رتيبة. اللغة مشحونة بلا افتعال، قريبة لكنها موّارة، تحمل نبرة مرثية دون أن تغرق في البكاء. كما أن النص يجيد ربط الخاص بالعام؛ مقهى صغير يتحول إلى خريطة عالمية، وصمت أفرادٍ يتحول إلى عرضٍ اجتماعي لشللٍ جماعي. تتسلل فكرة “فيروس العزلة” دون أن تُسمّى مباشرة، إذ يتكفّل المشهد بتجسيدها: أجساد متقاربة ومسافات روحية شاسعة، أصابع تتحرّك والشعور متيبّس، فيديوهات لا تُغني عن بيتٍ دافئ ولا عن قصيدة تقرع القلب. يتبدّى هنا بعد نفسي واضح: الإنسان محاط بالآخرين لكنه فاقد القدرة على التماس، ممتلئ بالصور وفقير بالمعنى، مشبع بالضجيج وخاوٍ من الحوار. هذه المفارقة تشتغل داخل النص بهدوء موجع.
غير أن النص يترك أيضًا ظلاله السلبية، لا بمعنى الضعف الفني، بل من حيث ميله أحيانًا إلى تقريرية مباشرة في بعض الجُمل التي تكاد تصبح حكمًا جاهزًا على العصر. يقف القارئ أمام عبارات مثل “انقرض زمان الشغف” أو “أصابت الجميع بالشلل” فيشعر أن المشهد البهي قد أُغلق باستنتاج قاطع، بينما قوة الفن في فتح الأسئلة لا إغلاقها. كذلك يضغط النص على نبرة التشاؤم من دون فسحة مقاومة داخلية، فلا يُتيح للحياة أن تهمس من تحت الركام، ولا للشغف أن يطل برأسه ولو من صدع صغير. ومع ذلك، قد يكون هذا القصد ذاته جزءًا من صدقه: هو يريد أن يصرخ لا أن يواسي، أن يشخّص لا أن يعالج.
البعد الاجتماعي يمر في النص كالريح الباردة. يتحدث عن أجيال متجاورة: كادحون، مسنون، وثلاثينيون تقرضهم الأيام، وكأن الزمن سكين مشتركة تقطع الجميع بحدٍ واحد. يذوب الفارق الطبقي والعُمري أمام عزلتهم المتشابهة. الهاتف الذكي يصبح السلطة الجديدة، يقيم جدرانًا عالية بلا إسمنت، ويعيد تشكيل العلاقات على هيئة نقاط منفصلة في شاشة. هذا التوصيف يلمس تحولات المجتمع المعاصر حيث تتآكل الجماعة، وتذبل طقوس اللقاء، وتتحول المشاركة إلى استهلاك صامت للمحتوى. كما يطل البعد النفسي من خلال صورة “الغريق بروحه”، إنسان ينظر إلى الموت في الشاشة فلا يرتجف، لأن الإحساس نفسه خدرته الفيضانات الرقمية. هنا ينجح النص في مساءلة أخلاق التلقي في عصر المشاهدات اللانهائية: كيف يتحول الألم إلى مادة عرض، والموت إلى مشهد إضافي في قائمة التشغيل.
أما أدبيًا، فتتجلى أهميته في مزاوجة السرد بالنَفَس الشعري، وفي قدرته على جعل النقد الاجتماعي يمر عبر صورة لا عبر خطبة. يختار النص الاقتصاد في العناوين والشرح، ويترك اللغة تتنفس بحرية. استعاراته بسيطة لكنها حادة: “مليار فيديو” يثقل الذاكرة، “المتجردات” التي تحولت من قصيدة واحدة إلى سيلٍ يغرق المعنى، وجدران العزلة التي “عُمِلِقت” حتى صار اختراقها شاقًا. هذه اللغة تمنح التجربة طابعًا مرثويًا يليق بعامٍ تتكثف فيه الأسئلة حول جدوى التواصل وجدوى القصيدة وجدوى المشاركة الإنسانية نفسها.
في المحصلة، النص مرآة قلقة لعام ٢٠٢٥، لا تدّعي الحياد ولا الوقار الأكاديمي الجامد. إنه نص يطلق إنذاره بقلب شاعر لا بمخبر اجتماعي، ويضع إصبعه على الجرح من دون تخدير. إيجابيته في صدقه وصوره ونبرته التي تمزج السرد بالشعر، وسلبيته في ميله إلى الإطلاقية واليأس الكلي. لكنه، بهذا كله، يظلّ شهادة على زمنٍ تتحدث فيه الشاشات كثيرًا ويصمت البشر أكثر، زمنٍ يتكاثر فيه المحتوى ويقلّ فيه الاحتواء، وتتحول فيه العزلة من حالة فردية إلى فيروسٍ جماعي يمرّ في الهواء مثل نفسٍ بارد لا يُرى لكنه يُحسُّ عميقًا.
الكاتب محمد بسام العمري

ذ.صناعي
تحمل قصيدة (فيروس العزلة) رؤية نقدية حادة وموجعة لواقعنا المعاصر في عام 2025، حيث تصف التحول الدراماتيكي في السلوك البشري من "الجماعية والشغف" إلى "الفردية والتبلد".
إليك تحليل عميق للنص من زوايا فنية وموضوعية:
𔁯. الرمزية والدلالة (العزلة الرقمية)
النص يطرح مفارقة صارخة؛ المقهى تاريخياً هو رمز "للمجال العام" واللقاء، لكن الشاعر يحوله هنا إلى "مغارة للصمت".
ثلاثية الأجيال: (كادحون، مسنون، ثلاثينيون) توحي بأن العزلة لم تعد تفرق بين عمر أو طبقة؛ فالجميع "تقرضهم الأيام" تحت وطأة الشاشات.
تلاشي الدهشة: عبارة "أتخموا بمليار فيديو" تشير إلى حالة الإشباع السلبي. عندما يفيض المحتوى، تفقد الأشياء قيمتها، حتى الموت نفسه أصبح "مأدبة" تُشاهد ببرود.
𔁰. التناص والمقارنة الحضارية
استخدم الشاعر بذكاء قصيدة "المتجردة" (للنابغة الذبياني) كرمز للإرث الثقافي والجمال الذي كان يعيش لقرون.
المفارقة: قديماً كانت قصيدة واحدة توحد الوجدان، أما الآن فـ "سيل المتجردات" (المحتوى العاري من القيمة أو الجسد الرقمي) جعل الذاكرة متخمة ومشلولة، مما أدى إلى فقدان التقدير للجمال الحقيقي.
زمن الشغف الضائع: يستحضر الشاعر نوستالجيا "المسلسل العاطفي" الذي كان يجمع ملايين البيوت، ليقارنه بـ "الهواتف الذكية" التي فرقت بين المرء ونفسه.
𔁱. الصورة الشعرية واللغة
التشخيص (Personification): "الشاشة تحدث نفسها"؛ صورة بارعة تعكس انقطاع الاتصال. الشاشة تعمل لكن لا يوجد "متلقٍ" حقيقي، بل مجرد أجساد حاضرة وأرواح غائبة.
الاستعارة: "تقرضهم الأيام"، "يقبضهم الصمت"، "عملقت جدران العزلة". هذه التعبيرات تضفي طابعاً حسياً على مفاهيم مجردة، وكأن العزلة وحش مادي ينمو بينهم.
مأدبة الموت: وصف القتل الجماعي على الشاشة بـ "المأدبة" يعكس السخرية السوداء من تحول المأساة البشرية إلى "محتوى" (Content) يُستهلك بجانب التبغ والقهوة.
𔁲. الرسالة الفلسفية
القصيدة تعلن "انقراض الشغف". الفيروس هنا ليس بيولوجياً، بل هو "تقني" أصاب المشاعر بالشلل. الجدران التي بنيت ليست من حجر، بل هي "جدران افتراضية" جعلت الإنسان يغرق في روحه بينما العالم ينهار خلف الزجاج.
....
خلاصة القول: القصيدة صرخة تحذيرية من تحول الإنسان إلى "كائن شاشاتي" يفقد تعاطفه ودهشته أمام سيل المعلومات واللقطات.
......
فاختيار الشاعر لهذين الرمزين (الثلاثينيون) و (الزجاج) لم يكن عابراً، بل هما الركيزتان اللتان استند إليهما لتوضيح عمق "الفجوة" بين الإنسان والواقع.
إليك تحليلهما:
أولاً: دلالة "الثلاثينيين" (جيل البرزخ)
ذكر الشاعر "المسنين" (الماضي) و"الكادحين" (الحاضر)، لكنه خصّ الثلاثينيين بعبارة "تقرضهم الأيام". لهذا الاختيار أبعاد نفسية واجتماعية:
جيل الصدمة: الثلاثينيون هم الجيل الذي عاش طفولته في "زمن الشغف" (المسلسلات الموحدة، اللقاءات الحقيقية) وشبابه في "زمن الانفجار الرقمي". هم الأكثر شعوراً بالاغتراب لأنهم يدركون تماماً ما فقدوه.
القوة المهدرة: سن الثلاثين هو ذروة العطاء والعمل، لكن الشاعر يصورهم "واجمين" خلف الشاشات. عبارة "تقرضهم الأيام" توحي بأن التكنولوجيا تستهلك أجمل سنوات عمرهم في "لاشيء"، فهي تأكل طاقتهم ووقتهم بصمت كما يقرض السوس الخشب.
العزلة وسط الجماعة: هم أكثر فئة تعاني من "العزلة الاجتماعية" رغم امتلاكهم لآلاف الأصدقاء الافتراضيين، لذا هم النموذج الأوضح لـ "فيروس العزلة".
ثانياً: رمزية "الزجاج" (الحاجز الشفاف)
يظهر الزجاج في القصيدة كأداة فصل حاسمة ("فيما كنت عبر الزجاج أتابع.."):
الانفصال عن الواقع: الزجاج يسمح بـ "الرؤية" لكنه يمنع "المس" أو التأثر. الشاعر يرى المسلحين والموت من خلف زجاج المقهى (أو زجاج الشاشة)، وهذا يرمز إلى "الحياة المعلبة". نحن نرى مآسي العالم، لكننا خلف زجاج بارد يمنعنا من التفاعل الحقيقي.
مراقب وليس مشاركاً: الزجاج يحول الإنسان من "فاعل" في الحياة إلى "متفرج" (Spectator). الموت يحدث في الخارج أو على الشاشة، والشاعر يراقب، بينما الآخرون غارقون في هواتفهم.
خديعة القرب: الزجاج يوهمك بأنك قريب من الحدث، لكنه في الحقيقة يجسد أقصى درجات القطيعة. هو يمثل "الحدود الباردة" التي وضعتها التكنولوجيا بيننا وبين الألم البشري؛ نرى الدم كأنه "بكسلات" ملونة لا أكثر.
الربط بين الرمزين
عندما يجلس الثلاثيني (الذي يفترض أن يغير العالم) خلف الزجاج (الذي يعزله عن العالم)، تكتمل صورة "الشلل" التي أرادها الشاعر. فالزجاج هنا ليس مجرد نافذة مقهى، بل هو "شاشة الهاتف" الكبيرة التي تحولت إلى جدار عملاق.
ملاحظة فنية: استخدم الشاعر كلمة "عملقت" (من العملاقة) مع جدران العزلة، ليؤكد أن هذه الحواجز الزجاجية الصغيرة في أيدينا تحولت إلى أسوار شاهقة تفصلنا عن إنسانيتنا.
........













قراءة وجدانية تحليلية في قصيدة «الشجرة المعمّرة» – للشاعر كاظم حسن سعيد
نادية الإبراهيمي
لا يكتب الشاعر كاظم حسن سعيد عن شجرة بوصفها كائنا نباتيا فحسب، بل يستدعيها بوصفها أرشيف الوجود وذاكرة صامتة عاشت أكثر مما قيل وشهدت أكثر مما احتُمل.
إنها شجرة عمرها ألف سنة لكن الألف هنا ليست رقما زمنيا، بل وحدة قياس للخبرة الوجودية؛ عمر تراكمي من الأسرار، العنف، الحب، النجاة، والخراب.
منذ الأسطر الأولى تتحوّل الشجرة إلى كائن كوني جامع:
ظلّلت الوحوش والعشاق
اعترضت مسار الفيلة
هنا يتساوى الغريزي والحنين، القوة والعاطفة، في ظلّ واحد. الشجرة ليست محايدة؛ إنها نقطة تقاطع الوجود حيث تمرّ الكائنات المختلفة دون أن تبوح بينما هي تختزن.
ويبلغ النص ذروته الرمزية حين تصبح الشجرة مستودعا للأسرار الطبيعية والعنيفة:
"علمت بأسرار البروق
وصراع الضباع
وفتك الأفاعي وأسرار النمل"
إنها الشاهدة التي لم تتكلم، الحكيمة التي لم تُسأل. هنا يشتغل الشاعر على فلسفة الصمت:
الصمت بوصفه معرفة، لا عجزا.
فالشجرة تعرف لكنها لا تدين، ترى ولا تتدخل، تحفظ ولا تفضح.
التحوّل الوجودي الحادّ يبدأ مع الفؤوس:
الآن تمكنت منها الفؤوس ،الفعل هنا فجّ، مباشر، بلا استعارة تلطّف العنف. الفؤوس ليست أداة فقط بل رمز لهيمنة الإنسان حين يفقد إنسانيته، حين يعجز عن فهم القيمة إلا بعد تحطيمها.
يبلغ النص مفارقته المؤلمة حين تُترك الشجرة: بارتفاع متر،
وحيدة تتقن النعي والحداد،
لم تُقتل تماما، بل تُركت في حالة بينية: لا هي شجرة ولا هي خشب مستعمل.وهنا تتجلّى الرؤية الوجودية عند الشاعر:
النجاة الناقصة قد تكون أقسى من الفناء الكامل.
لكن الشاعر كاظم لا يُغلق النص على العدم. فمِن قلب التابوت يولد الجمال:
اكتشفها إزميل أخيرًا
فأمطر فيها الجمال
الإزميل بعكس الفأس لا يدمّر بل يُشكّل.إنه فعل الوعي، الفن،وإعادة
التكوين.وهكذا تتحوّل الشجرة من ضحية إلى معنى، ومن موت صامت إلى عناق إنساني.
هي الآن عاشقان
في لحظة عناق
النهاية لا تُنقذ الشجرة لكنها تُنقذ الوجود من عبثيته.فما كُسر يمكن أن يتحوّل إلى رمز، وما قُطع يمكن أن يُحتضن من جديد، وما صمت ألف عام… قد يتكلم أخيرا عبر الفن.
قصيدة «الشجرة المعمّرة» نصّ وجودي واقعي لكن واقعيته ليست جافة، بل مشبعة بحزن حكيم،
وجودية لا تصرخ، بل تتأمل الخراب وتبحث عن أثر إنساني فيه.
الشاعر كاظم حسن سعيد لا يرثي الشجرة فقط ،بل يرثي الإنسان حين ينسى أنه كان يوما ظلّا قبل أن يصير فأسا.







الإنسان المعاصر في قفص الشاشة» قراءة نقدية في قصيدة
«فيروس العزلة» للشاعر كاظم حسن سعيد/ رؤية نادية الإبراهيمي
قصيدة «فيروس العزلة» يقدمها الشاعر كاظم حسن سعيد كنصّ تشخيصي حاد، يكشف عن وباء صامت تفشّى في جسد الانسان الحديث . عزلة بلا جدران ووحدة مكتظة بالوجوه.
يفتتح النص بمشهد مقهى:
في مقهى منزوي
يجلس كادحون ومسنون وثلاثينيون
تقرضهم الأيام
المقهى تقليديا فضاء اللقاء والحديث يتحوّل هنا إلى مسرح عزلة جماعية. اختلاف الأعمار لا يصنع تباينا في التجربة،إنه يوحّدهم جميعا في الاستنزاف: تقرضهم الأيام.
الزمن هنا ليس سياقا حياديا هو مفترس بطيء.تشتغل القصيدة على مفارقة لافتة:
يشغلهم التبغ والموبايل
إنهم واجمون
وسيلتا الإدمان (التبغ والهاتف) لا تمنحان متعة ولا تواصلا، تُكرّسان الوجوم.الهاتف المفترض أن يكون أداة اتصال يتحوّل إلى وسيط عزلة، شاشة “تحدّث نفسها” في صورة بالغة الدلالة على انكسار الحوار الإنساني.
يبلغ النص ذروته النقدية حين يعلن:
اتخموا بمليار فيديو
لم تعد قصيدة (المتجردة) تردد لعشرات القرون
هنا يستدعي الشاعر ذاكرة الثقافة العميقة في مواجهة الاستهلاك الرقمي السريع.ليست المشكلة في كثرة المحتوى، بل في تخمة بلا أثر حيث يُمحى الشعر والذاكرة والتجربة الجمالية أمام سيل بصريّ لا يُغذّي الروح.
ويزداد المشهد قتامة حين ينتقل الشاعر من الداخل إلى الخارج:
فيما كنت عبر الزجاج أتابع مسلحين، في الشاشة،
يقيمون مأدبة الموت لألف محتفل
الزجاج هنا مزدوج الدلالة:
زجاج المقهى وزجاج الشاشة.
العنف يُشاهَد لا يُعاش فيتحوّل الموت إلى عرض مرئي والمجازر إلى محتوى.
وحين يقول:
كأن الموت لا يعنيهم
فهو لا يصف المسلحين فقط، بل المتلقّي أيضا ذاك الذي اعتاد المشهد حتى فقد حساسيته الأخلاقية.
القصيدة لا تتوقف عند العزلة الفردية، هي تشير إلى عزلة جماعية مُعلّبة: حيث ملايين البيوت يوحدهم مسلسل عاطفي
وحدة زائفة، تقوم على شعور مستعار وبكاء مؤجَّر وعاطفة مُنتَجة سلفا.
إنها مشاركة شعورية لا تصنع تواصلا حقيقيا بقدر ما تُعمّق الفراغ.
ويُسدل النص ستاره بجملة تقريرية شديدة القسوة:
الهواتف الذكية أصابت الجميع بالشلل
وعملقت جدران العزلة
العزلة لم تعد حالة نفسية،الشاعر صورها بنية معمارية، جدران شاهقة تفصل الإنسان عن الآخر وعن ذاته.
والشلل هنا ليس جسديا فقط، هو شلل في المبادرة، في الدهشة، في الشغف.
«فيروس العزلة» قصيدة واقعية-وجودية بامتياز،
تكتب عن الإنسان المعاصر بوصفه ضحية نمط حياة، حيث التواصل فائض والمعنى نادر وحيث يموت الشغف ببطء تحت أضواء الشاشات.
إنها قصيدة لا تُدين التقنية بقدر ما تُدين الاستسلام لها، ولا ترثي الوحدة، هي تكشف كيف تعايشنا معها حتى صارت عادية.
الكاتبة نادية الابراهيمي | الجزائر










تخمة الذاكرة وموت المتجردة في(فيروس العزلة)
د٠عادل جودة
تُعد قصيدة (فيروس العزلة) للشاعر كاظم حسن سعيد صرخة أدبية في وجه التكنولوجيا التي تحولت من وسيلة اتصال إلى جدار عازل يمزق نسيج الروح البشرية.
في هذا النص، لا يكتفي الشاعر برصد ظاهرة تقنية، بل يغوص في أعماق "الأنطولوجيا" المعاصرة، ليصور لنا كيف تحول الكائن البشري من كائن اجتماعي شغوف إلى مجرد "متلقٍّ واجم" غارق في صمته.
قراءة أدبية/ بقلم د. عادل جوده/ العراق..
١ - مشهدية المقهى:
من الفضاء العام إلى السجن الخاص
يبدأ الشاعر برسم لوحة سينمائية لمقهى "منزوٍ"، يجمع أشتاتاً من البشر (كادحون، مسنون، وثلاثينيون). لكن المفارقة تكمن في أن هذا الجمع ليس "جماعة"، بل هو تراكم لفرادى منعزلين. عبارة "تقرضهم الأيام" تضفي مسحة من العدمية؛ فالزمن ينهش أعمارهم وهم غافلون، لا يربطهم سوى "التبغ" كأداة لاستهلاك الوقت، و"الموبايل" كأداة لاستهلاك الروح.
هذا الصمت الذي "يقبضهم" ليس صمت التأمل السكينة، بل هو صمت الخواء الرقمي. فالشاشة التي "تحدث نفسها" هي البطل الحقيقي في المشهد، بينما البشر مجرد "أثاث" في هذا الفضاء البارد.
٢ ـ تخمة الذاكرة وموت "المتجردة"
ينتقل الشاعر إلى نقد ثقافي عميق حين يقارن بين عصرين:
* عصر الكلمة:
حيث كانت قصيدة (المتجردة) للنابغة الذبياني تثير الخيال وتحرك الوجدان لقرون.
* عصر الصورة:
حيث "سيل المتجردات" الرقمي أدى إلى "إتخام" الذاكرة وبلادة الشعور.
هنا يطرح كاظم حسن سعيد إشكالية "السيولة الرقمية"؛ فالوفرة المفرطة في الصور والمحتوى قتلت الدهشة. لم يعد للجمال أو للكلمة قيمة في ظل هذا الطوفان الذي جعل الذاكرة مجرد مخزن مكدس لا يميز بين الثمين والغث.
٣ ـ مأدبة الموت:
بلادة الحس الإنساني
تصل القصيدة إلى ذروة تأثيرها عندما يصف الشاعر مشهد "مسلحين يقيمون مأدبة الموت" على الشاشة. المفاجأة ليست في بشاعة المشهد، بل في رد فعل الجالسين. إنهم "غرقى بأرواحهم"، لا يهتز لهم جفن.
هذا هو "فيروس العزلة" الحقيقي.. إنه الفيروس الذي يعزل الإنسان عن تعاطفه الفطري مع أخيه الإنسان.
لقد تحول الموت والدمار إلى مجرد "محتوى" (Content) يُمرر بالأصابع ببرود مرعب. لقد انقرض "زمان الشغف" الذي كان يجمع ملايين البيوت خلف شاشة واحدة لمسلسل عاطفي، ليحل محله زمان "الانفصال التام" وهم في مكان واحد.
٤ - الفلسفة الختامية: العملقة والتقزم
يختم الشاعر نصه بعبارة بليغة: "وعملقت جدران العزلة".
إنها مفارقة ذكية؛ فبقدر ما صغرت الهواتف الذكية وسهلت الاتصال، بقدر ما تضخمت وعملقت الجدران النفسية بين البشر. "الشلل" الذي ذكره الشاعر ليس شللاً في الأطراف، بل هو شلل في الإرادة، وفي القدرة على التواصل الحي، وفي القدرة على الشعور بالحياة خارج حدود الإطار الزجاجي الصغير.
خاتمة نقدية
قصيدة (فيروس العزلة) هي وثيقة إدانة أدبية للزمن الرقمي. استطاع كاظم حسن سعيد من خلال لغة رشيقة وصور صادمة أن يعيد تعريف "الوحدة" في العصر الحديث. هي ليست وحدة غياب البشر، بل هي وحدة الحضور الغائب. نص يضعنا أمام مرآة الحقيقة لنسأل أنفسنا: هل نحن نملك هواتفنا، أم أنها هي التي باتت تسكننا وتقبض على أرواحنا.
دكتور عادل جودة / العراق
كركوك



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانسان المعاصر في قفص الشاشة
- الحس التصويري في صناعة المشهد السينمائي
- رحلة كونية تبدا من شموخ الف عام
- رحلة كونية تبدا من شموخ الالف عام
- الشجرة المعمرة
- الوجع يرتدي رداء الكلمات
- تجسيد القدر
- التكثيف في ( لحظات إلى السوق)
- لحظات إلى السوق
- انتقال السلطة من الاندفاع إلى الحذر
- إزاحة الدلالة الزمنية بين الحاضر والماضي
- فلسفة الوجع من الافتراس إلى السكري
- بعد شيخوخة الجسد
- صراع القلاع والوحوش قراءة في نص إباحة المحارم
- إباحة المحارم
- مسخ روحي
- كتاب ( المساحة السيكولوجية في شعر البريكان) ج١
- محدوية نقد الذكاء الصناعي
- تحليل الذكاء الصناعي لنص ادبي
- فيروس العزلة


المزيد.....




- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...
- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
- عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية ...
- كأس الأمم الأفريقية: مدرب ساحل العاج :- المنتخب المصري لا يج ...
- بين الفيلم والرواية: أعمال فنية كشفت حدود الخيانة الإبداعية ...
- الفيلم التونسي-صوت هند رجب- ينضم إلى القائمة الطويلة لجوائز ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - المصهرة الخفية كتاب كامل