أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية















المزيد.....


التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 03:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من جهاز إدارة إلى أداة صراع طبقي

الوثيقة الثامنة في إعادة التأسيس الشيوعي في العراق

د. علي عبد الرضا طبله
12كانون الأول/ديسمبر 2025

تمهيد: حين يصبح التنظيم مسألة حياة أو زوال

لم تعد مسألة التنظيم في الحزب الشيوعي العراقي شأناً داخلياً يمكن تأجيله أو إدارته بالصبر والتكيّف. لقد تحوّلت، بفعل تراكم طويل من الإخفاقات والصمت والتطبيع مع الخلل، إلى مسألة وجودية تتعلق بقدرة الحزب على البقاء قوةً حيّة في المجتمع، أو تحوّله التدريجي إلى إطار رمزي بلا فعالية تاريخية.

لقد أثبتت التجربة، بوضوح لا يقبل الإنكار، أنّ الأزمات التي ناقشتها الوثائق السابقة — أزمة الحاضنة الاجتماعية، مأزق التحالفات، تعطّل النقد والنقد الذاتي، شيخوخة القاعدة، اغتراب الشباب والنساء — لا تقف عند حدود التحليل السياسي، بل تصطدم في كل مرة بالبنية التنظيمية نفسها. بنية لم تُصمَّم، أو لم تعد قادرة، على استيعاب التحوّلات الاجتماعية العميقة، ولا على إدارة الصراع الطبقي في شروط جديدة، ولا على إنتاج قيادة جماعية تخضع للمساءلة وتملك الشجاعة على التصحيح.

في المنهج الماركسي–اللينيني، التنظيم ليس أداة محايدة، ولا شكلاً تقنياً قابلاً للفصل عن المضمون السياسي. التنظيم هو تجسيد مادي لعلاقة الحزب بطبقته، ولطبيعة القيادة، ولمفهوم الديمقراطية، ولمستوى الثقة بين القاعدة والهيئات. وحين يختل هذا التجسيد، لا يبقى الخلل إدارياً، بل يتحوّل إلى عامل كابح لأي مشروع تحرّري، مهما كانت لغته راديكالية.

إنّ الحزب الذي يُدار بعقلية “الحفاظ على الموجود” بدل عقلية “بناء الممكن”، والذي تُختزل فيه الديمقراطية في إجراءات شكلية، والذي تُمارَس فيه المركزية بوصفها ضبطاً لا توحيداً، لا يمكنه أن يكون أداة صراع طبقي في مجتمع يعجّ بالتناقضات والانفجارات المؤجّلة. في مثل هذا الحزب، تتحوّل القيادة إلى وظيفة، والانضباط إلى صمت، والنقاش إلى خطر، والاختلاف إلى تهديد.

هذه الوثيقة لا تُكتب لإدانة أشخاص، ولا لتصفية حسابات، ولا لتقديم نموذج تنظيمي جاهز يُستنسخ. تُكتب لأنّ إعادة التأسيس الشيوعي، إذا لم تبدأ من إعادة التفكير الجذري في التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية، ستبقى محكومة بإعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة. فالحزب لا ينهار فجأة؛ هو يتآكل حين يتوقف عن تعلّم ذاته.

من هنا، فإنّ هذه الوثيقة تطرح السؤال المركزي بلا مواربة:
هل تنظيمنا الحالي يخدم مشروعاً شيوعياً تحرّرياً في عراق اليوم، أم أنّه بات يحدّد سقفه ويقيّده؟

أولاً: التنظيم بوصفه علاقة اجتماعية لا جهازاً إدارياً

في التصور الماركسي، التنظيم ليس مكتباً، ولا مقراً، ولا سلسلة هيئات متراكبة. التنظيم هو علاقة حيّة بين الحزب وطبقته، علاقة تتغذّى من الاحتكاك اليومي بالواقع الاجتماعي، وتُعاد صياغتها باستمرار وفق تحوّلات هذا الواقع. حين ينفصل التنظيم عن هذه العلاقة، يتحوّل تلقائياً إلى جهاز إداري، مهمته الأساسية إدارة أعضائه لا تنظيم صراعهم.

في التجربة العراقية، وبفعل القمع الطويل، والمنفى، والعمل السري، ثم الانتقال المفاجئ إلى العلنية بعد 2003، تشكّلت بنية تنظيمية هجينة. بنية تحمل في داخلها آثار السرية والانغلاق من جهة، وعادات العمل الإداري العلني من جهة أخرى، من دون أن تُنجز قطيعة نقدية حقيقية مع أيٍّ منهما. وبدلاً من إعادة بناء التنظيم على أساس اجتماعي جديد، جرى في كثير من الأحيان الاكتفاء بتوسيع الشكل القديم، أو ترقيعه، أو إدارته بمرونة شكلية.

النتيجة كانت واضحة: تنظيم يزداد تعقيداً من حيث الهيئات، لكنه يضعف من حيث الجذور؛ تنظيم يكثر فيه الاجتماع، ويقلّ فيه التنظيم الفعلي؛ تنظيم يعرف كيف يُصدر بياناً، لكنه لا يعرف دائماً كيف يُنتج فعلاً اجتماعياً مستداماً.

حين يُختزل التنظيم في المقرّ، يُختزل الحزب في الإدارة. وحين تُقاس “قوة” التنظيم بعدد الاجتماعات أو انتظام التقارير، تُفقد البوصلة الطبقية. فالتنظيم الثوري لا يُقاس بمدى انضباطه الشكلي، بل بقدرته على تحويل التناقض الاجتماعي إلى فعل سياسي منظَّم.

هذا التحوّل من التنظيم بوصفه علاقة إلى التنظيم بوصفه جهازاً هو أحد أخطر ما أصاب الحزب. لأن الجهاز، بطبيعته، يسعى إلى الاستقرار، وإلى حماية ذاته، وإلى تقليل المخاطر. أمّا التنظيم الطبقي، فيسعى إلى الصدام، وإلى التوسّع، وإلى خوض المخاطر المحسوبة. وحين تنتصر عقلية الجهاز، تصبح المغامرة السياسية خطأً، والنقد تهديداً، والعمل القاعدي عبئاً.

في هذه اللحظة، لا يعود التنظيم وسيلة لتحرير الطبقة، بل يتحوّل — من حيث لا يقصد — إلى آلية لضبط أعضائه داخل حدود آمنة، لا تُغضب أحداً ولا تُربك التوازنات القائمة.

ثانياً: القيادة بين التمثيل الطبقي وإعادة إنتاج الذات

في المنهج الماركسي–اللينيني، القيادة ليست امتيازاً تنظيمياً ولا موقعاً دائماً، بل وظيفة تاريخية مشروطة بقدرتها على التعبير المكثّف عن خبرة الطبقة، وعن مستوى وعيها، وعن اتجاه صراعها. القيادة ليست فوق الحزب، ولا بديلاً عنه، ولا وصيةً عليه، بل هي جزء من حركته الجدلية: تتقدّم معه حين يصعد، وتُحاسَب حين يخطئ، وتتغيّر حين تتغيّر الشروط.

ما شهدته التجربة الشيوعية العراقية، عبر عقود طويلة، هو انتقال تدريجي من هذا الفهم إلى فهم آخر أكثر خطورة: القيادة بوصفها استمرارية تنظيمية بحد ذاتها. أي أن تتحوّل القيادة من أداة تمثيل إلى بنية تعيد إنتاج نفسها، لا بالضرورة عبر الكفاءة أو الرؤية أو التجديد، بل عبر التحكم في الآليات، وفي الإيقاع الداخلي، وفي مفاتيح القرار.

هذا التحوّل لم يحدث دفعة واحدة، ولم يكن مؤامرة، بل كان نتاج ظروف قاسية: القمع، السرية، الاستشهاد، المنافي، ثم الانفتاح المشوَّه بعد 2003. لكن النتيجة الموضوعية واحدة: تضاؤل العلاقة الحيّة بين القيادة والقاعدة، وتحول الكثير من الرفاق إلى متلقّين للقرار لا شركاء في صناعته.

حين تنقطع القيادة عن القاعدة الاجتماعية التي يفترض أنها تمثّلها، تبدأ لغة الحزب بالتغيّر. تُستبدل لغة الصراع بلغة الإدارة، ولغة الاحتمال بلغة “الواقعية”، ولغة التحريض بلغة “الحذر”. ومع الوقت، تُعاد صياغة مفهوم المسؤولية نفسه: لا يعود المسؤول هو من يفتح أفقاً جديداً، بل من “يحافظ على التوازن” ويمنع الانفجار الداخلي.

هنا تظهر إحدى أخطر المفارقات: قيادة تُطالب القاعدة بالصبر والتضحية والانضباط، لكنها لا تُخضع نفسها بالدرجة نفسها للنقد والمساءلة. ويُعاد تعريف الديمقراطية الداخلية بوصفها حقاً في النقاش، لا حقاً في التأثير. يُسمح بالكلام، لكن القرار يبقى محكوماً بسقوف غير معلنة.

القيادة التي لا تتغيّر، حتى حين يتغيّر المجتمع، تفقد تدريجياً قدرتها على قراءة الواقع. لا لأنها تفتقر إلى الذكاء أو الإخلاص، بل لأنها تصبح أسيرة تجربتها الخاصة، وأسيرة منطق الاستمرار. وفي هذه الحالة، تتحوّل الخبرة من رصيد إلى عبء، ومن ذاكرة حيّة إلى مرجعية مغلقة.

إعادة التأسيس الشيوعي تفرض إعادة طرح سؤال القيادة من جذوره:
هل القيادة تعبير عن حركة المجتمع، أم أن المجتمع يُطالَب بالتكيّف مع إيقاع القيادة؟
هل القيادة تُنتج كوادر جديدة، أم تحيط نفسها بدائرة مأمونة؟
هل القيادة ترى النقد ضرورة لبقائها، أم خطراً على موقعها؟

من دون مواجهة هذه الأسئلة بصدق، سيبقى الحديث عن تجديد الحزب شكلياً، مهما تغيّرت الوجوه أو الهياكل.

ثالثاً: الديمقراطية الداخلية بين الشكل والمضمون

الديمقراطية الداخلية ليست آلية انتخابية، ولا جدول اجتماعات، ولا لوائح تنظيمية تُستحضَر عند الحاجة. هي، في جوهرها، طريقة حياة سياسية داخل الحزب، تعكس مستوى الثقة بين الرفاق، وتحدّد كيفية إدارة الخلاف، وتكشف موقع القاعدة في صناعة القرار.

في كثير من المحطات، جرى التعامل مع الديمقراطية الداخلية بوصفها توازناً حساساً يجب “إدارته”، لا ممارسة يجب تعميقها. تُفتح النقاشات في أوقات محدّدة، وتُغلق حين تقترب من الأسئلة الجوهرية. يُشجَّع النقد ما دام لا يمسّ البنية، ويُحاصَر حين يقترب من الخيارات الاستراتيجية أو من تقييم القيادة.

بهذا المعنى، تتحوّل الديمقراطية إلى طقس، لا إلى قوة. تُمارَس في القاعات، لكنها لا تنعكس في السياسات. تُكتب في الأنظمة، لكنها لا تُترجم في الواقع. وحين يحدث ذلك، يبدأ الرفاق بالشعور بأن مشاركتهم شكلية، وأن الاختلاف الحقيقي غير مرحّب به.

الديمقراطية التي لا تغيّر شيئاً تُنتج نتيجتين خطيرتين: إمّا اللامبالاة، وإمّا الانفجار. اللامبالاة حين يقتنع الرفيق بأن صوته لا أثر له، والانفجار حين يُدفَع النقد إلى الخارج، فيتحوّل إلى قطيعة أو مواجهة علنية.

المنهج اللينيني لم يرَ في الديمقراطية نقيضاً للمركزية، بل شرطها. المركزية الواعية لا تُبنى على الصمت، بل على نقاش مفتوح يفضي إلى قرار مُلزِم. أمّا المركزية التي تُفرَض على قاعدة غير مقتنعة، فهي ليست مركزية ثورية، بل إدارة فوقية قصيرة النفس.

حين تُفصل الديمقراطية عن القرار، يتحوّل الحزب إلى هرم صلب من الخارج، هشّ من الداخل. يبدو متماسكاً، لكنه يفتقد الحيوية، ويعجز عن استيعاب الصدمات.

رابعاً: الانضباط، الطاعة، والالتزام الطبقي

حين يُخلط بين الضرورة الثورية والخضوع الصامت

الانضباط في الحزب الشيوعي ليس قيمة أخلاقية مجرّدة، ولا تدريباً عسكرياً، ولا طاعةً عمياء لقرارات تصدر من فوق. الانضباط، في المنهج الماركسي–اللينيني، هو التزام واعٍ ببرنامج طبقي، وبقرار اتُّخذ بعد نقاش حقيقي، وبهدف يخدم مصلحة الصراع لا راحة القيادة. حين يُفصل الانضباط عن الوعي، يتحوّل إلى نقيضه: خضوع. وحين يُفصل عن البرنامج، يتحوّل إلى أداة ضبط إداري.

في التجربة العراقية، تكرّس مع الزمن خلطٌ خطير بين الانضباط والطاعة. صار يُطالَب الرفيق بالانضباط حتى في غياب نقاش، وبالالتزام حتى في غياب قناعة، وبالصمت حتى حين يكون الصمت شكلاً من أشكال التواطؤ مع الخطأ. وتحت عناوين مثل “الظرف الحساس”، و“عدم شق الصف”، و“المرحلة لا تحتمل”، جرى تهميش النقد، لا بوصفه موقفاً خاطئاً، بل بوصفه تهديداً للانضباط.

لكن الحزب الثوري لا يقوم على الطاعة، بل على الالتزام الطبقي الواعي. الفرق بينهما جوهري. الطاعة تُنتج أفراداً منضبطين شكلياً، لكنهم منفصلون داخلياً عن القرار. أمّا الالتزام الطبقي فيُنتج مناضلين قادرين على الدفاع عن القرار لأنهم شاركوا في صناعته، وفهموا ضرورته، واقتنعوا بأهدافه.

حين يُستبدَل الالتزام بالطاعة، تبدأ آثار التآكل بالظهور. يطيع الرفيق في العلن، ويبتعد في السر. يلتزم في الاجتماعات، ويصمت في الواقع. ومع الوقت، يتحوّل الانضباط من قوة توحيد إلى أداة فرز: من يطيع يبقى، ومن يسأل يُشكَّك في ولائه.

هذا النمط لا يحمي الحزب، بل يضعف مناعته. فالحزب الذي لا يسمع النقد من داخله، سيسمعه من خارجه، ولكن في صيغة أكثر حدّة وأقل مسؤولية. والحزب الذي يدرّب رفاقه على الصمت، لا يمكنه أن يدرّبهم على قيادة المجتمع.

إعادة التأسيس الشيوعي تقتضي إعادة تعريف الانضباط تعريفاً ثورياً: انضباط يقوم على النقاش، وعلى الشفافية، وعلى حق الرفيق في الاعتراض المنظّم، وعلى واجبه في الالتزام بالقرار بعد حسمه، لا قبل ذلك.

خامساً: التحالفات بعد 2003

من الضرورة السياسية إلى تمييع الهوية الطبقية

بعد 2003، دخل الحزب الشيوعي العراقي مرحلة جديدة ظاهرياً، لكنها أعادت إنتاج إشكالات قديمة بصيغ مختلفة. الانفتاح السياسي، والعمل العلني، والمشاركة الانتخابية، والتحالفات الواسعة، قُدّمت جميعها بوصفها فرصاً لإعادة الحضور والتأثير. لكن السؤال الذي لم يُحسم نظرياً وعملياً هو: بأي ثمن؟

في واقع دولة ريعية–طائفية–فصائلية، لا تقوم السياسة على البرامج، بل على توازنات القوة والمال والسلاح. الدخول في هذا الحقل من دون قاعدة طبقية منظّمة، ومن دون استقلال اقتصادي–اجتماعي، يجعل أي حزب يساري عرضة لأن يتحوّل إلى ملحق تجميلي، يُستدعى عند الحاجة ويُستبعَد عند أول تعارض مصالح.

التحالفات الانتخابية التي خاضها الحزب، تحت عناوين “المدنية” و“الإصلاح” و“كسر الطائفية”، لم تكن خطأً في ذاتها، لكن الخطأ كان في التعامل معها بوصفها بديلاً عن بناء القوة الاجتماعية. جرى تقديم التحالف كطريق مختصر إلى الجماهير، بدل أن يكون أداة مؤقتة تخدم مشروعاً طبقياً واضحاً.

ومع كل دورة انتخابية مخيّبة، كان يُعاد إنتاج الخطاب نفسه: الظروف لم تنضج، الناس لم تصوّت، المال السياسي أقوى، الطائفية ما زالت حاضرة. وكل ذلك صحيح جزئياً، لكنه يُستخدم غالباً لتجنّب السؤال الأصعب: ماذا قدّم الحزب، فعلياً، للكادحين خارج موسم الانتخابات؟

التحالف الذي لا يُنتج تنظيماً، ولا يُراكم وعياً، ولا يحمي استقلال الحزب، هو تحالف يستهلك الحزب أكثر مما يخدمه. ومع الزمن، يبدأ الحزب بتعديل لغته، وتخفيف حدّته الطبقية، وتقديم نفسه بوصفه “قوة عقلانية” لا “قوة صراع”، طلباً للقبول داخل التحالف.

وهنا تُدفَع أثمان غير مرئية: تمييع الهوية، إرباك القاعدة، إضعاف الثقة الداخلية، وتحويل السياسة إلى إدارة توازنات لا إلى مشروع تغيير.

سادساً: التحالف والاقتصاد الريعي

كيف يُنتج الريع وعياً سياسياً مشوّهاً

لا يمكن فهم أزمة التحالفات في العراق من دون ربطها بطبيعة الاقتصاد الريعي. في الاقتصاد الريعي، لا تُبنى السلطة على الإنتاج، بل على توزيع الريع. ولا تُبنى السياسة على الصراع الطبقي المباشر، بل على الزبائنية، والوساطة، والولاءات المتحركة.

في هذا السياق، تصبح التحالفات السياسية انعكاساً لبنية الريع نفسها: تحالفات هشة، قصيرة الأمد، تقوم على تقاسم المواقع لا على وحدة البرنامج. الحزب الذي يدخل هذا الحقل من دون قاعدة إنتاجية، ومن دون امتداد نقابي–اجتماعي، يجد نفسه مضطراً للتكيّف مع منطق الريع، ولو جزئياً.

وهنا يكمن الخطر الأكبر: الريع لا يشوّه الاقتصاد فقط، بل يشوّه الوعي. يُضعف فكرة التنظيم طويل النفس، ويعزّز ثقافة الحلول السريعة، والرهان على “الفرصة”، والبحث عن اختراق من فوق. في مثل هذا المناخ، يُعاد إنتاج وهم التحالفات الوطنية، بوصفها طريقاً مختصراً لتعويض ضعف القاعدة.

لكن الريع لا يمنح حلفاء، بل مستخدمين مؤقتين. وحين تنتهي الحاجة، يُستبعَد من لا يملك قوة ذاتية.

سابعاً: التحالف والثقافة التنظيمية الداخلية

كيف يُعيد التحالف تشكيل الحزب من الداخل

التحالفات لا تؤثّر فقط في موقع الحزب الخارجي، بل تعيد تشكيل ثقافته الداخلية. حين يصبح التحالف أولوية دائمة، يبدأ الحزب بتكييف إيقاعه الداخلي مع إيقاع شركائه. تُؤجَّل النقاشات، تُخفَّف الصياغات، تُؤطَّر الخلافات بوصفها “غير مناسبة في هذا التوقيت”.

ومع الوقت، يتعلّم الرفاق كيف يراقبون لغتهم، وكيف يكيّفون نقدهم، وكيف يفرّقون بين ما يُقال داخلياً وما يُقال علناً. هذه الازدواجية تُنتج ثقافة حذرة، لا ثقافة ثورية. ثقافة إدارة صورة، لا ثقافة صراع.

الحزب الذي يعيش طويلاً داخل تحالفات غير متكافئة، يبدأ بفقدان ثقته بذاته. يصبح وجوده مرهوناً برضا الآخر، لا بقدرته على المبادرة. ومع كل خيبة، يُعاد طرح السؤال نفسه، لكن من دون تغيير في المنهج.

ثامناً: ثمن التحالف

لماذا كان الثمن دائماً من دم الحزب؟

في كل التجارب الكبرى للتحالفات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، كان الثمن يُدفَع من جهة واحدة في النهاية. من كوادر الحزب، من قواعده، من مناضليه، من شهدائه. لم يكن ذلك لأن الآخرين أكثر شراً أخلاقياً، بل لأن ميزان القوة كان مختلاً منذ البداية.

التحالف مع قوة لا تشاركك البرنامج الطبقي، ولا ترى فيك شريكاً استراتيجياً، سيؤدّي حتماً إلى لحظة يُعاد فيها تعريف الصراع. وعندها، يكون الحزب الشيوعي هو الحلقة الأضعف.

هذه ليست قراءة قدرية، بل خلاصة تجربة مكتوبة بالدم. تجاهلها، أو تبريرها، أو التعامل معها بوصفها “أخطاء مرحلة”، هو إعادة إنتاج للخطر نفسه.


تاسعاً: التحالفات، الدولة، والطبقة

في نقد التجربة الشيوعية العراقية

التحالف والدولة: حين يُبنى القرار السياسي فوق فراغ سيادي

لا يمكن فهم تاريخ التحالفات في التجربة الشيوعية العراقية من دون التوقّف عند حقيقة غالبًا ما جرى القفز فوقها:
أن معظم هذه التحالفات لم تُعقد في ظل دولة وطنية مستقرة، ولا داخل نظام سياسي يمتلك سيادة فعلية، ولا ضمن إطار مؤسسي محايد يمكن الرهان عليه.

منذ العهد الملكي، مرورًا بالجمهوريات المتعاقبة، وصولًا إلى ما بعد 2003، لم تكن الدولة العراقية فضاءً مشتركًا للصراع الطبقي المنظّم، بل كانت، في معظم مراحلها، إما دولة قمعية مغلقة، أو دولة هشّة مخترقة، أو دولة ريعية تُدار من خارج منطق الإنتاج والمواطنة.

في هذا السياق، لم يكن التحالف السياسي يجري بين قوى تتنافس داخل دولة، بل بين قوى تتحرك فوق أرض رخوة، تتغيّر قواعدها مع كل انقلاب أو حرب أو تدخل خارجي. وهنا تكمن خطورة التحالف: حين يُبنى القرار السياسي فوق فراغ سيادي، يتحوّل التحالف من أداة تكتيكية إلى مقامرة وجودية.

الحزب الشيوعي، في أكثر من محطة، دخل تحالفات وهو يفترض – صراحة أو ضمنًا – أن الدولة ستكون لاحقًا حكمًا، أو ضامنًا، أو إطارًا يمكن إعادة تشكيله. لكن التجربة أثبتت مرارًا أن الدولة نفسها كانت جزءًا من المشكلة، لا أداة للحل. الدولة لم تحمِ التحالف، ولم تحمِ الحزب، ولم تحمِ الطبقة العاملة. بل كانت، في لحظات حاسمة، الأداة التي استُخدمت لسحق طرف وتحالف آخر.

حين تُغيب هذه الحقيقة، يتحوّل التحالف إلى رهان على بنية غير موجودة. وحين يُغفل السؤال عن طبيعة الدولة، يصبح النقاش حول التحالف نقاشًا أخلاقيًا أو سياسيًا مجردًا، لا تحليلًا ماديًا.

التحالف الذي لا يُبنى على قراءة صارمة لطبيعة الدولة القائمة، ولمدى سيادتها، ولمواقع القوة داخلها، هو تحالف أعمى. والتجربة العراقية، بكل دمائها، تؤكد أن هذا العمى كان قاتلًا.

التحالف وصورة الحزب في الوعي الشعبي: من الاستقلال إلى الالتباس

التحالفات لا تُقاس فقط بما تحققه داخل غرف السياسة، بل بما تتركه في وعي الناس. فالحزب الشيوعي، بحكم تاريخه وتضحياته، لم يكن مجرد تنظيم سياسي، بل كان رمزًا للاستقلال والنزاهة والانحياز للكادحين. هذه الصورة لم تُصنع بالدعاية، بل دُفعت ثمنًا في السجون والمنافي والدم.

لكن كل تحالف غير متكافئ ترك أثره التراكمي على هذه الصورة. ليس دفعة واحدة، بل بالتدريج. بدأ الالتباس يتسلّل:
هل الحزب مستقل فعلًا؟
هل قراره نابع من طبقته أم من حسابات انتخابية؟
هل هو صوت الكادحين أم ملحق بتحالف أوسع؟

في مجتمع منهك، فقير، ومُخدَّر بالهويات الفرعية، لا تُقرأ التحالفات بعيون نظرية. تُقرأ بعيون الشارع. والشارع لا يُكافئ التعقيد السياسي، بل يلتقط الإشارة البسيطة: من مع من؟ ولماذا؟ وعلى حساب من؟

هكذا، ومع تكرار التحالفات، بدأ الحزب يخسر إحدى أثمن أدواته: وضوح الموقع. لم يتحوّل إلى حزب انتهازي، لكنه لم يعد يُرى دائمًا بوصفه الحزب الذي “لا يساوم”. وهذا التحوّل في الصورة كان له ثمن سياسي واجتماعي أكبر من أي مكسب انتخابي عابر.

التحالف الذي لا يحافظ على وضوح الهوية الطبقية، لا يربك الخصوم فقط، بل يربك القاعدة الاجتماعية نفسها. والارتباك، حين يطول، يتحوّل إلى لا مبالاة. ولا مبالاة الجماهير أخطر من عدائها.

المثقف والتحالف: حين تتحوّل الواقعية إلى تبرير دائم

لا يمكن تجاهل دور بعض المثقفين الشيوعيين واليساريين في إنتاج خطاب يُجمّل التحالفات أو يبرّرها نظريًا، لا انطلاقًا من تحليل طبقي صارم، بل من منطق “الواقعية السياسية” المجرّدة.

في هذا الخطاب، تُستدعى مفاهيم مثل:
المرحلة،
ميزان القوى،
الممكن السياسي،
تفادي العزلة،
الخيار الأقل سوءًا.

هذه المفاهيم ليست خاطئة في ذاتها. لكنها تصبح خطرة حين تُستخدم باستمرار لتبرير كل تحالف، أيًّا كان ثمنه، ومن دون مراجعة حقيقية للنتائج. هنا تتحوّل الواقعية من أداة تحليل إلى أيديولوجيا تبريرية.

المثقف الذي يفصل التحليل عن الدم، والسياسة عن السجون، والتحالف عن مصير الكوادر، يتحوّل – من حيث لا يريد – إلى مُنتِج خطاب يُسهّل القرارات الخطرة بدل أن يختبرها. لا يشارك في القمع، لكنه يشارك في شرعنته غير المباشرة.

هذا لا يعني شيطنة المثقفين، ولا إنكار دورهم، بل إعادة وضعهم في موقعهم الصحيح:
المثقف الشيوعي ليس محامي التحالف، بل ناقده الأول.
ليس مبرّر القرار، بل كاشف تناقضاته.
ليس منتج الطمأنينة، بل مُقلقها الخلّاق.

حين يُستعاد هذا الدور، يصبح المثقف عنصر حماية للحزب، لا عنصر تطبيع مع المخاطر.

التحالف في التجارب العربية: درس لم يُقرأ بما يكفي

التجربة العراقية ليست استثناءً. في أكثر من بلد عربي، دخلت الأحزاب الشيوعية تحالفات تحت عناوين وطنية أو ديمقراطية أو تحررية، وانتهى الأمر غالبًا إلى النتيجة نفسها:
إضعاف الحزب،
تفكيك تنظيمه،
وتحميله ثمنًا لم يدفعه حلفاؤه.

في السودان،
في سوريا،
في مصر،
وفي تجارب أخرى، تكرّر النمط ذاته:
تحالف مع قوى لا تشترك في المشروع الطبقي،
رهان على دولة أو سلطة أو جيش،
ثم انكشاف التحالف عند أول منعطف.

هذه التجارب ليست مادة مقارنة أكاديمية، بل تحذير تاريخي. وهي تقول بوضوح:
المشكلة ليست في “سوء التطبيق”،
بل في الخلل البنيوي للتحالف حين يُفصل عن الطبقة والتنظيم.

من لا يتعلّم من تجارب غيره، سيُجبر على إعادة التجربة بثمن أعلى.

الخاتمة التأسيسية للوثيقة الثامنة

هذه الوثيقة لا تُكتب لتُغلق ملف التحالفات، بل لتضعه أخيرًا على أرض صلبة.
لا لتقول “لا للتحالف” كشعار، ولا لتقول “نعم للتحالف” كقاعدة، بل لتعيد السؤال إلى مكانه الصحيح:
أي تحالف؟ ولمصلحة من؟ وبأي ثمن؟ وتحت أي شروط؟

التحالف، حين يُفصل عن الطبقة، يصبح خطرًا.
وحين يُفصل عن التنظيم، يصبح مقامرة.
وحين يُفصل عن النقد، يتحوّل إلى مسار انحداري.

إعادة التأسيس الشيوعي في العراق لا يمكن أن تكتمل ما لم يُحسم هذا الدرس تاريخيًا. لا حنينًا، ولا ندمًا، بل وعيًا.
وعيًا بأن الحزب الذي لا يبني قوته من قاعدته الاجتماعية، سيبحث دائمًا عن حماية خارجها.
ووعيًا بأن الحماية الخارجية لا تحمي أحدًا حين تبدأ المذبحة.

من هنا، لا تُختَتم هذه الوثيقة بإجابة نهائية، بل بقاعدة عمل:
التحالف ليس بديلًا عن الحزب،
ولا تعويضًا عن الطبقة،
ولا مخرجًا من الضعف.

التحالف، إن لم يكن خاضعًا لميزان طبقي صارم،
سيُعيد إنتاج المأساة،
ولو بأسماء جديدة.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
- بين فنزويلا والعراق
- من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
- الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
- من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
- النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
- قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع ...
- من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
- الهوية بين الأصالة والدونية
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ...
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ...
- إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف ...
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ...
- الوثيقة الثالثة: تشخيصُ السيادة والدين والطبقة في عراق ما بع ...
- الوثيقة الثانية: تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
- تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
- ماذا يريد الشيوعيون؟
- الوثيقة المركزية لإعادة التأسيس الشيوعي في العراق - يا شيوعي ...
- لماذا خسر الحزب؟ وما الذي يجب فعله الآن؟
- العودة إلى الطبقة: في إعادة تأسيس الحركة الشيوعية العراقية د ...


المزيد.....




- -صومالي لاند- ترد على بيان الصومال بشأن الاتفاقيات مع الإمار ...
- محادثات موسعة بين الهند وألمانيا.. واتفاقيات لتعزيز الصناعات ...
- البنتاغون استخدم طائرة عسكرية مموهة بهجوم على قارب مخدرات
- حكام إيران يواجهون أكبر تحد منذ ثورة عام 1979
- مقتل 7 من الشرطة الباكستانية بانفجار عبوة ناسفة
- أكسيوس: ما تجب معرفته عن خيارات التدخل الأميركي المحتمل بإير ...
- -جنون تام-.. كيف تصطدم أحلام ترامب بشأن -كنوز- غرينلاند بالو ...
- كيف سيواجه النظام الإيراني الاحتجاجات بعد تهديدات ترامب؟.. خ ...
- مظاهرات مؤيدة للحكومة في ظل تواصل الاحتجاجات في إيران
- هجوم للدعم السريع يخلف 27 قتيلا بسنار شرقي السودان


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية