حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 00:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يُردَّد كثيرًا في الخطابَين الرسمي والإعلامي تعبير: «إخواننا الكُرد، والكُرد في عيوننا، والكُرد مكوّن أصيل في سورية». غير أنّ هذا الخطاب يفقد معناه كليًا حين يتناقض بصورة فاضحة مع الوقائع على الأرض. فكيف يكون الكُرد «إخوة» بينما يُقتلون بدمٍ بارد، وتُنفَّذ بحقهم إعدامات ميدانية، ويُنكَّل بجثامينهم، بعد أن سبقتهم حملات قتل وتنكيل طالت العلويين، ثم الدروز، وها هي اليوم تطال الكُرد؟
إنّ ما يجري لا يمكن توصيفه إلا بوصفه جرائم جسيمة تُرتكب على أساس الهوية، لا يُستثنى منها طفل ولا شيخ، ولا تُراعى فيها أي معايير قانونية أو أخلاقية. والادعاء بالأخوّة في ظل هذه الممارسات لا يعدو كونه ستارًا لغويًا لتبرير العنف والإقصاء، ومحاولة لتجميل واقعٍ دمويٍّ لا يقبل التأويل.
وفي هذا السياق، يبرز سؤالٌ مشروع:
ألا يرى المبعوث الأميركي توماس باراك ما يجري من انتهاكات خطيرة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية؟ وعلى أي أساس يُشاد أو يُروَّج لاتفاقات أو مسارات تفاوض مع سلطة تُوجَّه إليها اتهامات بانتهاكات موثّقة، تصل إلى حدّ إلقاء جثمان فتاة من أحد الطوابق العليا، في حادثة تهزّ الضمير الإنساني، وتكشف مستوى الانفلات الأخلاقي والأمني؟
كما يثير الصمت أو التواطؤ الإعلامي العربي تساؤلاتٍ لا تقلّ خطورة، إزاء ما يُرتكب من انتهاكات وجرائم بحق المدنيين منذ ليلة أمس وحتى اللحظة، على يد جماعات متطرفة وفصائل مسلّحة معروفة. فكيف يمكن لوسائل إعلام تدّعي المهنية أن تتجاهل جرائم تُرتكب أمام عدسات الكاميرات، أو أن تمرّ عليها مرورًا عابرًا، أو أن تعمد إلى تبريرها أو تحريف سياقها؟
إنّ تغييب الحقيقة، أو قلبها رأسًا على عقب، لا يقلّ خطورة عن الجريمة ذاتها، بل يساهم في توفير غطاءٍ لاستمرارها. وما يحدث في الشيخ مقصود والأشرفية من انتهاكات داخل الأحياء والمنازل، وعمليات تصفية على الهوية، لا يمكن إنكاره أو تبريره أو التغطية عليه بأي خطاب سياسي أو إعلامي. فالصمت أمام هذه الوقائع هو مشاركة غير مباشرة في إدامتها.
وأمام هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال أكبر لا يمكن الهروب منه:
أين المجتمع الدولي؟
أين المنظمات الحقوقية، ولا سيّما تلك المعنية بحماية المدنيين؟
وأين التحالف الدولي الذي أُنشئ لمحاربة التنظيمات المتطرفة والإرهابية؟
أليس من يرتكب اليوم هذه الجرائم بحق الكُرد، وبحق المدنيين السوريين عمومًا، يدخل صراحةً في تعريف الإرهاب، مهما بدّل خطابه أو غلّف أفعاله بشعارات سياسية أو دينية؟
إنّ العدالة لا تتجزأ، وحقوق الإنسان لا تُقاس بالانتماء العرقي أو الديني. وما لم تتم مساءلة مرتكبي هذه الجرائم، والكشف عنها بوضوح وشفافية، فإن الحديث عن دولة، أو شراكة وطنية، أو مصالحة حقيقية، سيبقى مجرّد شعارات خاوية لا سند لها في الواقع.
#حجي_قادو (هاشتاغ)
Haji_Qado#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟