أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق العربي















المزيد.....


انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق العربي


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 22:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في فضاء ما بعد الهيمنة

عندما يُصاب الجبار بالترنُّح، فإن العالم بأسره يلتقط أنفاسه المعلَّقة بين الفجيعة والأمل. ها هو النظام العالمي الذي تشكّل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ثم تعاظم بعد سقوط جدار برلين، يُعاني اليوم من ارتجافات وجودية. ليست هذه لحظة عابرة في تقلّبات السياسة الدولية، بل هي هزة جيولوجية في صفائح القوة التي ظلّت مستقرة لعقود. فما تشهده ساحات المشرق العربي من حروب بين حلفاء الأمس، وتقاطعات مصالح متشابكة، وتصدّعات في التحالفات التقليدية، ليس إلا انعكاساً سطحياً لتحوّلات عميقة في بنية القوة العالمية.

البنية التحتية للهيمنة الأمريكية

أسس الإمبراطورية غير المُعلنة

لقد قامت الهيمنة الأمريكية على ركائز ثلاث: القوة العسكرية الساحقة، والهيمنة المالية عبر الدولار، والتفوّق الثقافي والإعلامي. كانت أمريكا بعد الحرب الباردة تمثّل "الدولة الضرورية" التي لا غنى عنها للنظام الدولي، أو هكذا روّجت لنفسها. وكان الوطن العربي، بثرواته النفطية وموقعه الجيواستراتيجي، حجر الزاوية في هذه الهيمنة. من هنا، أصبحت حماية الكيان الصهيوني، وضمان تدفق النفط، ومحاربة أي قوة إقليمية صاعدة، أهدافاً غير قابلة للمساومة في الاستراتيجية الأمريكية.

الشراكة الصهيو-أمريكية: تشابك المصالح والهويات

تطوّرت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب من تحالف تكتيكي إلى اندماج استراتيجي شبه عضوي. لقد تجاوزت هذه العلاقة منطق المصالح إلى مستوى الهوية الثقافية والدينية في أوساط النخبة الحاكمة الأمريكية. لكن هذا الارتباط العميق حوّل الكيان الصهيوني من أداة في المشروع الأمريكي إلى عبء استراتيجي في بعض المراحل، خاصة مع صعود تيارات أمريكية تُعيد النظر في أولويات السياسة الخارجية.

تصدّعات في التحالف التاريخي

حروب الوكلاء: عندما يتحوّل الحليف إلى خصم

ما نشهده اليوم في اليمن والسودان وساحات أخرى ليس مجرد خلافات تكتيكية، بل هو انزياح في تصوّر المصالح. فالحرب اليمنية كشفت عن قلق خليجي عميق من القدرات الصاروخية والمسيّرة لحركة أنصار الله (الحوثيين)، بينما نظر الكيان الصهيوني إلى هذه الحرب من زاوية صراعه مع إيران. أمّا الولايات المتحدة، فوجدت نفسها في موقف متناقض: دعم التحالف العربي عسكرياً، مع محاولة عدم تفجير العلاقة مع إيران بشكل كامل. هذا التباين في الأولويات أدّى إلى "حروب بالوكالة" بين الحلفاء أنفسهم، حيث تموِّل أطراف أمريكية فصائل تُقاتل قوات تمولها أطراف أمريكية أخرى.

ملف سورية: المختبر الذي انفجر

كانت سورية مختبراً مصغراً للتناقضات الجيوسياسية الجديدة. فالدعم الأمريكي المباشر وغير المباشر لجماعات المعارضة المسلحة، بما فيها جماعات متطرّفة، واجه معضلة أخلاقية وسياسية مع صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وفي الوقت نفسه، كان الدعم الروسي والإيراني للنظام السوري يُعيد تشكيل خريطة القوى على الأرض. والأهم، كان الموقف الصهيوني من الصراع السوري غامضاً ومتناقضاً: ففي الوقت الذي كان فيه الكيان يرى في إسقاط النظام السوري ضربة لإيران، كان يخشى من سيطرة الجماعات الجهادية على الحدود مع الجولان المحتل.

التحوّل الاستراتيجي الأمريكي

من الشرق الأوسط إلى المحيطين الهادئ والهندي

في عهد الرئيس باراك أوباما، بدأ التحوّل الأمريكي الواضح نحو آسيا، في إطار ما سُمّي "المحور الآسيوي". هذه الاستراتيجية تعني، ضمنياً، تقليص الاهتمام بالموارد الأمريكية في الشرق الأوسط. ثم جاءت إدارة ترامب لتعكس التناقض بأجلى صوره: خطاباً يُبالغ في التأييد للكيان الصهيوني والحلفاء الخليجيين، لكن فعلياً سحب القوات من سورية وأفغانستان، وتقليص الوجود العسكري المباشر. هذه الازدواجية خلقت فراغاً استراتيجياً في المنطقة، حاولت القوى الإقليمية ملؤه.

فنزويلا وغرينلاند: حدود القوة الأمريكية الجديدة

لم تعد أمريكا قادرة على فرض إرادتها حتى في جوارها المباشر. ففي فنزويلا، فشلت كل محاولات الإطاحة الناعمة بنيكولاس مادورو، رغم كل أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي. وفي قضية شراء غرينلاند، تلك الفكرة التي طرحها ترامب ثم تراجع عنها سريعاً، ظهرت محدودية النفوذ الأمريكي حتى مع الحلفاء التقليديين مثل الدنمارك. هذه الحالات تعكس ظاهرة أعمق: تقلّص هامش المناورة الأمريكية عالمياً، وانشغالها بالقضايا الداخلية والانتخابية.

ملامح النظام الإقليمي الناشئ

صعود القوى الإقليمية: إيران وتركيا

في الفراغ النسبي الذي تركته أمريكا، برزت قوى إقليمية تحاول تشكيل النظام الجديد. إيران، بفضل شبكة حلفائها من "محور المقاومة"، وتركيا، بعملياتها العسكرية المتعددة وطموحاتها العثمانية الجديدة، أصبحتا لاعبين رئيسيين لا يمكن تجاوزهما. لكن صعود هذه القوى لا يعني بالضرورة استقرار النظام الإقليمي، بل هو مقدمة لصراعات جديدة على النفوذ، كما نرى في ليبيا وسورية والعراق.

الدور الروسي: العودة إلى البحر الدافئ

استطاعت روسيا، بفضل تدخلها العسكري الحاسم في سورية، أن تعيد نفسها كقوة عظمى في الشرق الأوسط. موسكو لم تكن تحل محل واشنطن فحسب، بل كانت تقدم نفسها كوسيط نزيه (نسبياً) بين جميع الأطراف. الدور الروسي أعطى الكيان الصهيوني منفذاً للتواصل مع إيران عبر وسيط مقبول، وهو ما يفسر وساطة نتنياهو الروسية .

الخليج العربي: بين الولاء التقليدي والبحث عن أمن مستقل

الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، وجدت نفسها في مفترق طرق. من ناحية، تريد الحفاظ على التحالف التاريخي مع أمريكا. من ناحية أخرى، تشعر بعدم كفاية هذا التحالف في مواجهة التحديات الإقليمية، خاصة التمدد الإيراني. هذا الشعور دفع إلى سياسات أكثر استقلالية: التقارب مع إسرائيل (رسمياً وغير رسمي)، والحروب بالوكالة في اليمن وليبيا، ومحاولة بناء قدرات عسكرية وطنية.

الكيان الصهيوني في ظل المتغيرات الجديدة

نتنياهو والقلق الوجودي

صورة نتنياهو "الممتقع" في الفترة الأخيرة هي رمز قوي لتحوّل المزاج الاستراتيجي في الكيان الصهيوني. فبعد عقود من الاعتماد شبه الكلي على الحماية الأمريكية، يجد الكيان نفسه اليوم في موقف أكثر تعقيداً. فمن ناحية، لا تزال أمريكا تقدم دعماً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق. لكن من ناحية أخرى، يبدو أن واشنطن لم تعد مستعدة لخوض حروب جديدة في المنطقة من أجل حماية مصالح الكيان. هذا التغيير في الدرجة، وليس في النوع، يُحدث قلقاً عميقاً في الأوساط الأمنية الصهيونية.

التهديدات المتعددة الاتجاهات

يواجه الكيان الصهيوني اليوم تحديات من عدة جبهات في وقت واحد: من غزة، حيث تقاوم الفصائل الفلسطينية بقوة متزايدة، من لبنان، حيث يشكل حزب الله تهديداً ردعياً كبيراً، من سورية، حيث تتمركز مقاومة مسلحة ناشئة على مقربة من الحدود، ومن الضفة الغربية، حيث تتصاعد المقاومة الشعبية. هذا التعدد في الجبهات يستنزف القدرات الأمنية الصهيونية، ويحد من قدرته على شن حروب استباقية كما اعتاد في الماضي.

البحث عن حلفاء جدد

في هذا السياق، يسعى الكيان الصهيوني إلى توسيع دائرة تحالفاته. فبالإضافة إلى العلاقة الاستراتيجية مع أمريكا، يسعى إلى تعميق التعاون مع دول الخليج (تحت مظلة التطبيع)، ومع اليونان وقبرص في شرق المتوسط (في مواجهة تركيا)، وحتى مع بعض الدول الأفريقية. لكن هذه التحالفات الجديدة لا تعوّض عن التحالف التاريخي مع أمريكا من حيث القوة والتأثير.

حركات المقاومة في مرحلة التحول

من الهامش إلى المركز

شهدت حركات المقاومة، وعلى رأسها حزب الله في لبنان وحركة أنصار الله في اليمن والفصائل الفلسطينية في غزة، تحوّلاً نوعياً في قدراتها العسكرية والسياسية. فلم تعد هذه الحركات مجرد ميليشيات محلية، بل أصبحت قوات نظامية بامتلاكها صواريخ دقيقة وطائرات مسيرة وأنظمة اتصالات متطورة. هذا التطور أعطاها قدرة ردع حقيقية، غيرت معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني.

محور المقاومة: بين الوحدة الأيديولوجية والانقسامات التكتيكية

رغم الخطاب الوحدوي لمحور المقاومة (إيران-حزب الله- حكومة اليمن في صنعاء -الفصائل الفلسطينية)، إلا أن هناك انقسامات تكتيكية بين مكوناته. فلكل حركة أولوياتها المحلية وقيودها الداخلية. لكن في اللحظات الحاسمة، تظهر درجة عالية من التنسيق والتعاضد، كما ظهر في معارك سورية واليمن. هذه المرونة التكتيكية هي أحد أسباب صمود هذا المحور رغم كل الضغوط الدولية.

التحديات الداخلية للأنظمة التقليدية

تركيا: بين العثمانية الجديدة والانقسام الداخلي

يحاول أردوغان الجمع بين مشروعين متعارضين: من ناحية، يريد أن يجعل تركيا قوة إقليمية عظمى من خلال التدخل في سورية وليبيا وأذربيجان والقوقاز. ومن ناحية أخرى، يواجه تحديات اقتصادية وسياسية داخلية هائلة، مع تصاعد المعارضة وتزايد الانقسام الاجتماعي. قضية الإفراج القضائي عن المعارض لاردوغان في اسطنبول هي مؤشر على هشاشة النظام السياسي التركي، رغم كل مظاهر القوة الخارجية.

مصر: الحارس المتعب

تلعب مصر دور "الحارس" التقليدي للنظام الإقليمي، لكنها تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية تجعلها غير قادرة على لعب هذا الدور بفعالية كما في الماضي. القاهرة تراقب بعين القلق التمدد التركي في ليبيا، والتمدد الإسرائيلي في شرق المتوسط، لكنها تفتقر إلى الموارد اللازمة للمواجهة المباشرة.

المستقبلات المحتملة

السيناريو الأول: استقرار الهيمنة الأمريكية (ولو مؤقتاً)

قد تتمكن أمريكا من إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة، خاصة مع إدارة تشبه ما قام به بايدن التي حاولت العودة إلى السياسات التقليدية. في هذا السيناريو، تعود أمريكا إلى لعب دور الحكم بين القوى الإقليمية، وتُعيد تأهيل التحالفات التقليدية، وتحدّ من طموحات القوى الصاعدة. لكن هذا السيناريو يفترض قدرة أمريكية على تخصيص الموارد اللازمة، وهو أمر مشكوك فيه في ظل التحديات الداخلية والمنافسة مع الصين.

السيناريو الثاني: النظام متعدد الأقطاب

هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تتقاسم القوى الإقليمية والعظمى النفوذ في المنطقة. روسيا تهيمن على سورية وأجزاء من ليبيا، تركيا توسع نفوذها في شمال سورية وليبيا، إيران تسيطر على محور المقاومة، ودول الخليج تتحالف مع الكيان الصهيوني لمواجهة التمدد الإيراني والتركي. أمريكا تبقى حاضرة، لكن كلاعب من بين عدة لاعبين، وليس كقوة مهيمنة.

السيناريو الثالث: الفوضى الإقليمية الشاملة

في حال استمرار انسحاب أمريكا من دون أن تحل قوة أخرى محلّها، وقد تنفجر صراعات بين القوى الإقليمية على تقسيم النفوذ. حرب مباشرة بين تركيا واليونان، أو بين إيران وإسرائيل، أو بين السعودية وإيران بالوكالة، كلها احتمالات واردة في هذا السيناريو الكارثي.

تداعيات على القضية الفلسطينية

من قضية مركزية إلى قضية هامشية (ظاهرياً)

لقد نجح الكيان الصهيوني، بمساعدة حلفائه، في تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إنسانية في أفضل الأحوال. اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، تحت مظلة "صفقة القرن"، كانت ضربة كبيرة للمشروع الوطني الفلسطيني. لكن هذا النجاح قد يكون مؤقتاً، لأن جذوة المقاومة لم تنطفئ، بل انتقلت من مستوى الدول إلى مستوى الشعوب والحركات.

صمود المقاومة الشعبية

رغم كل محاولات الإقصاء، تظل المقاومة الفلسطينية حية، وإن تغيرت أشكالها. من انتفاضة القدس عام 2021، إلى معركة "سيف القدس" عام 2021، إلى انتفاضة "الوحدة الميدانية" عام 2023، أثبت الشعب الفلسطيني أنه قادر على ابتكار أشكال جديدة من النضال تتجاوز العقبات التي وضعها الاحتلال.

االدروس المستفادة

أولاً: هشاشة التحالفات القائمة على المصالح الضيقة

التحالفات التي نشأت في المنطقة، سواء بين أمريكا وحلفائها التقليديين، أو بين الكيان الصهيوني ودول الخليج، تثبت هشاشة التحالفات القائمة على المصالح الآنية. فما يجمع هذه الأطراف هو الخوف من عدو مشترك (إيران في هذه الحالة)، وليس رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة. مثل هذه التحالفات تتهاوى عند أول اختبار حقيقي.

ثانياً: قوة الإرادة الشعبية

أثبتت حركات المقاومة، رغم قلّة إمكانياتها مقارنة بأعدائها، أن الإرادة الشعبية المنظمة يمكن أن تعوّض التفوق المادي والتكنولوجي. هذا الدرس يجب أن تستوعبه كل القوى التي تعمل في المنطقة: لا يمكن بناء استقرار دائم على تجاهل إرادة الشعوب ومصالحها.

ثالثاً: نهاية عصر الهيمنة الأحادية

العالم يتجه، بسرعة أو ببطء، نحو نظام متعدد الأقطاب. أمريكا ستبقى قوة عظمى، لكنها لن تكون القوة الوحيدة المهيمنة. هذا التعدد في مراكز القوة يفتح آفاقاً جديدة للدول الصغيرة والمتوسطة للمناورة وتحسين شروط تفاعلها مع النظام الدولي.

خاتمة: في معنى التاريخ

ما نشهده اليوم في المشرق العربي ليس مجرد تقلبات في موازين القوى، بل هو لحظة تأسيسية في مسيرة هذه الأمة. إنه زمن الخروج من عصر التبعية إلى عصر الاستقلال، من زمن التقسيم إلى زمن الوحدة (ولو تدريجياً)، من زمن الاستضعاف إلى زمن التمكين.

لكن هذا التحول ليس محتوماً. فالقوى القديمة لن تتخلى عن مواقعها بسهولة، والقوى الجديدة قد تكرّر أخطاء القوى القديمة. المصير سيتحدد في معارك صغيرة وكبيرة، في ساحات السياسة والحرب والاقتصاد والثقافة.

وفي قلب هذه المعارك، تبقى فلسطين، القلب النابض للأمة، البوصلة التي ترشد إلى اتجاه التاريخ. فما يحدث في القدس وغزة ورام الله ليس حدثاً محلياً، بل هو مؤشر على صحّة الجسم العربي كله. وعندما تتحرر فلسطين، سنعلم أن الأمة قد شفيت من أمراض التفرقة والتبعية، وأنها استعادت وعيها التاريخي وقدرتها على صنع مستقبلها.

هذه اللحظة التاريخية، بكل تعقيداتها وتناقضاتها، تحمل في طياتها بذور نهضة جديدة. لكنها تحتاج إلى عقول تستطيع قراءة التحولات، وإرادات تستطيع قيادة التغيير، وقلوب تتحمل آلام المخاض. فالتاريخ لا يُصنع بالتمنيات، بل بالإرادات التي تتحول إلى أفعال، والأفعال التي تتراكم لتشكل مصائر الأمم.




……..

المادة الساخرة :

"أوبرا الصابون الجيوسياسية: كوميديا الأخطاء في الشرق الأوسط"

المقدمة: عندما يصبح التراجيكوميدي هو النوع السائد

سيداتي سادتي، أرحب بكم في أضخم مسلسل تراجيكوميدي شهري على الإطلاق! لا حاجة لنتفليكس ولا أمازون برايم، فشبكة "الواقع الجيوسياسي" تقدم لكم "أوبرا الصابون الشرق أوسطية"، حيث كل حلقة أكثر إثارة من سابقتها، وكل شخصية أكثر غرابة من منافستها!

المشهد الأول: "الكيان الذي نسي أنه كومبارس"

"نجم من الدرجة الخامسة يطلب راتب نجم من الدرجة الأولى"

ها هو "الكيان الصغير ذو العقدة الكبيرة" - دعونا نناديه "كِيَانِينو" للاختصار - الذي ظن نفسه بطل الرواية، بينما هو في أحسن الأحوال "كومبارس" في مشهد جماعي. لقد صدق كيانينو الإشاعات التي يقولها عن نفسه، وظن أن العالم يدور حول أمنه الموهوم!

تخيلوا معي: ممثل ثانوي في مسرحية مدرسية يطلب غرفة ملابس خاصة، وسائق خاص، واسمه مكتوباً بخط أكبر من جميع الممثلين الآخرين! هذا هو بالضبط وضع "كيانينو" على المسرح الجيوسياسي.

"الوجه الممتقع: عندما تكتشف أن الجمهور هرب"

يمكن وصف وجه نتنياهو بأنه "ممتقع" - وهذا وصف كريم! لو رأيتموه في حفلة هالوين، لظننتموه قناعاً واقعياً لـ"رجل اكتشف فجأة أن تأمين حياته لم يعد يشمل الحروب الاستباقية"!

الرجل كان يعيش في وهم أن أمريكا ستظل "سكرتيرة شخصية مسلحة" له للأبد. لكن المفاجأة كانت عندما اكتشف أن "السكرتيرة" قررت التركيز على مشاكلها الداخلية، تاركة إياه مع فواتير الحروب غير المدفوعة!

المشهد الثاني: "محمية قطر: من ساعي البريد إلى وسيط الكون"

"الجزيرة التي تعتقد أنها وزارة خارجية العالم"

يا للعجب! جزيرة صغيرة بحجم حديقة سنترال بارك تعتقد أنها "سويسرا الشرق الأوسط"! قطر - أو "كيو-ترز" كما أحب أن أسميها - توزع النقود وكأنها بطاقات خصم في يوم التخفيضات الأسود!

لكن المضحك حقاً أن "كيو-ترز" تعتقد أن بإمكانها شراء الذمم كما تشتري منتجات في السوبرماركت! "نريد كيلوين من النفوذ في سورية، وثلاثة أكياس من الولاء الفلسطيني، وعلبة كبيرة من التأثير اللبناني"!

"لعبة الكراسي الموسيقية بالنفط والغاز"

الأطرف في قصة "كيو-ترز" هي أنها تتصرف كما لو أنها اكتشفت سر الكون بينما هي مجرد "وسيط دبلوماسي مؤقت" في أفضل الأحوال! تخيلوا طفلاً في حفلة عيد ميلاد يظن نفسه مضيف الحفل لأنه يوزع قطع الكعك!

المشهد الثالث: "أردوغان: السلطان الذي نسي أن الزمن تغير"

"من بائع البطيخ إلى إمبراطور الخيال"

يا جماعة، هل تعرفون تلك الشخصيات في الأفلام التي تلبس أزياء تاريخية وتعتقد أنها ما زالت تعيش في ذلك الزمن؟ هذا هو بالضبط حالة السيد أردوغان!

الرجل يقرأ عن العثمانيين في ويكيبيديا ثم يقرر أنه "الوريث الشرعي"! المشكلة أنه نسي أمرين صغيرين: الأول أننا في القرن الواحد والعشرين، والثاني أن الإمبراطورية العثمانية انتهت منذ قرن!

"الفستان الإمبراطوري والحذاء الواقعي"

الأكثر كوميدية هو محاولة أردوغان الجمع بين "خطاب إمبراطوري" و "واقع اقتصادي مترنح"! يشبه هذا شخصاً يلبس تاجاً مرصعاً بالماس المزيف بينما جيوبه مليئة بالفواتير غير المدفوعة!

واللعبة الانتخابية! حتى ترامب - سيد التغريدات الغريبة - أقرّ بمهارات أردوغان في "الإبداع العددي"! عندما يمدحك ترامب على التزوير، فاعلم أنك وصلت إلى القمة... أو القاع!

المشهد الرابع: "الجولاني وقسد: عندما يلبس الذئب ثوب الخروف"

"الجماعة التي تبحث عن هوية"

تخيلوا مجموعة تسمي نفسها "قوات سورية الديمقراطية" بينما تموّلها وتدربها وتسلحها أمريكا! هذا يشبه دعوة جارك إلى عشاء في بيتك، باستخدام أطباقك، وطهي طعامك، ثم يعلن أن العشاء من تنظيمه!

والجولاني! يا له من شخصية كارتونية! رجل يغير اسمه وشكله أكثر من مغني بوب في أزمة منتصف العمر! "اليوم داعشي، وغداً معتدل، وبعد غدٍ مناضل من أجل الحرية"!

"لعبة الكراسي الأيديولوجية"

المضحك في قسد والجولاني هو لعبة "الوجه المتحول" التي يلعبونها! كأنهم يقولون: "اسألوني عن هويتي في الصباح أقول لكم شيئاً، وفي المساء شيئاً آخر"!

المشهد الخامس: "السعودية والإمارات: رقصة التناقض على أنغام الدولار"

"المملكة التي تبحث عن سيناريو"

السعودية - أو "سعودي وود" كما أحب أن أسميها - تعيش حالة "انفصام جيوسياسي" حادة! من ناحية تريد محاربة إيران، ومن ناحية تريد السلام مع إسرائيل، ومن ناحية ثالثة تريد إنهاء الحرب في اليمن، ومن ناحية رابعة... حسناً، لقد نفذت الأيدي!

"دولة الإمارات: ديزني لاند الجيوسياسي"

أما الإمارات، فهي تشبه ذلك الطفل الغني الذي يشتري كل الألعاب ثم يكتشف أنه لا يعرف كيف يلعب بأي منها! "نريد قواعد عسكرية هنا، واستثمارات هناك، وتطبيع مع إسرائيل، وعلاقات مع إيران، وصداقة مع تركيا"!

المشكلة أن الجغرافيا ليست لعبة "سيمز" يمكنك فيها بناء علاقات مع الجميع في وقت واحد!

المشهد السادس: "أبطال الحلقة: محور المقاومة"

"الفريق الذي لعب ضد كل الصعاب"

الآن نصل إلى "أبطال درامتنا" - محور المقاومة! هؤلاء هم فريق كرة القدم الذي دخل المباراة وخسرها بالفعل حسب جميع المعلقين، ثم فاز في النهاية!

تخيلوا فريقاً بدون ملعب خاص، بدون ميزانية، بدون دعم إعلامي عالمي، ومع هذا "يسجل الأهداف تلو الأهداف"!

"إيران: الساحر الذي يفاجئ الجميع"

إيران - دعونا نسميها "برسيبوليس المقاومة" - التي حولت الحصار إلى فرصة، والعزلة إلى قوة! بينما كان الآخرون يرقصون في حفلاتهم، كانت إيران تبني "شبكة من التحالفات الذكية"!

والأطرف أن الغرب كان يعتقد أنه يحاصر إيران، بينما إيران كانت تحاصر أفكاره وتفككه واحدة تلو الأخرى!

المشهد السابع: "مقاومة لبنان: عندما يصبح الحزب دولة"

"حزب الله: من جماعة صغيرة إلى قوة ردع"

أما حزب الله، فهو "قصة نجاح" تذهل كل محللي الاستراتيجيات! جماعة بدأت ببضع مئات، وأصبحت أقوى من جيوش عدة دول!

تخيلوا نادياً رياضياً صغيراً في قرية نائية يتحدى أقوى الأندية العالمية ويهزمها! هذا هو بالضبط ما فعله حزب الله!

"الردع بالكلمة والسلاح"

الأجمل في قصة حزب الله هو "فن الردع" الذي أتقنه! لم يعد يحتاج حتى لإطلاق صواريخ - مجرد خطاب من السيد حسن نصرالله أو نعيم قاسم يكفي لجعل "كيانينو" يفحص مخابره!

المشهد الثامن: "مقاومة غزة: ديفيد ضد جولات الحديث"

"الشعب الذي حول الحصار إلى قوة"

غزة! يا لها من قصة ملحمية! شعب حوصر وقُطعت عنه الكهرباء والماء والغذاء، فماذا فعل؟ "اخترع طرقاً جديدة للمقاومة"!

بينما كان "كيانينو" يطور أنظمة القبة الحديدية، كانت غزة تطور "قبة الإرادة الحديدية"!

"صواريخ الإرادة"

الأطرف في قصة غزة هو أن صواريخها "البسيطة" كانت تخترق أنظمة الدفاع "المعقدة"! درس في الفيزياء: الإرادة البشرية أقوى من أي تكنولوجيا!

المشهد التاسع: "حكومة صنعاء: عندما يفوز الفريق البديل"

"أنصار الله: من جبال صعدة إلى صنعاء"

أما في اليمن، فالقصة أشبه بفيلم رياضي: الفريق "البديل" (أنصار الله) دخل المباراة في الدقائق الأخيرة، وسجل هدف الفوز!

والسعودية التي دخلت الحرب وكأنها تذهب في "نزهة عسكرية"، اكتشفت أن النزهة أصبحت رحلة استكشاف في أرض مجهولة!

"الحصار الذي تحول إلى حصار مضاد"

المضحك - أو المؤثر - في قصة اليمن هو كيف حولت حركة أنصار الله "الحصار إلى فرصة"! بينما كانت السعودية تحاول تجويع اليمن، كان اليمن يطوّر قدراته العسكرية!

المشهد العاشر: "الدرس الأخلاقي: لماذا يفوز البسطاء؟"

"قوة المبدأ مقابل قوة المال"

الخلاصة الكوميدية - أو التراجيكوميدية - من كل هذه القصة هي: "المال يشتري ذمماً، لكنه لا يشتئ مبادئ"!

بينما كان "كيانينو" وحلفاؤه يوزعون الدولارات، كان محور المقاومة يبني "شبكة من القناعات"!

"السلاح الأقوى: الإرادة الشعبية"

الأسلحة المتطورة جيدة، لكنها ليست كافية أمام "إرادة شعب يرفض الموت"! هذه هي المعادلة البسيطة التي فشلت كل "الاستراتيجيات المعقدة" في فهمها!

الخاتمة: نهاية الموسم... أو بداية الموسم الجديد

سيداتي سادتي، نصل إلى نهاية حلقة اليوم من "أوبرا الصابون الجيوسياسية"!

الخلاصة: "التاريخ لا يكتبه من لديه أقوى جيش، بل من لديه أقوى قضية"!

بينما يرقص "كيانينو" وحلفاؤه على أنغام الدولار، يبني محور المقاومة مستقبلاً من الإرادة والمبدأ!

نهاية الحلقة... ولكن تبقى المقاومة مستمرة!

…..

ملاحظة المحرر: هذه المادة الساخرة تهدف إلى تسليط الضوء على التناقضات في السياسة الشرق أوسطية بطريقة فكاهية، مع الاحتفاظ بالتحليل الجاد تحت قناع الكوميديا. جميع الأسماء المستعارة مستوحاة من الواقع ولكن مع لمسة فكاهية.

……
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي - لييج - بلجيكا
يمكن قراءة الترجمة للمقالة باللغات الفرنسية والهولندية والألمانية والإسبانية والإنكليزية على الرابط التالي مجانا :
https://saloum1.substack.com



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا ...
- الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي ...
- التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا ...
- أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ ...
- إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف ...
- شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا ...
- أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
- تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
- البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
- اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى ...
- تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير ا ...
- من الكساد إلى الدمار: دورة لا تنتهي
- سوريا -الجولاني-... الحلقة الأخيرة في مسرحية التقسيم وثمن ال ...
- ترامب يعترف بالجولان وماسك بالاستبدال: مهرجان النفاق الاستعم ...
- مقالات عن الذهب واحتمالات الشيوعية في الغرب و و...
- لماذا تستمر بروكسل في حرب خاسرة؟
- اليمن كقلب العالم الجديد - إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية
- رواية : الرحلة المقطوعة
- في حضرة الضوء: الصين تعيد كتابة قوانين الحوسبة والقوة
- رواية - من طيرة اللوز إلى الراين - أو - ظلال الكرمل -


المزيد.....




- ماسك يتربع على عرش أغنى أغنياء العالم في 2025.. إليكم قيمة ث ...
- كويتية تستكشف سحر مزارع الشاي في تركيا
- وسط جدل عالمي حول -غروك-.. ماسك يدافع عن خاصية تجريد الناس م ...
- الجيش السوري يُعلن دير حافر وبلدات أخرى -منطقة عسكرية مغلقة- ...
- بن علي ومبارك.. خبير يعلق على احتجاجات إيران ويقارنها بالربي ...
- بهدف مواجهة واشنطن.. روسيا تبني مسارات بديلة لضمان عدم انقطا ...
- من الذي يحكم إيران؟
- احتجاجات غير مسبوقة في إيران:هل يسقط النظام هذه المرة؟
- قطاع غزة: النفايات المكدسة تتحول إلى بؤر ملوثة وتهدد بانتشار ...
- إيران.. حراك احتجاجي متصاعد وضغوط أمريكية متزايدة على النظام ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق العربي