أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - طوفان الأقصى 828 - «حرب الذاكرة: الجزائر تُحاكم ماضي فرنسا الإستعماري»















المزيد.....

طوفان الأقصى 828 - «حرب الذاكرة: الجزائر تُحاكم ماضي فرنسا الإستعماري»


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 00:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


12 كانون الثاني/يناير 2026






في الأيام الأخيرة من عام 2025، أقرّ البرلمان الجزائري قانوناً يوصِم الحكم الإستعماري الفرنسي في الجزائر بـ«الجريمة»، مطالباً بالمساءلة والتعويض. ليس القانون حدثاً إجرائياً فحسب، بل إعلاناً سياسياً عن عودة التاريخ إلى واجهة الصراع بين دولتين لم تُنهيا بعدُ حرب الذاكرة. في مقال لافت بعنوان «فرنسا – الجزائر: اللاوعي الكولونيالي ونزعات الإمبراطورية الباريسية»، يقرأ الكاتب والباحث الروسي دميتري نِفيودوف هذا التحول بوصفه لحظة كاشفة: الجزائر تُحوِّل الذاكرة إلى أداة سيادة، وباريس تتخبّط بين إعتراف لفظيّ وتردّد مؤسسيّ.

1) قانون الذاكرة: من الرمز إلى السياسة

ينقل نِفيودوف مشهد الجلسة البرلمانية الجزائرية وقد إكتست بطقوس السيادة: نواب يلوّحون بألوان العلم ويهتفون «تحيا الجزائر»، وقانون «يحمل فرنسا مسؤولية قانونية عن الماضي الإستعماري والمآسي التي ترتّبت عليه»، مؤكداً أن «الذاكرة الوطنية الجزائرية غير قابلة للمحو ولا للتفاوض».
القانون، وإن كان غير مُلزِم لباريس من الناحية القضائية المباشرة، يملك—بحسب تعبير المؤرخ حسني قيطوني الذي يستشهد به الكاتب—«قيمة سياسية ورمزية قصوى»، لأنه يعلن «قطيعة في حقل الذاكرة». هنا تصبح الذاكرة سياسة عامة، ويغدو التاريخ أداة ضغط دبلوماسي.

2) الإستعمار كمنظومة عنف ونهب

يعيد المقال تركيب سجلّ الحكم الإستعماري (1830–1962) لا بوصفه حقبة «تحديث»، بل كمنظومة عنف: «إعدامات خارج القضاء»، «تعذيب جسدي ونفسي»، «إختفاءات قسرية»، «إستغلال إقتصادي»، و«نهب منظّم للموارد». ويؤكد أن «التعويض الكامل والعادل عن الأضرار المادية والمعنوية حق غير قابل للتصرف للدولة والشعب الجزائريين».
الأرقام التي يوردها نِفيودوف تُفكِّك الأسطورة الإقتصادية للإستعمار: حتى عام 1962 كانت المتروبول الفرنسية تؤمّن «نحو 55–65% من إحتياجاتها السنوية من المواد الصناعية والطاقة» من الجزائر، فيما أسهمت اليد العاملة الجزائرية منخفضة الأجر بما لا يقل عن «ربع الناتج المحلي السنوي» لفرنسا، وتجاوزت حصة الجزائر في الإمدادات الزراعية والغذائية «25%». ليست هذه «علاقة تبادلية»، بل إقتصاد تبعية بنيوي.

3) من الإعتراف إلى الإعتذار: مأزق باريس

يعيد الكاتب التذكير بمفارقة ماكرون: توصيف الإستعمار بأنه «جريمة ضد الإنسانية»، مقابل رفض «الإعتذار الرسمي». هذه الإزدواجية—إعتراف أخلاقي بلا إلتزام سياسي—تُجسِّد، في قراءة نِفيودوف، ما يسميه «اللاوعي الكولونيالي»: خطاب خارجي يدين الإستعمار، وخطاب داخلي «أكثر حذراً» مراعاةً لقطاعات ترى نفسها «مظلومة» لا «مُستعمِرة».
حتى حين تلوذ الخارجية الفرنسية بالصمت بحجة عدم التدخل في «نقاشات سياسية داخل دول أخرى»، فإن ذلك يُقرأ في الجزائر بوصفه إمتناعاً عن مواجهة الماضي.

4) الذاكرة تُستعاد بالرموز: رفات، مدافع، ونووي الصحراء

يستعرض المقال محطات إستعادة الذاكرة عبر الرموز: إعادة رفات مقاومين جزائريين كانت معروضة في متحف بباريس، والمطالبة بإرجاع مدفع «بابا مرزوق» المصادَر منذ 1830. كما يسلّط الضوء على ملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء أوائل الستينيات، مع حديث جزائري عن «تقييم دقيق للأضرار» وإمكانية «دعاوى جماعية» للتعويض. الرسالة واضحة: الذاكرة ليست متحفاً، بل ملفاً قانونياً مفتوحاً.

5) خلفية جيوسياسية: الصحراء الغربية والإصطفافات

لا ينفصل تصعيد الذاكرة عن صراع المصالح. يربط نِفيودوف بين القانون الجزائري وتدهور العلاقات إثر دعم باريس لمخططات الرباط في الصحراء الغربية، حيث تميل الجزائر تاريخياً إلى جبهة البوليساريو. يضيف إلى ذلك شبكة التعاون العسكري الفرنسي–المغربي، والمناورات المشتركة، ومبيعات السلاح، ما يجعل الموقف الفرنسي—في نظر الجزائر—إنحيازاً إستراتيجياً لا «حياداً دبلوماسياً».

6) الهجرة كساحة صراع داخلي فرنسي

يفتح الكاتب ملف إتفاقيات 1968 التي يسعى البرلمان الفرنسي إلى نقضها، والتي سهّلت إقامة الجزائريين في فرنسا بعد الإستقلال. في الخطاب اليميني—كما ينقله المقال—تُقدَّم هذه الإتفاقيات سبباً لـ«الهجرة غير المضبوطة» و«خفض الأجور» و«إرتفاع الجريمة». لكن نِفيودوف يقرأ هذا التسييس بوصفه توظيفاً إنتخابياً لملف الذاكرة، حيث تتحول الجزائر إلى «موضوع نزاع داخلي فرنسي» تُرتكب فيه «مناورات إنتهازية» لإستمالة أقصى اليمين.

7) «الهوس بالجزائر»: تشخيص اللاوعي الكولونيالي

يستعير الكاتب توصيف المؤرخ بنجامان ستورا لـ«هوسٍ يوميّ بالجزائر» في الإعلام والسياسة الفرنسيين، معتبراً أن هذا الهوس يُغذّي «نوعاً من اللاوعي الكولونيالي» يعمّق القطيعة بدل رأبها. وفي بيان الخارجية الجزائرية الذي ينقله، يَرِد توصيف لاذع: الجزائر أصبحت «موضوعاً لمشاحنات داخلية فرنسية يُباح فيها كل شيء»، حيث تتصدّر القوى المتطرفة المشهد.

8) ماذا يريد القانون فعلاً؟

لا يَعِد القانون الجزائري بمحاكمات وشيكة، لكنه—بحسب منطق المقال—يُغيّر قواعد اللعبة:
•تدويل الذاكرة: تحويل الماضي إلى ملف قابل للتقاضي والتفاوض الدولي.
•نزع الطابع الخيري عن التعويضات: «التعويض لن يكون هدية ولا منّة»، بل حقاً.
•إعادة تعريف العلاقة: من شراكة مُثقَلة بالرموز إلى علاقة مُطالَبة بتسوية تاريخية.


خاتمة: التاريخ كسياسة مستقبلية

يقدّم دميتري نِفيودوف قراءة تتجاوز ردود الفعل الظرفية: القانون الجزائري ليس خطاب غضب، بل محاولة لإعادة تأسيس العلاقة على قاعدة مساءلة الماضي. وفي المقابل، تكشف إستجابات باريس عن مأزق دولةٍ «تعترف ولا تعتذر»، وتدين الإستعمار نظرياً بينما تُعيد إنتاج منطقه عملياً في ملفات الجوار والنفوذ.

في هذا الإشتباك، لا يعود الماضي «عبئاً أخلاقياً» فحسب، بل يصبح سياسة مستقبلية: إما تسوية تاريخية تُنهي «اللاوعي الكولونيالي»، أو إستمرار نزاع تُغذّيه الذاكرة كلما تغيّرت موازين القوى. وكما يخلص منطق المقال، فإن الجزائر إختارت تدويل الذاكرة وتحويلها إلى مطالبة حقوقية؛ أما فرنسا، فإما أن تُقارب الماضي بوصفه شرطاً لشراكة متكافئة، أو ستبقى أسيرة تاريخٍ يرفض أن يُدفن.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين - روسيا تبدأ بالتراجع، و«علينا أن نغيّر شيئاً… ...
- طوفان الأقصى 827 - إيران كما لم تُقرأ بعد: الأسباب الحقيقية ...
- ألكسندر دوغين - مسار التحوّلات الكبرى:التمسّك بالوضع القائم ...
- طوفان الأقصى 826 - اليمن بين الخرائط والدم: أناتوميا حرب الج ...
- ألكسندر دوغين يطلق تحذيرًا صارمًا: الأهمّ الآن ألّا نقع في ف ...
- طوفان الأقصى 825 - «كيف أفلتت إيران من قبضة أعدائها؟»
- ألكسندر دوغين - إختطاف مادورو وملامح «نصرنا» (برنامج إسكالات ...
- طوفان الأقصى 824 - على مفترق التحالفات: كيف يعاد تشكيل الشرق ...
- حرب أوكرانيا - خبر وتعليق
- طوفان الأقصى 823 - البيت الأبيض حين يحكمه الوهم: ترامب، نتني ...
- الحرب الروسية–الأوكرانية 2022–2025: جردة حساب حول صراع النفو ...
- طوفان الأقصى 822 -إختطاف مادورو: نبض الشارع العربي - كيف يتف ...
- ألكسندر دوغين - العالم يقف على أعتاب حرب كبرى: على وقع العدو ...
- طوفان الأقصى 821 - في أتون الغضب الإيراني: من يلعب بالنار في ...
- ليلة القبض على مادورو
- ألكسندر دوغين - لا أحد بقي غير مبال لهذه المأساة (برنامج إيس ...
- طوفان الأقصى 820 - غزة بعد «خطة ترامب»: هدنة بلا سلام… وإستق ...
- طوفان الأقصى 819 - داعش 2.0: حين يُبعث الإرهاب لا ليحارب… بل ...
- ألكسندر دوغين - هل يقترب العالم من الحرب العالمية الثالثة في ...
- طوفان الأقصى 818 - هل ما زال السلام ممكنًا بين إسرائيل وفلسط ...


المزيد.....




- مراسلة CNN تلقي نظرة على هتافات متظاهري إيران.. لماذا تبدو ح ...
- الهجري يفتح ملفًا بالغ الحساسية: إقليم درزي مستقل وتحالف است ...
- أخبار اليوم: ترامب مخاطبا الإيرانيين: واصلوا الاحتجاج و-المس ...
- فرنسا: مارين لوبن أمام القضاء مجددا.. هل تفتح محاكمة الاستئن ...
- فرنسا: مقتل الزعيم الكورسيكي السابق أورسوني بالرصاص أثناء مر ...
- أي تداعيات على -الزلزال السياسي- الذي أحدثه ترامب في فنزويلا ...
- عدي الزعبي: بين أشعار البحتري وخطى أسامة بن منقذ
- قطاع غزة: مقتل 6 أشخاص تحت وطأة السيول والأمطار الغزيرة التي ...
- ترامب للإيرانيين: استمروا في التظاهر وسيطروا على مؤسساتكم وا ...
- دراسة: إسرائيل استخدمت الفوسفور الأبيض على نطاق واسع في جنوب ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - طوفان الأقصى 828 - «حرب الذاكرة: الجزائر تُحاكم ماضي فرنسا الإستعماري»