أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - ادم عربي - حين يصبح الفكر بضاعة!














المزيد.....

حين يصبح الفكر بضاعة!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 20:47
المحور: المجتمع المدني
    


بقلم : د. ادم عربي
في كتابه الشهير "رأس المال" حرص كارل ماركس، في أكثر من موضع ومكان، على إبراز الأثر الحاسم لهدف الربح في توجيه سلوك البشر. وقد ساق لذلك أمثلة دالة عن أرباب عمل وتجار ينتجون ويبيعون سلعا تتناقض كليا مع قناعاتهم الدينية أو الأخلاقية. فهذا تاجر يبيع السجائر رغم أنه لا يدخن، بل ويحارب التدخين في تربية أبنائه، وذاك يتاجر بسلع تحرّمها معتقداته الدينية.
هذا التناقض في السلوك لم يعد أمراً مستغرباً  أو صادما؛ فاقتصاد السوق وفر من المبررات ما يكفي لإقناع رب العمل بأن "للضرورة أحكاماً" ، وبأن الصراع بين قناعاته الشخصية وممارساته التجارية لا ينبغي أن يوقظ فيه شعور الذنب أو عدم الرضا. فالدافع "الصحيح " في منطق السوق هو ما يتيح له الثبات في سوق متقلّبة، وجني مزيد من الأرباح، وإلا التهمه منافسوه بلا رحمة.
ومع تمدد هذه الذهنية التجارية، لم تقتصر آثارها على عالم المال وحده، بل تسللت أيضاً إلى ميدان الفكر والثقافة. فظهر بين أهل القلم والفكر من يحاكي التاجر في سلوكه، فازداد عدد الكتّاب الذين ينتجون أفكاراً  وآراء وكتبا ومقالات لا تعكس قناعاتهم الحقيقية، لكنها تلبي طلب السوق الفكري والسياسي، وتدر عليهم أرباحاً  مادية، وشهرة إعلامية، وامتيازات مختلفة، من دون أن يمتلكوا الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بذلك.
ونحن نعرف، في المقابل، نماذج مضيئة من الكتّاب والمفكرين الكبار الذين كانوا يشرعون في البحث الجاد وفي أذهانهم فرضية يريدون إثباتها أو دحضها، فإذا بهم وبدافع النزاهة والحرص على الموضوعية ، يصلون إلى نتائج تخالف، بل وربما تناقض، ما انطلقوا منه. ومع ذلك، كانوا يتشبثون بتلك النتائج ويعلنون انحيازهم لها، وفاء للحقيقة لا للهوى.
غير أن هذا الصنف من أهل الفكر والقلم كاد يختفي بفعل الفساد والإفساد. وحل مكانه كاتب لا يكاد يمسك بالقلم حتى يستحضر في ذهنه شخصاً أو فئة بعينها، ويسأل نفسه: ماذا يجب أن أكتب كي أرضي هؤلاء؟ سؤاله الدائم أثناء الكتابة ليس: هل ما أكتبه صادق وصحيح؟ بل: هل سيُعجب هذا الكلام تلك الجهة أم يثير سخطها؟
فيبدأ بإلغاء عقله، ويضع قناعاته الذاتية جانبا، ثم يتقمص طريقة تفكير من يسعى لاسترضائهم، فيكتب معبراً عن أفكارهم ومواقفهم، لا عن أفكاره هو. فيغدو أشبه بآلة بلا لحم ولا دم، بلا إحساس أو ضمير.
لسنا ننكر على أحد حقه في الانتماء الفكري أو السياسي أو الشخصي إلى أي جهة يشاء، شرط أن يكون هذا الانتماء صادقاً  ومتناغما مع قناعاته الحقيقية. أما أن يتحول الكاتب إلى سلعة أخلاقية رخيصة في السوق، ينتقل من انتماء إلى آخر بحسب الأجر الأعلى، فذلك ما نرفضه ونستنكره.
وفي مجتمعاتنا نعرف أنماطا بشرية تثير القشعريرة. أشخاص لا يملكون كفاءة حقيقية، فيعوضون عجزهم بالكذب والتلفيق، مؤكدين لرؤسائهم أن الجميع ، باستثنائهم ، أعداء وحسّاد، لا يحملون ولاء ولا إخلاصا. إذا جالسوا المسؤول بالغوا في مجاملته، وصوروه على أنه الأجمل والأكفأ والأعظم، ثم ما إن يغادروا مجلسه حتى ينقلبوا عليه تشويها وازدراء.
هذا النمط، المنتشر في مختلف درجات السلم الاجتماعي، لا يملك وسيلة لإثبات ذاته سوى إنكار كفاءات الآخرين، وإقناع "وليّ النعمة"  بأنه الأداة الأنسب لتنفيذ رغباته وأهوائه. ولعل هذه الذهنية هي التي أفرزت ظاهرة "بواب العمارة" الذي يفرض على السكان أن يعاملوه كأنه مالكها الحقيقي.
إن هذا النمط من الشخصيات لا ينشأ من فراغ، بل تصنعه حاجات سطحية لدى أصحاب النفوذ في مجتمعات لم تدرك بعد أهمية بناء الإنسان في داخله، ولم تتجاوز التناقض بين ما تروج له الكتب المدرسية من أن الإنسان قيمة عليا، وبين ما تمارسه الحياة الواقعية من تحويله إلى سلعة، بل إلى أرخص السلع.
وحيثما يُستَرخص الإنسان، تُستَرخص الكلمة بالضرورة. فتتحول الكلمة في سوق الفكر والسياسة إلى بضاعة زهيدة، يبيعها أصحابها بأبخس الأثمان لكثرتهم وضعف الحاجة إليهم، ويشتريها الآخرون وكأنهم يتفضلون على بائعها صدقة. ثم، حين تعصف الأزمات بالمجتمع أو بالأمة، يُطرح السؤال بدهشة مصطنعة: أين هم أهل الفكر والقلم؟
ولعل الجواب الأكثر إيلاماً  هو: بعدما اعتادوا قلة الغذاء، ماتوا جوعاً .
وما يؤكد ذلك أنك تجد لكل قارئ واحد أربعة أو خمسة كتّاب. بل لعل صحفنا كلها لو توقفت عن الصدور، وحلّت محلها صحيفة واحدة للإعلانات والوفيات وبعض الخدمات، لما شعر الناس بغيابها، ولاستمرت حياتهم اليومية كما لو أن شيئاً لم يتغير.
فالمشكلة ليست في الناس ولا في القرّاء، بل في صحافة أقامت بينها وبين المجتمع سورا صينيا من الاغتراب؛ فلا هي تفهم حاجاته، ولا هي قادرة على تلبيتها إن حاولت.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيء من فلسفة الحقيقة!
- تفكيك أسطورة الجوع العالمي!
- على كتف النهر!
- عتمة الضوء!
- في الموت والحياة!
- في الحب والزواج!
- في التسيير والتخيير...هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟
- أزمة النظام العالمي!
- أزمة الزواج في مجتمعاتنا!
- التطور الأخلاقي والقتل الإنساني!
- من القوة إلى المدين الأكبر....مآلات الرأسمالية المالية وأسطو ...
- شيئان لمْ نتعلّمهما بعد ... أنْ نقول -لا- وأنْ نسأل -لماذا؟-
- الضرورة والصدفة جدلياً!
- البيروقراطية وشرورها!
- المال هو الإله الحقيقي للعصر الحديث!
- الدولة ومدنيتها!
- هل الرأسمالية مثالاً يُحتذى به؟
- مراثي النسيان!
- إرث الاشتراكية: قراءة في مرحلة ما بعد الانهيار!
- في ثورة أكتوبر الاشتراكية (5) والأخير


المزيد.....




- بريطانيا تدفع -تعويضاً كبيراً- للمعتقل -الأبدي- في غوانتانام ...
- هند رجب تقاضي الجندي -الإسرائيلي- يوناتان أكريف في النمسا بت ...
- شطب اسم -فلسطين- من مناهج الأونروا بلبنان يثير غضبا عارما
- المرصد يتناول التعاطي الإعلامي مع اعتقال مادورو وتهديد ترامب ...
- احتجاجات إيران.. منظمة حقوقية تعلن حصيلة جديدة للقتلى
- باع الوهم بـ40 ألف دولار.. اعتقال -مشعوذ- وعد مالي بلقب كأس ...
- اليابان قلقة من الوضع الإنساني في غزة والتوسع في الضفة
- الامن الايراني: اعتقال مدير مصنع في ضواحي طهران كان يقود بش ...
- الصفدي يؤكد دعم الأردن لجهود الأمم المتحدة وقوات حفظ السلام ...
- اعتقال -عراف مالي- بعد تنبؤ ببطل أمم إفريقيا -مقابل تبرعات- ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - ادم عربي - حين يصبح الفكر بضاعة!