أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي















المزيد.....

عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 20:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عقيدة مونرو أُعلن عنها عام 1823 وتقوم على مبدأ بسيط وخطير، أن نصف الكرة الارضية الغربي مجال نفوذ أمريكي مغلق، وأي تدخل خارجي فيه يُعد تهديداً مباشراً.
في المقابل، تتعهد واشنطن بعدم التدخل في شؤون أوروبا. تاريخياً رُوج لها كعقيدة دفاعية، لكنها عملياً تحولت إلى أداة لإقصاء القوى الأخرى وشرعنة التدخل الأمريكي.
عودتها اليوم تعني أن أمريكا لم تعد تفكر بعالم مفتوح، بل بمناطق محرمة ومجالات حيوية تدافع عنها بلا تردد.

● ماذا يعني عودة عقيدة مونرو؟!
عودة العقيدة ليست استعادة شعار قديم، بل إقرار بأن السيطرة العالمية لم تعد ممكنة، وواشنطن اختارت حماية نصف الكرة الغربي بوصفه خط الدفاع الأول مقابل تخفيف الالتزامات في الساحات البعيدة.
هذه العودة تعني أن أمريكا لم تعد تسعى لضبط كل الفوضى الدولية، بل لضمان ألا تقترب القوى الصاعدة من قلب نفوذها الجغرافي مهما كان الثمن.

يمر الاقتصاد الأمريكي بتضخم غير طبيعي سببه الطباعة النقدية، اضطراب سلاسل التوريد، وكلفة الحروب الطويلة. في هذه الظروف، لا تفكر القوى الكبرى بالتوسع بل بإعادة ترتيب البيت الداخلي.
لذلك، تحولت واشنطن من قيادة مباشرة للنظام العالمي إلى إدارة أزمات محسوبة الكلفة مع تقليص الانتشار العسكري الذي لم يحقق عائداً استراتيجياً واضحاً.

الصين ليست منافساً عادياً، بل القطب الصاعد الوحيد القادر على تهديد التفوق الأمريكي اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً.
واشنطن أدركت أن احتواء الصين عالمياً مستحيل وأن الاستنزاف في الشرق الأوسط وأوروبا يخدم بكين أكثر مما يضرها.
لذلك، أعادت ترتيب أولوياتها عن طريق تقليص الجبهات الثانوية، تشديد المجال الحيوي، ومحاولة إبطاء الصعود الصيني بدل السعي لإيقافه بالكامل.
كل هذا التحول يبدأ من الصين وينتهي عندها.

إن النفط لم يعد عنصراً وجودياً لأمريكا كما كان سابقاً مع شبه الاكتفاء الذاتي وتقدم بدائل الطاقة والغاز.
هذا التغير أفقد الشرق الأوسط قيمته الاستراتيجية القديمة دون أن يلغي أهميته نهائياً.
النتيجة كانت الانتقال من الهيمنة والحسم إلى إدارة الفوضى ومنع الانفجار الشامل وترك فراغات محسوبة بدل السيطرة المباشرة.

اما الحديث عن مواجهة أوروبا وروسيا، فإن حلف الناتو لم ينهار، لكنه لم يعد مظلة تلقائية.
الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري الأوروبي يعكس إدراكاً متأخراً بأن الحماية الأمريكية لم تعد مجانية ولا مضمونة.
واشنطن أبقت على دور الإشراف والدعم، لكنها نقلت عبء المواجهة المباشرة إلى أوروبا معتبرة أن التهديد الروسي إقليمي ويمكن احتواؤه دون استنزاف أمريكي شامل.

جرأة الخطاب الروسي تجاه قادة أوروبا عندما يصفهم بالخنازير ليست مجرد استفزاز، بل دليل على تآكل الردع النفسي.
بوتين لا يتحدث بهذه اللغة مع واشنطن، بل مع أوروبا، لأنه لا يراها صاحبة قرار مستقل أو قدرة ردع منفردة.
في ميزان القوة، الاحترام لا يُطلب بل يُفرض وأوروبا اليوم تدفع ثمن سنوات التآكل السياسي والعسكري.

● وغير بعيد عن مونور فإن أمريكا الجنوبية تعد قلب العقيدة، كيف؟؟
في أمريكا الجنوبية تظهر عقيدة مونرو بأوضح صورها. اختطاف رئيس فنزويلا، الضغوط القضائية والاقتصادية، والتحذيرات الموجهة لقادة آخرين في القارة ومنهم رئيس كولومبيا، تؤكد أن واشنطن مستعدة للتصعيد إذا رأت اقتراباً من الصين أو روسيا.
هنا لا إدارة فوضى ولا تسويات طويلة، بل منع نفوذ قبل أن يتحول إلى تهديد مباشر.
في هذا السياق، لا يمكن فهم السلوك الأمريكي في أمريكا اللاتينية بوصفه مجرد امتداد تقليدي لعقيدة قديمة، بل باعتباره اختباراً عملياً لصيغة جديدة من الردع الجيوسياسي منخفض الكلفة وعالي الرسائل.
فواشنطن لم تعد بحاجة إلى إنزال قوات أو احتلال أراض، بل تعتمد على أدوات أكثر ذكاءً تتمثل بالقانون، العقوبات، الضغوط المالية، العزل الدبلوماسي، وتفعيل شبكات النفوذ داخل النخب المحلية.
هذه الأدوات تحقق الغاية ذاتها التي كانت تحققها الدبابات سابقاً، ولكن دون الأعباء الأخلاقية والسياسية والعسكرية التي لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لتحملها.
اختطاف أو ملاحقة قادة دول في أمريكا الجنوبية سواء عبر القضاء الدولي، أو عبر عمليات استخبارية غير معلنة، أو عبر تجفيف البيئة السياسية المحيطة بهم، لا يمكن فصله عن هذه المنظومة.
الرسالة ليست موجهة إلى شخص بعينه، بل إلى كل النخب الحاكمة في القارة، الاقتراب من الصين وروسيا ليس خياراً سيادياً محايداً، بل مخاطرة وجودية.
وهنا تتجلى عقيدة مونرو بصيغتها الحديثة، ليس منع التمدد العسكري للقوى الخارجية فقط، بل منع تشكل بنى سياسية واقتصادية بديلة داخل المجال الحيوي الأمريكي.
الأهم من ذلك أن واشنطن لم تعد تنتظر اكتمال التهديد، بل تتعامل مع "النية" بوصفها تهديداً قائماً بذاته، بمجرد فتح موانئ للصين، أو توقيع اتفاقيات تكنولوجية حساسة، أو السماح بوجود استخباري روسي، كفيل بإطلاق سلسلة إجراءات تصاعدية.
هذه المقاربة الاستباقية تعكس تحولاً عميقاً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، الردع لم يعد رد فعل، بل فعلاً وقائياً يُمارس قبل أن تتغير موازين القوى.
ومن زاوية أوسع، فإن أمريكا اللاتينية ليست مهمة فقط بوصفها فضاءً جغرافياً قريباً، بل بوصفها عقدة موارد استراتيجية مثل معادن نادرة، ليثيوم، غذاء، طاقة، وممرات بحرية.
في عالم يتجه نحو صراعات سلاسل التوريد، لا تستطيع واشنطن السماح بأن تقع هذه الموارد ضمن شبكات نفوذ صيني طويل الأمد، فالصراع هنا ليس أيديولوجياً، بل بنيوي مرتبط بالاقتصاد السياسي العالمي القادم، حيث تتحول الموارد إلى أدوات ضغط تعادل في أهميتها الأساطيل العسكرية.
في المقابل، تدرك واشنطن أن الصين تلعب لعبة الزمن الطويل، فبكين لا تسعى لإسقاط الأنظمة أو تحدي أمريكا عسكرياً في محيطها المباشر، بل لبناء اعتمادية اقتصادية هادئة تجعل أي قطيعة مستقبلية مكلفة.
هذا النموذج الصيني القائم على القروض، البنية التحتية، والتكنولوجيا، يشكل التهديد الحقيقي لعقيدة مونرو، لأنه لا يأتي في صورة عدو تقليدي يمكن تعبئة الرأي العام ضده، بل في صورة شريك تنموي. لذلك، فإن الرد الأمريكي يتسم بالقسوة والوضوح، كسر هذا المسار في مراحله الأولى مهما كانت الكلفة السياسية.
كما أن عودة مونرو لا تعني فقط تشديد القبضة على الخارج، بل إعادة ضبط العلاقة مع الداخل الأمريكي نفسه، فالتراجع عن المغامرات الخارجية يسمح بإعادة توجيه الموارد نحو البنية التحتية، الصناعة، والسباق التكنولوجي خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، والطاقة المتقدمة. ومن هنا، فإن أمريكا التي تُغلق نصف الكرة الغربي، إنما تفعل ذلك كي تُفرغ طاقتها لمعركة القرن الحادي والعشرين الحقيقية، لا لمعركة استنزاف في أطراف العالم.

على المستوى السياسي الدولي، فإن هذا التحول يفرض واقعاً جديداً على الدول المتوسطة والصغيرة.
لم يعد ممكناً اللعب على التوازنات كما كان سابقاً ولا المناورة بين الأقطاب دون ثمن، فالعالم يتجه إلى مناطق حساسة وخطوط حمراء صامتة وأمريكا اللاتينية تقع في قلب هذه الخطوط، ومن يخطئ قراءة هذه الحقيقة، قد يجد نفسه معزولاً، محاصراً، أو مكسور الإرادة قبل أن يدرك حجم التحول.
وهكذا، فإن ما يبدو للبعض تصعيداً موضعياً أو حادثة منفصلة، هو في جوهره تعبير عن إعادة هندسة النظام الدولي من منظور أمريكي دفاعي هجومي في آن واحد. دفاعي في حماية المجال الحيوي، وهجومي في منع تشكل بدائل استراتيجية داخله.
هذا هو جوهر عودة عقيدة مونرو، ليس كذكرى من القرن التاسع عشر، بل كعقل حاكم لقرن يتشكل على وقع الصراع مع الصين.

الصورة الكبرى لما يحدث هو أن أمريكا لا تنسحب من العالم، لكنها تعيد التموضع ببراغماتية قاسية.
تُحصن الداخل، تُغلق مجالها الحيوي، تُخفف كلفة الشرق الأوسط، ترفع العبء عن أوروبا، وتستعد لمواجهة طويلة مع الصين من موقع أقل انتشاراً وأكثر تركيزاً.
هذا سلوك قوة تُدرك حدودها، لا قوة منهارة.

الخلاصة :
عقيدة مونرو هي الإطار الذي يفسر كل ما يجري، الصين هي المحرك الأساسي للتحول الأمريكي.
الاقتصاد والطاقة أعادا رسم الأولويات، الشرق الأوسط تراجع، وأوروبا تختبر وأمريكا الجنوبية أصبحت خط الدفاع الأول.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية
- العلاقات العاطفية والذكاء الاصطناعي
- أوكرانيا وصراع المستقبل الجيوسياسي
- التسول الممنهج وتفكيك المجتمع
- استعراض المسؤول وصناعة الوهم السلطوي
- طغيان الولاء وموت العقل


المزيد.....




- ماسك يتربع على عرش أغنى أغنياء العالم في 2025.. إليكم قيمة ث ...
- كويتية تستكشف سحر مزارع الشاي في تركيا
- وسط جدل عالمي حول -غروك-.. ماسك يدافع عن خاصية تجريد الناس م ...
- الجيش السوري يُعلن دير حافر وبلدات أخرى -منطقة عسكرية مغلقة- ...
- بن علي ومبارك.. خبير يعلق على احتجاجات إيران ويقارنها بالربي ...
- بهدف مواجهة واشنطن.. روسيا تبني مسارات بديلة لضمان عدم انقطا ...
- من الذي يحكم إيران؟
- احتجاجات غير مسبوقة في إيران:هل يسقط النظام هذه المرة؟
- قطاع غزة: النفايات المكدسة تتحول إلى بؤر ملوثة وتهدد بانتشار ...
- إيران.. حراك احتجاجي متصاعد وضغوط أمريكية متزايدة على النظام ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي