أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - الحس التصويري في صناعة المشهد السينمائي














المزيد.....

الحس التصويري في صناعة المشهد السينمائي


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


النص يفتح بابه على مقهى صغير، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى مجاز شاسع لروح زمنٍ مثخن بالوحدة. الشخصيات جلوس لا يلتفتون إلى بعضهم، يكادون يتآكلون بصمتهم أكثر مما تأكلهم الأيام. هنا تتجسد قوة النص في قدرته على التقاط المشهد العابر وتحويله علامةً على مرضٍ عام: عزلة متضخمة، هواتف عملاقة تُصغّر الإنسان في داخله. تتجاور الصور: تبغ يشتعل ببطء، شاشات تحدّث نفسها، ووجوه ضائعة لا تنتظر أحدًا. تلك الصور تمنح النص كثافته الشعرية وتضع القارئ داخل الجو لا خارجه.
الإيجابية الأولى تكمن في حسّه التصويري وطاقته على صناعة مشهدٍ سينمائيّ من تفاصيل يومية رتيبة. اللغة مشحونة بلا افتعال، قريبة لكنها موّارة، تحمل نبرة مرثية دون أن تغرق في البكاء. كما أن النص يجيد ربط الخاص بالعام؛ مقهى صغير يتحول إلى خريطة عالمية، وصمت أفرادٍ يتحول إلى عرضٍ اجتماعي لشللٍ جماعي. تتسلل فكرة “فيروس العزلة” دون أن تُسمّى مباشرة، إذ يتكفّل المشهد بتجسيدها: أجساد متقاربة ومسافات روحية شاسعة، أصابع تتحرّك والشعور متيبّس، فيديوهات لا تُغني عن بيتٍ دافئ ولا عن قصيدة تقرع القلب. يتبدّى هنا بعد نفسي واضح: الإنسان محاط بالآخرين لكنه فاقد القدرة على التماس، ممتلئ بالصور وفقير بالمعنى، مشبع بالضجيج وخاوٍ من الحوار. هذه المفارقة تشتغل داخل النص بهدوء موجع.
غير أن النص يترك أيضًا ظلاله السلبية، لا بمعنى الضعف الفني، بل من حيث ميله أحيانًا إلى تقريرية مباشرة في بعض الجُمل التي تكاد تصبح حكمًا جاهزًا على العصر. يقف القارئ أمام عبارات مثل “انقرض زمان الشغف” أو “أصابت الجميع بالشلل” فيشعر أن المشهد البهي قد أُغلق باستنتاج قاطع، بينما قوة الفن في فتح الأسئلة لا إغلاقها. كذلك يضغط النص على نبرة التشاؤم من دون فسحة مقاومة داخلية، فلا يُتيح للحياة أن تهمس من تحت الركام، ولا للشغف أن يطل برأسه ولو من صدع صغير. ومع ذلك، قد يكون هذا القصد ذاته جزءًا من صدقه: هو يريد أن يصرخ لا أن يواسي، أن يشخّص لا أن يعالج.
البعد الاجتماعي يمر في النص كالريح الباردة. يتحدث عن أجيال متجاورة: كادحون، مسنون، وثلاثينيون تقرضهم الأيام، وكأن الزمن سكين مشتركة تقطع الجميع بحدٍ واحد. يذوب الفارق الطبقي والعُمري أمام عزلتهم المتشابهة. الهاتف الذكي يصبح السلطة الجديدة، يقيم جدرانًا عالية بلا إسمنت، ويعيد تشكيل العلاقات على هيئة نقاط منفصلة في شاشة. هذا التوصيف يلمس تحولات المجتمع المعاصر حيث تتآكل الجماعة، وتذبل طقوس اللقاء، وتتحول المشاركة إلى استهلاك صامت للمحتوى. كما يطل البعد النفسي من خلال صورة “الغريق بروحه”، إنسان ينظر إلى الموت في الشاشة فلا يرتجف، لأن الإحساس نفسه خدرته الفيضانات الرقمية. هنا ينجح النص في مساءلة أخلاق التلقي في عصر المشاهدات اللانهائية: كيف يتحول الألم إلى مادة عرض، والموت إلى مشهد إضافي في قائمة التشغيل.
أما أدبيًا، فتتجلى أهميته في مزاوجة السرد بالنَفَس الشعري، وفي قدرته على جعل النقد الاجتماعي يمر عبر صورة لا عبر خطبة. يختار النص الاقتصاد في العناوين والشرح، ويترك اللغة تتنفس بحرية. استعاراته بسيطة لكنها حادة: “مليار فيديو” يثقل الذاكرة، “المتجردات” التي تحولت من قصيدة واحدة إلى سيلٍ يغرق المعنى، وجدران العزلة التي “عُمِلِقت” حتى صار اختراقها شاقًا. هذه اللغة تمنح التجربة طابعًا مرثويًا يليق بعامٍ تتكثف فيه الأسئلة حول جدوى التواصل وجدوى القصيدة وجدوى المشاركة الإنسانية نفسها.
في المحصلة، النص مرآة قلقة لعام ٢٠٢٥، لا تدّعي الحياد ولا الوقار الأكاديمي الجامد. إنه نص يطلق إنذاره بقلب شاعر لا بمخبر اجتماعي، ويضع إصبعه على الجرح من دون تخدير. إيجابيته في صدقه وصوره ونبرته التي تمزج السرد بالشعر، وسلبيته في ميله إلى الإطلاقية واليأس الكلي. لكنه، بهذا كله، يظلّ شهادة على زمنٍ تتحدث فيه الشاشات كثيرًا ويصمت البشر أكثر، زمنٍ يتكاثر فيه المحتوى ويقلّ فيه الاحتواء، وتتحول فيه العزلة من حالة فردية إلى فيروسٍ جماعي يمرّ في الهواء مثل نفسٍ بارد لا يُرى لكنه يُحسُّ عميقًا.
الكاتب محمد بسام العمري



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة كونية تبدا من شموخ الف عام
- رحلة كونية تبدا من شموخ الالف عام
- الشجرة المعمرة
- الوجع يرتدي رداء الكلمات
- تجسيد القدر
- التكثيف في ( لحظات إلى السوق)
- لحظات إلى السوق
- انتقال السلطة من الاندفاع إلى الحذر
- إزاحة الدلالة الزمنية بين الحاضر والماضي
- فلسفة الوجع من الافتراس إلى السكري
- بعد شيخوخة الجسد
- صراع القلاع والوحوش قراءة في نص إباحة المحارم
- إباحة المحارم
- مسخ روحي
- كتاب ( المساحة السيكولوجية في شعر البريكان) ج١
- محدوية نقد الذكاء الصناعي
- تحليل الذكاء الصناعي لنص ادبي
- فيروس العزلة
- السمات الرئيسة في الأعمال الشعرية الاخيرة
- نهاية باشتعال ٢. قصيدة


المزيد.....




- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...
- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
- عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية ...
- كأس الأمم الأفريقية: مدرب ساحل العاج :- المنتخب المصري لا يج ...
- بين الفيلم والرواية: أعمال فنية كشفت حدود الخيانة الإبداعية ...
- الفيلم التونسي-صوت هند رجب- ينضم إلى القائمة الطويلة لجوائز ...
- فيلم في بلاد آرتو: رحلة إلى أرمينيا لمواجهة أشباح الحرب
- للأسبوع الرابع.. -أفاتار 3- يتربع على عرش السينما الأميركية ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - الحس التصويري في صناعة المشهد السينمائي